بقلم/ايهاب سلامة*
كشفت المجازر الجماعية التي يتعرض لها سكان قطاع غزة، جراء حرب الإبادة التي يشنها كيان الإجرام الدموي، بعداً عميقاً لعجز الموقف الرسمي، العربي والإسلامي، ومدى تخاذله، وعرّت سوءته تماماً أمام شعوبهم التي تراقب 57 دولة عربية واسلامية، بعديدها وعتادها، بنفطها وثرواتها، وهي عاجزة لا عن الدخول في حرب مع كيان الاحتلال (لا سمح الله)، بل عن إدخال علبة حليب واحدة إلى أطفال غزة.
الشارع العربي الذي وصل غليانه درجة الانفجار، يرى القيادات الغربية وهي تتهافت إلى تل أبيب، وتستقدم الأساطيل والجيوش إلى البحر المتوسط، وتقدم كافة الدعم المالي والعسكري والاستخباري والدبلوماسي والاعلامي واللوجستي للكيان المجرم، بينما يرى الصمت الرسمي العربي، وتخاذله حتى عن عقد قمة من قممه البائسة، رغم قرابة شهر على حرب الإبادة، ليعلن انعقادها في 11 تشرين الثاني، أي لما بعد خراب مالطا!
ad
المقاومة الفلسطينية الباسلة، حشرت الدول والانظمة العربية والاسلامية في زاوية حرجة، ووضعتها في اختبار تاريخي ووجودي أمام شعوبها المتعطشة لأخذ ثأرها من الكيان الإرهابي المارق، بعد أن شاهدت تلك الشعوب ثلة من المقاومين الفلسطينيين البواسل، بتسليحهم المتواضع، ومعنوياتهم القتالية الايمانية الأسطورية، وهم يجولون في عمق الكيان، ويسيطرون على العشرات من معسكراته ومستوطناته، ومراكزه الأمنية والاستخبارية، ويأسرون المئات من جنوده القتلة، ويفتكون بالالاف غيرهم، ويسطرون ملحمة تاريخية، وحققوا ما عجزت عنه الدول العربية والإسلامية طيلة قرن من الصراع، في غضون ساعة زمن واحدة.
والشارع العربي، يرى المواقف البطولية لزعماء كولومبيا وبوليفيا وغيرهما، اللتان لا تربطهما علاقة قومية ولا عقدية وجغرافية مع فلسطين، وهما يقطعان علاقات بلديهما الدبلوماسية مع كيان الاحتلال، ولم تقدم دولة وزعيما عربيا على طرد سفير الاحتلال وسحب سفراء بلاده من تل ابيب، اللهم باستثناء الأردن وحده.
كان على الأمتين العربية والإسلامية استثمار اللحظة التاريخية، والاشتباك مع هذا الكيان النجس بكل قواها ومقوماتها وامكاناتها، بالكلمة والفعل، بالمقاطعة والمحاصرة، بإغلاق الاجواء أمام طائراته، وسد المعابر والمضائق بوجه السفن المتجهة اليه، بقطع علاقاتها المخزية معه، والغاء معاهداتها واتفاقياتها، ومحاصرته ومقاومته بكل الوسائل، سياسيا واقتصاديا وإعلاميا ودبلوماسيا، وعسكريا، مهما بلغت التضحيات، في سبيل استئصال هذا الورم السرطاني الجاثم في قلبها والخلاص منه.
على النظام العربي أن يدرك، بأن المقاومة الفلسطينية أصبحت أنموذجا ملهماً، وموحياً، لمئات الملايين من شباب الشعوب العربية والاسلامية، ويدرك، بأنها أحيت حقبة كاملة بعد تغييبها، وجيلاً بأسره، كان يغط في سبات عميق، تم تمييعه بشكل ممنهج، لابعاده عن قضايا أمته، ليصحو اليوم وهم يترقبون طلة ابو عبيدة، ليشحذوا منه العزيمة والهمة، ويتعلموا منه دروس المقاومة.
لقد رفعت المقاومة الفلسطينية الملهمة، سقف تطلعات الشعوب، ومطالبها وطموحها، وصارت بوصلتها، وقدوتها، وانتهى الأمر. وستطرق أبواب التغيير والتحرر من سياسات الخنوع والخضوع التي رضعت منها، إن آجلاً أو عاجلاً، بعد يقينها أن المقاومة هي السبيل الأوحد لتغيير واقع ومستقبل ومصير الأمة.
الذي يعتقد بأن ما قبل 7 اكتوبر، كالايام التي بعده، عليه أن يراجع حساباته جيداً، فنقطة التحول التاريخي حدثت، وقافلة التغيير انطلقت، ومن سار معها، فقد ضَمِنَ مرافقة الشعوب المتعطشة للتحرر والتحرير، ومن بقي دونها، سيدفع الثمن باهظاً لوحده!
*كاتب اردني
تحليل ..المقاومة تلهم الشعوب.. وغزّة تضع الأنظمة في اختبار تاريخي!
