زياد فرحان المجالي*
في عالم تتغير فيه الخرائط الجوية أسرع من الخرائط السياسية، كانت صفقة المقاتلة الصينية J-10C بالنسبة لمصر أكثر من مجرد تحديث لسلاح الجو؛ كانت اختبارًا هادئًا لعلاقات القوى الدولية فوق سماء الشرق الأوسط.
ولأن مصر دولة تقف دائمًا على تماسّ مباشر بين الشرق والغرب، جاء التعثر المفاجئ للصفقة ليعيد طرح سؤال أكبر:
هل كان القرار مصريًا بحتًا؟أم أن القاهرة وجدت نفسها أمام توازن دقيق لا يمكن كسره بسهولة؟
القصة، كما تكشفها المعطيات، ليست “تراجعًا” ولا “خضوعًا”… بل إدارة حسابات معقدة تشبه ما واجهته باكستان في علاقتها مع الصين والهند والولايات المتحدة.
حين تفوقت الطائرة قبل أن تُباع ظهور J-10C في الأجواء المصرية خلال المناورة المشتركة مع الصين لم يكن مجرد استعراض.
كانت القاهرة — ومعها العواصم العسكرية — تراقب أداء الطائرة بدقة:
قدرة عالية في الاشتباك خلف مدى الرؤية
رادار مزدوج الفتحة
الصاروخ PL-15 بمدى يتجاوز 145 كيلومترًا
تكلفة تشغيل منخفضة
مرونة في الإقلاع والعمل من المطارات الصغيرة
هذه الميزات أعادت إلى الأذهان التجربة الباكستانية عندما استطاعت J-10C تغيير “قواعد الاشتباك” في مواجهات محدودة مع الهند.
ولم يكن سرًّا أن مصر تنظر إلى النموذج الباكستاني باعتباره مثالًا على كيف يمكن لطائرة حديثة منخفضة التكلفة أن تعيد توازن القوة دون الدخول في سباق تسلح مكلف.
لكن السماء التي بدت مفتوحة… لم تكن كذلك تمامًا.
واشنطن تدخّلت في اللحظة الحاسمة
بمجرد أن تكشّفت المؤشرات الأولى على تقدم المفاوضات المصرية-الصينية، بدأت الولايات المتحدة تتحرك.
ولم يكن التحرك مرتبطًا بمصر فقط، بل بالسياق العالمي كله:
مبيعات السلاح الصيني تنمو،
والتفوق الأميركي يتراجع نسبيًا،
والشرق الأوسط يتحول إلى ساحة منافسة بين الطرفين.
لذلك جاء الرد الأميركي على ثلاثة مستويات:
1) رسالة ضغط:
الإشارة إلى قانون “كاتسا” الذي يسمح بفرض عقوبات على الدول التي تشتري سلاحًا متقدمًا من الصين أو روسيا.
2) رسالة إغراء:
عرض صفقة بقيمة 4.67 مليارات دولار تشمل:
200 صاروخ AIM-120D
4 منظومات NASAMS-3
تطوير شامل لأسطول F-16
دعم فني مباشر ومفتوح
3) رسالة مواءمة:
“الأسلحة الأميركية تتوافق مع البنية العسكرية المصرية القائمة…
أما إدخال J-10C فسيحتاج شبكة صيانة كاملة جديدة.”
هذا النوع من الرسائل لا يمكن لأي دولة أن تتجاهله، خصوصًا دولة ترتبط بشراكة أمنية ممتدة مع واشنطن منذ أربعة عقود.
**وماذا عن الصين؟
من قال إن بكين خسرت؟**
الصين ليست دولة تتحرك بانفعال.
هي دولة تراكم المكاسب على المدى الطويل.
