د. رجب السقيري*
في ذكرى حرب السادس من أكتوبر المجيدة وبعد مرور خمسة عقود ما زالت تختلط المشاعر حولها وتدور في الرأس حكايات متعددة ومختلفة وتعتمل في صدر المواطن العربي الصادق مع نفسه ومع أمته أفكار متناقضة وأسئلةٌ ما زالت أجوبتها حائرة، هل انتصرنا في حرب أكتوبر؟ وإذا كنا انتصرنا فما هي غنيمة الحرب؟ وهل الجواب عودة سيناء إلى مصر بسيادة منقوصة مقابل خروج مصر من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي الذي تحول تدريجياً إلى صراع فلسطيني إسرائيلي، كما أدى إلى تخلي مصر عن الدور القيادي للأمة العربية وترك الدول العربية بلا راعٍ وبلا بوصلة توجهها؟ المؤلم في الإجابة عن هذا السؤال هو الخشية أن نغمط الجندي المصري والجندي السوري وكل الجنود العرب الشجعان الذين شاركوا في القتال، أن نغمطهم حقهم رغم أنهم استبسلوا وضحوا بأرواحهم كي يتحقق النصر ويتم استرداد الأرض التي اغتصبها العدو في حرب حزيران/يونيو 1967.
لم يكن الجنود المصريون والسوريون والعرب الآخرون على علمٍ بأن انتصارهم العسكري على العدو سيحوله السياسيون إلى هزيمة نكراء لأمة العرب، ولم يكونوا على علم بأن الحرب التي خاضوها وجمعت الأمة العربية على هدف واحد، واستخدم فيها سلاح النفط لأول وآخر مرة، ستكون نتيجتها تفرق الأمة وتشتتها وفقدان عزيمتها ووحدة كلمتها، والحقيقة المرة أن استثمار النصر في حرب أكتوبر قد فشل فشلاً ذريعاً بعد أن أودع الرئيس السادات مصير هذا الانتصار لدى الولايات المتحدة بدعوى أن في يدها 99 في المائة من أوراق اللعبة، وحتى لو سلمنا بذلك فهل كانت الولايات المتحدة وسيطاً عادلاً منصفاً أم خصماً منحازاً بنسبة مائة في المائة لدولة الاحتلال الإسرائيلي ؟ ففي الوقت الذي قام السادات قبيل الحرب بطرد الخبراء العسكريين السوفيت الذين ساعدوا مصر في بناء وتشغيل حائط الصواريخ على طول قناة السويس، ربما ليثبت لواشنطن حسن نواياه ويطمئنها أن مصر لم تعد متحالفة مع موسكو، غريم الولايات المتحدة ومنافسها في زعامة النظام الدولي الذي كان حتى ذلك الوقت ثنائي القطبية، قام الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بمجرد أن سمع بنشوب الحرب بمد جسرٍ جوي إلى إسرائيل قوامه 228 طائرة نقل حربية أمريكية تمثل 60 بالمائة من أسطول النقل الجوي الحربي الأمريكي، حيث نقلت هذه الطائرات خلال ثلاثة أيام إلى إسرائيل كميات هائلة من الدبابات والأسلحة والمعدات والآليات التي كان من شأنها قلب ميزان المعارك الدائرة بين القوات المصرية والجيش الإسرائيلي، بل لولا هذا الجسر الجوي لما تمكن شارون من اجتياز قناة السويس إلى الأراضي المصرية غرباً وفتح الثغرة التي عرفت بثغرة الدفرسوار .
تنحي مصر عن قيادة الأمة العربية ودخولها في سلام منفرد مع إسرائيل وتنكرها للقضية الفلسطينية أدى إلى عزلة مصر عن الأمة العربية لمدة عشر سنوات نقلت خلالها جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس، كما أدت عزلة مصر إلى بروز قيادة عربية جديدة تمحورت حول العراق ولكن قيادة العراق تعرضت لمؤامرتين أمريكيتين كبيرتين أدتا فيما بعد إلى تحطيم قوة العراق وهدر موارده ومقدراته وإعادته عشرات السنين إلى الوراء وخروجه من دائرة الصراع مع الدولة العبرية . كانت المؤامرة الأولى إغراء الرئيس صدام حسين عام 1981 بمحاربة إيران بدعوى الحد من طموحات الأخيرة ومنعها من تصدير الثورة والتدخل في شؤون الدول العربية المجاورة وتحويل الصراع في المنطقة إلى صراع عربي إيراني وإبعاده عن دولة الاحتلال الإسرائيلي . كانت نتيجة هذا الصراع استنزاف موارد كلٍ من العراق وإيران .
