د.رجب السقيري*
في ظل تقصير حكومات الدول العربية والإسلامية وفشلها في وقف حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة ، ثمة آمال ولو ضعيفة تعلقها شعوب هذه الدول وعلى رأسها الشعب الفلسطيني على الجهود التي تبذلها جنوب إفريقيا التي رفعت القضية إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي . ولعل السؤال الأهم الذي يخطر حتماً على بال القاريء ويجعله يقفز إلى نتيجة هذه الدعوى القضائية الدولية ويتساءل فيما إذا كانت الدولة المعتدية ستوقف حرب الإبادة على المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة بمجرد صدور قرار محكمة العدل الدولية ، وهل يمكن فرض عقوبات رادعة على تلك الدولة كي لا تكرر فعلتها وكي تكون درساً لها ولغيرها من دول العالم ؟
هنا أستميح القاريء الكريم عذراً في أن يسمح لي قبل الأجابة على هذا السؤال بإيراد بعض الإيضاحات الهامة حول المحكمة التي ستنظر في القضية والظروف المحيطة بمداولاتها واحتمالات النجاح والفشل ، ثم نأتي إلى الإجابة على السؤال المشار إليه.
محكمة العدل الدولية International Court of Justice
هي الذراع القضائي للأمم المتحدة وإحدى الأجهزة الست الرئيسة للمنظمة الدولية (علماً بأن الأجهزة الأخرى تضم : الجمعية العامة ، ومجلس الأمن ، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ، ومجلس الوصاية ، والأمانة العامة) . وقد تأسست المحكمة ، التي تتخذ من مدينة لاهاي في هولندا مقراً لها ، مباشرةً بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945 في نفس وقت إنشاء الأمم المتحدة ، ومهمتها الفصل في النزاعات بين الدول الأعضاء ، وهي غير محكمة الجنايات الدولية International Criminal Court التي تأسست في روما عام 2002 ومقرها أيضاً في مدينة لاهاي وتختص بمحاكمة الأشخاص (وليس الدول) المتهمين بارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية
لماذا محكمة العدل الدولية ؟
هنا لا بد من التساؤل لماذا اختارت جنوب أفريقيا محكمة العدل الدولية لرفع قضية الإبادة الجماعية علماً بأن محكمة الجنايات الدولية مختصة بجرائم الحرب والإبادة الجماعية ؟
الجواب على ذلك أن إسرائيل ليست عضواً في محكمة الجنايات الدولية
وأن هدف جنوب أفريقيا من رفع الدعوى هو وقف حرب الإبادة أولاً ثم معاقبة الدولة التي قامت بها ، كما أن الدعوى المرفوعة تستند إلى اتفاقية منع الإبادة الجماعية Genocide Convention التي دخلت حيز التنفيذ عام 1951 وانضمت إليها إسرائيل عام 1950. وربما السبب الآخر لاختيار محكمة العدل الدولية وليس محكمة الجنايات هو أن الأخيرة تستغرق وقتاً طويلاً في مداولاتها قد يمتد لسنين ، وقد لا تجد المحكمة تعاوناً كافياً من الدول الأعضاء لإلقاء القبض على الأشخاص المتهمين بالإبادة الجماعية ومحاكمتهم ، ثم إن محاكمة الأشخاص المتهمين قد لا توقف الحرب وهو الأمر الأهم والسبب الرئيس والعاجل لرفع هذه القضية .
لماذا جنوب إفريقيا وحدها ؟
جدير بالذكر أن ستة عشر دولةً عربية موقعة على “اتفاقية منع الإبادة الجماعية” التي تستند إليها الدعوى . ولو قامت الدول العربية الموقعة على الاتفاقية مجتمعةً بالاشتراك مع جنوب أفريقيا وبعض الدول الصديقة الأخرى في رفع الدعوى لشكلت زخماً كبيراً ولكانت فرص نجاح الدعوى أقوى بكثير مما هي الآن . لا أريد أن أسهب في شرح الآثار السلبية للتقصير العربي في هذا المجال ، ولكن لا بد من التنويه بأن الأردن رغم ظروفه الصعبة ووضعه الدقيق إلا أنه كان الدولة العربية الوحيدة تقريباً التي أعلنت بلسان نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية أيمن الصفدي عن دعمها للدعوى التي قدمتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية كما تقوم وزارة الخارجية الأردنية بإعداد الملف القانوني اللازم لمتابعة الدعوى المذكورة . كذلك قام المركز الوطني الأردني لحقوق الإنسان بإصدار بيانٍ قوي يدعم خطوة جنوب أفريقيا .
موضوع الدعوى وتشكيلة قضاة المحكمة
تستند الدعوى المقدمة من جنوب أفريقيا كما تمت الإشارة أعلاه إلى توجيه الاتهام لدولة الاحتلال بالانتهاك الصارخ لاتفاقية منع الإبادة الجماعية ، وستبدأ المحكمة جلسات استماع للطرفين يومي الخميس والجمعة القادمين الحادي عشر والثاني عشر من الشهر الجاري .
يفترض طبعاً وبلا أدنى شك أن قضاة المحكمة الخمسة عشر يتمتعون بأقصى درجات النزاهة ولكن لا ندري مسبقاً إذا كانت هذه القضية ستتعرض إلى حالة من التسييس قد تجعل حكم المحكمة يتسم بالتحيز إلى طرفٍ دون الآخر .