ولذلك، بعد تعثر صفقة J-10C، استمرت في بناء التعاون العسكري مع مصر عبر:
الدفاع الجوي HQ-9B
المسيّرات WJ-700
التعاون في مشاريع متقدمة للمراقبة
شراكات في الصناعات الدفاعية
تمامًا كما حدث مع باكستان:
رفضت واشنطن دخول الصين في سلاح الجو…
لكن بكين بدأت تدخل عبر أبواب أخرى،
حتى أصبحت اليوم المورد الرئيسي للطائرات المسيّرة الباكستانية.
مصر تتحرك اليوم على خط مشابه:
توازن محسوب… لا انحياز حاد.
الدولة العميقة في مصر: حسابات تتجاوز السلاح
منذ كامب ديفيد وحتى اليوم، لم تُبنَ علاقة القاهرة بواشنطن على أساس التسليح فقط.
هناك ملفات تتداخل فيها المصالح:
دعم الاقتصاد
التعاون الأمني
دور مصر في غزة وسيناء
علاقتها مع أوروبا
ثقلها في البحر الأحمر
أمن قناة السويس
دورها في الجامعة العربية
هذه الملفات تشكل — في مجموعها — “المعادلة الاستراتيجية المصرية”.
إدخال الصين بقوة في سلاح الجو يعني الدخول في إعادة صياغة لهذه المعادلة…
وهو قرار يحتاج سنوات من التحضير، وليس صفقة واحدة.
لهذا اختارت القاهرة التقدم التدريجي بدلًا من “القفزة المفاجئة”.
لكن… لماذا كانت J-10C مغرية لهذه الدرجة؟
هناك سبب جوهري:
الفراغ القتالي الذي تركه تقادم جزء من أسطول F-16.
ولأن الرافال باهظة الثمن،
ولأن F-15 لم تُعرض على مصر بشروط مريحة،
جاءت J-10C كحل جاهز وسريع.
ولولا الضغط الأميركي، ربما كانت اليوم داخل صفوف سلاح الجو المصري.
لكن هذا لا يعني أن الملف أُغلق.
بل يعني أن القاهرة اختارت أن تشتري “الوقت”…
لا أن تشتري “الحسم”.
البعد الباكستاني… الدرس الذي لا يغيب
ما بين سطور القرار المصري يمكن قراءة درس باكستان بوضوح:
إسلام آباد حافظت لعقود على علاقة قوية مع واشنطن،
ومع ذلك بنت سلاح جو مستقلًا تدريجيًا مع الصين…
بدأت بالتعاون،
ثم الإنتاج المشترك،
ثم تطوير النسخ المتقدمة من JF-17،
حتى أصبحت السماء الباكستانية اليوم مزيجًا متوازنًا لا يخضع لأي طرف بشكل كامل.
مصر تدرس اليوم المنهج نفسه:
“تنويع بلا صدام… استقلال بلا خسائر.”
ولا شيء يمنع القاهرة — في المستقبل — من العودة لملف J-10C حين تصبح الظروف أوضح.
الخلاصة: مصر لم تُغيّر الاتجاه… بل غيّرت السرعة
تعثر الصفقة لا يعني إلغاء الخيار الصيني…
ولا يعني استسلامًا للضغط الأميركي…
ولا يعني انحيازًا نهائيًا لأي محور.
كل ما يعنيه هو التالي:
مصر حددت أولوياتها الآنية:
سد فجوة الدفاع الجوي،
تطوير F-16،
والتحرك في مسار آمن سياسيًا واقتصاديًا.
أما المسار الصيني… فهو ليس مغلقًا، بل مؤجلًا.
تمامًا كما حدث في باكستان قبل أن تصبح شريكًا محوريًا لبكين.
فالسماء ليست مجرد طائرات…
بل معادلة نفوذ، وتوازن، وقدرة على اتخاذ القرار.
ومصر — كما تُظهر التجربة — لا تتخلى عن خياراتها،
بل ترتّبها وفق الزمن… لا وفق الضغوط.
*كاتب اردني
بين السماء الصينية والقرار المصري!