أما المؤامرة الثانية فكانت أفظع من الأولى عندما قامت واشنطن بإغراء الرئيس صدام وتشجيعه على احتلال دولة الكويت الشقيقة مما أدى في النتيجة إلى استكمال تحطيم قوة العراق وحصاره ونهب موارده ومقدراته وخوض حربين ضده الأولى لتحرير الكويت والثانية بدعوى امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل التي ثبت كذبها بالدليل القاطع .
بعد خروج كلٍ من مصر والعراق من دائرة الصراع مع إسرائيل رأى الوسيط غير العادل بين العرب وإسرائيل أن يعقد مؤتمراً للسلام بين الجانبين في مدريد ليس بهدف تحقيق السلام العادل والدائم والشامل بل بهدف استكمال عزل الدول العربية عن بعضها وعزلها عن القضية الفلسطينية واستكمال تحويل الصراع من عربي إسرائيلي إلى فلسطيني إسرائيلي، وهكذا كان إذ رفضت إسرائيل تعاضدها أمريكا أي مفاوضات مع العرب كمجموعة وتحولت المفاوضات إلى مسارات بين إسرائيل وكل دولة من الدول العربية المشاركة على حدة فتمكنت بذلك من شق الصف العربي وأوصلت الأمور إلى نهايتها بنجاحها في شق الوفد الفلسطيني إلى وفدين أحدهما يفاوض رسمياً في واشنطن بالعلن والآخر يفاوض سراً في أوسلو وانتهت المفاوضات إلى اتفاقية أوسلو الهزيلة التي ما زال الشعب الفلسطيني يعاني حتى الآن من نتائجها.
ثالثة الأثافي أن الانتصار العسكري في أكتوبر 1973 والذي تلاه مسلسل من الهزائم السياسية للأمة العربية ابتدأ بخروج مصر عن ساحة الصراع العربي الإسرائيلي وتخليها عن دورها القيادي ثم تحطيم قوة العراق ونهب مقدراته تلاه عملية السلام الخادعة التي استكملت تفرق الأمة وتشتتها وتقزيم الحقوق الفلسطينية تمهيداً لشطبها واستمرار إسرائيل بالاستيطان وتهويد القدس وقضم الأراضي الفلسطينية وحصار غزة والتنكيل بالشعب الفلسطيني، هذا المسلسل الذي لم يختتم بعد ولم يصل إلى نهايته أفرز حلقة من أخطر حلقاته كان ظاهرها ربيعاً عربياً يهدف إلى إحلال الديمقراطية والتخلص من الحكام الطغاة وباطنها يهدف إلى تقسيم وشرذمة العالم العربي وخلق صراعات داخلية بين فئات المجتمع على أسس عرقية أو دينية طائفية وكانت النتيجة كما نشاهدها الآن حروب أهلية وصراعات أنهكت قوى الدول العربية التي لا تسير في فلك أمريكا ولا تستظل بظلها والنتيجة ما نراه في سوريا وليبيا وتونس واليمن إضافة إلى ما يحدث في العراق وما رأيناه في مصر خلال ما سمي بالربيع العربي .
أمام هذا الحال العربي الذي لا يرضي أحداً من العرب يشارك كاتب هذه السطور الملايين من أبناء الأمة العربية التحذير من تفاقم الأوضاع في بلادنا أكثر فأكثر إذا لم نتنبه للأخطار الداهمة والقادمة التي تواجه أمتنا.
ختاماً دعونا نردد مع الشاعر ابراهيم اليازجي الذي ناشد العرب قبل ما يزيد عن قرنٍ ونصف من الزمان قائلاً : تنبهوا واستفيقوا أيها العربُ فقد طمى الخطبُ حتى غاصت الركبُ .
*سفير سابق وباحث في العلاقات الدولية والدراسات الدبلوماسية
تحليل..حرب أكتوبر.. النصر العسكري وهزيمة الفشل السياسي !
