بقلم/ فيصل مكرم
– يُدركُ الرئيسُ الأمريكي جو بايدن وحزبه أن فوز الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية العام القادم سيكون كارثيًا عليهما، لأن ترامب رجل انتقامي لا ينسى ولا يعرف الاستسلام، وحين يشعر بالضعف يُهاجم بضراوة، ورغم خطورة الاتهامات التي وجهها المُدّعي العام الفيدرالي على مُستقبل ترامب السياسي وقد تؤثر سلبًا على طموحه في الوصول مرة أخرى إلى البيت الأبيض إلا أنها غالبًا لن تمنعه من الترشح إذا ما استمرت عملية التقاضي ولم تُحسم قبل موعد إجراء الانتخابات، وحتى خصومه -في الحزب الجمهوري- ومنافسوه على الترشح عن الحزب يعملون على إضعافه واستغلال معركته القضائية لإزاحته عن طريقهم، بالرغم من أنه يفوقهم شعبية بين جماهير الحزب بحسب آخر استطلاعات الرأي.
– خلال أربع سنوات -سيدًا للبيت الأبيض- لم يكن ترامب قبلها يتولى أي منصب سياسي، كان ولا يزال رجل أعمال يُجيد لغة الأرقام وإبرام الصفقات ويذهب حيثما تدفع به مصالحه التجارية، وما إن خاض معركة الترشح رئيسًا لأمريكا أكبر قوة في العالم، شعر بأنه سينتقل إلى عالم آخر يعتقد بأنه جدير به أو كلاهما جدير بالآخر في هذا العالم من المُعتركات ومن ألاعيب السياسة ودسائسها وتجاذباتها وصراعاتها، وهي بالطبع عوالم مُجتمعة هائلة ومُعقدة بحجم أمريكا ونفوذها ومصالحها مع العالم، غير أن ترامب خلال توليه الحكم دون تجربة سياسية مُسبقة اعتمد على رؤيته الشخصية في التعاطي مع الكثير من الملفات التي كان يجدها كل صباح على مكتبه البيضاوي، مُعتقدًا أن مُستشاريه ومُساعديه وأركان إدارته يُحاولون إظهار ذكائهم عليه وتقييده والحدّ من طموحه، فكان أن أقدم على اتخاذ مواقف أساسية من قضايا ثانوية والعكس صحيح، ونفذ سلسلة من التغييرات في أركان إدارته بدت في أغلبها غريبة وغير مألوفة في بلد مثل أمريكا، بالإضافة إلى تحشيد المؤيدين المُتطرفين، وكلها أثارت قلق التيار التقليدي في الحزب الجمهوري مما قد ينويه ترامب ويرتكبه دون سابق توقع، وبالمُقابل كان خصومهم الديمقراطيون مُتربصين، يُراقبون بارتياح ما ستؤول إليه مُغامرات ترامب، ومع ذلك كان الرجل تحت تأثير قوة ونفوذ السلطة إلى درجة اعتقاده بأنه الرجل الأقوى الذي يؤيده غالبية الأمريكيين.
– شعر ترامب -غالبًا- بالصدمة إثر سقوطه في الانتخابات أمام الرئيس بايدن الذي كان يسخر منه طيلة معركته الانتخابية، ولولا أن الديمقراطية الأمريكية راسخة ومُحصنة بسياج قوي ومتين يتمثل في الدستور والقوانين والتقاليد الأزلية لكان ترامب أجرى تعديلات دستورية (على غرار ما يحدث في عالمنا العربي) تُتيح له البقاء في البيت الأبيض بقية عمره، لكن أمريكا ليست من جمهوريات الموز كما قال الرئيس الأسبق بوش الابن تعليقًا على مشهد اقتحام أنصار ترامب لمبنى الكابيتول احتجاجًا على سقوطه في الانتخابات، ثم كان رفض ترامب الالتزام ببروتوكول وتقاليد مُغادرة البيت الأبيض كسابقيه، وهي التقاليد التي يعتبرها الأمريكيون جزءًا من ثقافتهم وتميّزهم عن باقي الدول الديمقراطية في العالم، ما ضاعف من مخاوف الجمهوريين من تأثيرها على مكانة وقوة ومُستقبل الحزب، واليوم يخوض ترامب معارك على جبهات مُتعددة أخطرها الاتهامات القضائية، ورغبة خصومه في الحزب الجمهوري في عدم تمكينه من الترشح عن الحزب للرئاسة القادمة، ثم الحزب الديمقراطي -عدوه اللدود- الذي يستعد جيدًا لإسقاطه أو إسقاط أي مُرشح جمهوري استنادًا إلى أخطاء ترامب ودوره في انقسام حزبه، حيث أصبحت مخاوف ومصالح الديمقراطيين تتقاطع نظريًا مع قلق الجمهوريين من فوز أو سقوط ترامب في الانتخابات المُقبلة. فبأي معركة على جبهاته المُتعددة والمنهكة يمكن لترامب
الخروج منها مُنتصرًا أو تُعيده إلى المكتب البيضاوي لينتقم ويصفّي حساباته الشخصية على طريقته الترامبية التي عُرف بها خلال سنوات ولايته الأولى أم أن حِقبة ترامب تُوشك على النهاية.
* صحافي وكاتب يمني
fmukaram@gmail.com
تويتر @fmukaram
