حماد صبح*
يقترب زلزال التطبيع السعودي الإسرائيلي مسرعا. وما أسهل أن تستجيب أميركا للشروط الثلاثة التي حددتها الرياض لهذا التطبيع. كل شيء يمكن الاتفاق عليه بين الدول الثلاث أميركا وبلاد الحرمين وإسرائيل، ثمنا للتطبيع الذي سيكون زلزالا تاريخيا يقلب كل المعادلات في المنطقة ، وينفذ تأثيره إلى بقاع عديدة في العالم . أما الشرط الجانبي الذي تطالب فيه الرياض بمنح شيء للفلسطينيين، وتسميه أحيانا تسمية غامضة مرتجفة “دولة “، فما هو بأكثر من ضريبة كلام مثلما يصفه مسئول إسرائيلي . والرياض قالت مع اقتراب زلزال التطبيع إنها ستمضي فيه ، ولن تجعل الفلسطينيين عائقا له متوافقة مع نتنياهو الذي قال إنه محظور منح الفلسطينيين حق النقض على التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل ، وفي باله بلاد الحرمين . والالتزامات التي يشاع أن الرياض تطالب بها إسرائيل نحو الفلسطينيين ستتظاهر إسرائيل كلاميا تظاهرا غامضا بالموافقة عليها ، فالمهم الفوز الآن بتوقيع اتفاق التطبيع ، وبعده تلعب مع الفلسطينيين لعبتها التي لا تتخلى عنها إذا طمعت في كسب شيء منهم أو من أي دولة عربية، وهو الوعد بأمور لا صلة لها بالأرض أو الحقوق السياسية ، ويسهل وقفها فورا عند أي خلاف معهم أو بدونه .
ودائما تسمي هذه الأمور تسهيلات قد تكون في التنقل، أو إدخال بضائع معينة إلى غزة كانت ممنوعة ، أو إدخال عمال من غزة للعمل فيها. ومن الالتزامات التي تطالب بها الرياض إسرائيل : نقل بعض الأراضي التي تسيطر عليها في الضفة إلى السلطة الفلسطينية، وهذا في المنطقة ج ، والحد من النشاط الاستيطاني، ووقف أي خطوات لضم أجزاء من الضفة. وستعد إسرائيل مؤقتا بالاستجابة للالتزامات المطلوبة وعدا غامضا لا إلزام ولا قانونية محددة فيه، ولن تنفذ أي وعد، ومن سيحاسبها؟
أما وعد الرياض باستئناف المساعدة المالية للسلطة التي توقفت عن دفعها في 2016، فمشروطة بردع السلطة للمقاومة الفلسطينية والقضاء عليها ، وهذا هدف إسرائيلي كبير. وواضح أن الرياض لم تطالب إسرائيل بأي التزام نحو غزة مثل رفع الحصار أو تخفيف تشدده . والواقع المشهود أن الرياض ليست لديها صورة دقيقة عن الأحوال في فلسطين ، ولا تهتم بها اهتماما صادقا جادا إلا بقدر تماسها بمصالحها أحيانا تماسا لا تريده .وكل ما تبثه الآن هدفه التمهيد لتطبيعها رسميا مع إسرائيل، وتسويغه لمن يستنكره . وله قيمته وإشارته ألا يوافق على هذا التطبيع من شباب بلاد الحرمين وفق استطلاع جديد سوى 2% .
وفي الدوائر السياسية والأمنية والإعلامية في إسرائيل من يدركون إدراكا يقينيا أن التطبيع مع الدول العربية لن يزيح عن صدر كيانهم ثقل القضية الفلسطينية ، وأنها باقية شوكة حادة قاسية في حلق هذا الكيان . وفي منحى مضاد نرى أن تطبيع الأنظمة العربية المبتورة الصلة برغبة شعوبها الرافضة لهذا التطبيع والمستنكرة له لن يأتيها بالأمان الذي ترتجيه لنفسها من أميركا وإسرائيل. الأمان الحق الراسخ يأتي من مطاوعة رغبة هذه الشعوب التي تعلم علما مستيقنا لا شبهة ولا ريبة فيه أن أميركا وإسرائيل عدوان متغولان للعرب والمسلمين ، وأن من اغتصب فلسطين يغتصب الأوطان العربية والإسلامية بأسلوب أو بآخر ، وأحد آيات هذا الاغتصاب تلهف الرياض وتحمسها للتطبيع مع إسرائيل ، ولو أرادت خلافه ما استطاعت . الأنظمة زائلة حائلة مهما امتد أجلها ، والأوطان باقية بشعوبها بحال من القوة أو حال من الضعف أو بخليط من الحالين، وأكبر وأجلى آيات هذه الحقيقة المنبثقة من الأزل والمنطلقة صوب الأبد الشعب الفلسطيني الذي ما فتىء في وطنه يقاتل مغتصبه ويزعزع عيشته رغم قوته المادية الكبيرة المتنوعة.
إنه المغتصب الأحمق الذي ضلل نفسه زاعما خلو الوطن الفلسطيني من أهله ، وما زال يوالي تضليله لها بتجاهل هذا الشعب وحقه في الحرية والأمن والكرامة وتقرير المصير التي يخص المغتصب بها نفسه كأنه الوحيد في فلسطين ، ويصنع من فوق رأس الشعب الفلسطيني علاقات طبيعية مع أنظمة تقاسمه تفوقه في وهنه على بيت العنكبوت. إنها بيوت عنكبوت تتساند وتتعاضد في جبهة واحدة. ودائما رب خير في شر لا نريده ، وهذا ما يقرره رب العزة _ جل في علاه _ : ” وعسى أن تكرهوا شيئاَ وهو خير لكم “( البقرة : 216)، و”جزى الله الشدائد كل خير = عرفت بها عدوي من صديقي ” في رأي الإمام الشافعي _ رضي الله عنه _ . إنه لا يغضب ولا يستاء من الشدائد القاسيات المضنيات ، بل يراها وسيلته لتمييز أعدائه من أصدقائه . الأعداء يضرونه ويخذلونه، والأصدقاء ينفعونه وينصرونه ، وترتيبا تستأهل الشدائد دعاءه لها بكل الخير، وهذه حال الشعب الفلسطيني الذي ينتسب إليه الإمام العظيم ، وحال الشعب العربي والإسلامي مع محبي إسرائيل من الأنظمة العربية والإسلامية.
*كاتب فلسطيني
تحليل سياسي..هذا ما سيناله الفلسطينيون من التطبيع السعودي الإسرائيلي!