هذا علما بأن الإثباتات التي ستقدمها جنوب إفريقيا ستكون كافية لإدانة إسرائيل إذ بلغ عدد الشهداء المدنيين في القطاع حوالي 25 ألفاً نصفهم من الأطفال والنساء والمصابين حوالي 60 ألفاً إضافة إلى تدمير أكثر من 70 بالمائة من البنايات والمنازل وتهجير أكثر من مليون ونصف من السكان إلى جنوب القطاع الأمر الذي يعتبر تطهيراً عرقياً ، إضافة أيضاً إلى تدمير البنية التحتية والمستشفيات والمدارس (بما فيها مدارس الأنروا) مما جعل قطاع غزة غير قابل للحياة .
أما عن تشكيلة القضاة فيوجد ثلاثة قضاة عرب (من المغرب ولبنان والصومال) علماً بأن رئيس المحكمة أمريكي ونائبه روسي ، وباقي القضاة من سلوفاكيا وفرنسا والصين وأوغندا والهند وجامايكا واليابان وألمانيا وأستراليا والبرازيل .
آلية تنفيذ قرارات المحكمة
في قضايا فض النزاعات بين الدول تعتبر قرارات محكمة العدل الدولية ذات صفة استشارية إلا إذا تم تعزيزها بقرار من مجلس الأمن تحت البند السابع ، أما القرارات المستندة إلى معاهدة أو اتفاقية دولية فهي إلزامية ويجب على الدول الأطراف في الاتفاقية العمل على تنفيذها . وعليه إذا اتخذت المحكمة قراراً بوقف حرب الإبادة الجارية في قطاع غزة فيجب على إسرائيل تنفيذها وفي حالة رفضها يتوجب على جميع الدول الأطراف في اتفاقية منع الإبادة الجماعية ضمان تنفيذ قرار المحكمة .
ولكن بما أن المحكمة ليس لديها آلية للتنفيذ فالإجراء المتبع هو أن ترفع قراراتها إلى مجلس الأمن الذي يعد مشروع قرار ويتم التصويت عليه ، فإذا تم ذلك فمن المتوقع طبعاً أن تستخدم الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) .
يرى بعض المحللين وكاتب هذه السطور من بينهم أن واشنطن إذا استخدمت حق الفيتو ستخسر ما تبقى لها من سمعة أخلاقية أمام المجتمع الدولي ، حيث أن محكمة العدل الدولية تتمتع قراراتها بالنزاهة والمصداقية وأن قضية الإبادة الجماعية واضحة وضوح الشمس أمام العالم ، ولا يمكن للولايات المتحدة أن تبقى متمسكة بحجتها الواهية أن إسرائيل تمارس حقها في الدفاع عن النفس. أما إسرائيل فلديها سجل حافل من القرارات التي رفضت تنفيذها ومن بينها أكثر من ستين قراراً من قرارات مجلس الأمن ومئات القرارات الصادرة عن الجمعية العامة ، فهي تنفرد بهذه المزية بسبب الحماية الأمريكية غير المحدودة .
أما إذا أصرت أمريكا على الفيتو لتعطيل تنفيذ قرار المحكمة فستبقى معزولة وحدها وقد ينفض عنها حلفاؤها الأوروبيون وغيرهم ، لذا قد تلجأ واشنطن قبل رفع القرارات إلى مجلس الأمن إلى إقناع حليفتها إسرائيل بوقف حرب الإبادة والدخول في مفاوضات قد تقود إلى ما تراه حلاً وسطاً ، على أن أصعب مرحلة ستواجهها واشنطن مع شريكتها هي إيجاد وسيلة لتل أبيب للنزول عن الشجرة وحفظ ماء الوجه .
إلى الجمعية العامة
إذا فشل مجلس الأمن في اتخاذ قرار لتنفيذ قرار محكمة العدل الدولية سواءً بسبب الفيتو الأمريكي أو لأي سبب آخر فلن يكون أمام دولة جنوب إفريقيا ومن يعاضدها من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلا نقل المسألة إلى الجمعية العامة استناداً إلى قرار “متحدون من أجل السلام uniting for peace resolution حيث تتساوى أصوات الدول الأعضاء في الجمعية العامة صغيرها وكبيرها وغنيها وفقيرها .
وفي هذه الحالة يتوقع أن تعتمد الجمعية العامة بأغلبية كبيرة قرار المحكمة بوقف حرب الإبادة الجماعية وربما بفرض عقوبات على الدولة المعتدية إذا بقيت على رفضها تنفيذ قرار المحكمة.
وهنا نتخيل ما كان يمكن أن تفعله واشنطن لو كان المعتدي ومرتكب جريمة الإبادة الجماعية دولة غير إسرائيل ، مع افتراض أن تلك الدولة تصر على رفضها الامتثال لقرار المحكمة . أقل ما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة في هذه الحالة أن تعلن القطاع بأكمله منطقة حظر الطيران no-fly zone وربما تنشيء تحالفاً لمحاربة الدولة المتمردة والرافضة لقرارات المحكمة الدولية المعززة بقرار من مجلس الأمن تحت البند السابع . أما في الحالة الراهنة فقد تستمر واشنطن في رفضها وتصوت ضد القرار وتأخذ معها إسرائيل وبعض الدول الجزرية الصغيرة في المحيط الهادي كما جرت العادة .
*سفير سابق لدى الأمم المتحدة / جنيف
وباحث في العلاقات الدولية والدراسات الدبلوماسية
تحليل..هل تنجح جنوب إفريقيا في حمل محكمة العدل الدولية على إدانة إسرائيل وإجبارها على وقف حرب الإبادة على غزة.. وهل يمكن فرض عقوبات عليها.. وما هي آلية التنفيذ ؟
