اليمن الحر الأخباري

حين يصبح البحث في القمامة سبيلاً للبقاء!

بقلم/عادل الحيمي

لا تحدثني عن الكرامة بل دعني أحدثك عن أولئك الذين يفتشون في براميل القمامة في شوارع صنعاء وعدن وتعز والحديدة بحثا عن بقايا طعام تبقيهم على قيد الحياة ليوم اخر.
عن اناس يخرجون في عتمة الليل او مع اول خيوط الفجر يتلفتون حولهم خجلا من عيون المارة لا لانهم ارتكبوا ذنبا بل لان الفقر حاصرهم حتى سلبهم ابسط حقوقهم: الحق في الغذاء. هؤلاء ليسوا ارقاما في تقارير المنظمات الدولية ولا مشاهد عابرة في نشرات الاخبار بل بشر من لحم ودم لهم اسماء ووجوه وحكايات دفعتهم انهيار الاقتصاد وتدهور العملة وارتفاع الاسعار الى حافة الجوع حتى صار النبش في القمامة خيارهم الوحيد للبقاء.

في بلد انهكته سنوات الحرب والصراع لم يعد الجوع استثناء بل واقعا يوميا يطرق ابواب مئات الالاف من الاسر.
لم يعد السؤال: ماذا سنأكل اليوم؟ بل: هل سنأكل اصلا؟ رواتب مقطوعة واعمال مفقودة واسعار تتضاعف دون رحمة فيما القدرة الشرائية تتلاشى حتى لدى من كانوا يوما من الطبقة المتوسطة.

امام هذا المشهد تتهاوى كل الشعارات ويصبح الحديث عن الكرامة الانسانية خطابا نظريا لا يصمد امام صورة ام تنحني فوق حاوية قمامة تبحث عن بقايا ارز او خبز يابس لتسد به جوع اطفالها.
في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بيوم الاغذية العالمي وترفع فيه الشعارات عن الحق في الغذاء والامن الغذائي يقف اليمن شاهدا مؤلما على الفجوة الهائلة بين الخطاب والواقع.

هنا لا تعني المناسبات الدولية سوى تذكير اضافي بحجم العجز وبان ملايين اليمنيين يعيشون خارج دائرة الاهتمام الحقيقي رغم ان معاناتهم تعد من اسوأ الازمات الانسانية في العالم. فكيف يمكن الحديث عن الكرامة بينما يجبر انسان على البحث في القمامة ليعيش؟ وكيف يمكن المطالبة بالصبر فيما الجوع لا ينتظر؟

ان مشاهد النبش في القمامة لم تعد حالات فردية او قصصا نادرة بل اصبحت ظاهرة مقلقة في المدن اليمنية تعكس عمق الانهيار الاقتصادي وغياب شبكات الحماية الاجتماعية.
رجال مسنون، ونساء، وحتى اطفال يجوبون الشوارع في اوقات متاخرة او مبكرة خوفا من الوصم الاجتماعي لكنهم في الحقيقة ضحايا نظام اقتصادي منهار وحرب طالت اكثر مما ينبغي ودعم انساني لا يرقى الى حجم الكارثة.
هؤلاء لا يبحثون عن الشفقة بل عن حقهم الطبيعي في الحياة الكريمة.

ان الكرامة لا تختزل في الكلمات ولا في الخطب بل تقاس بقدرة الانسان على اطعام اطفاله دون اذلال وبحقه في لقمة نظيفة دون ان يمد يده او ينحني فوق القمامة.
وحين يحرم الانسان من هذا الحق يصبح الحديث عن القيم الانسانية بلا معنى. الكارثة في اليمن ليست فقط نقص الغذاء بل تطبيع العالم مع هذا المشهد وكانه قدر لا يمكن تغييره.
ما يحتاجه هؤلاء ليس التعاطف الموسمي ولا البيانات المكررة بل ارادة حقيقية تضع الانسان في صدارة الاولويات.
يحتاجون الى دعم اقتصادي عاجل والى سياسات تخفف من وطاة الغلاء والى برامج مستدامة تحمي الفئات الاشد فقرا من السقوط الكامل في هاوية الجوع. كما يحتاجون الى صوت صادق ينقل معاناتهم كما هي دون تزييف او تلطيف ويذكر العالم بان خلف كل رقم في التقارير قصة انسان وحياة مهددة وكرامة تسحق كل يوم.

فالسؤال لم يعد: هل نعلم حجم الماساة؟ بل: ماذا سنفعل حيالها؟ هل سنبقى نكرر الحديث عن الكرامة كقيمة مجردة ام سنسعى فعلا لاعادتها لمن فقدوا حتى حقهم في الطعام؟ في شوارع صنعاء وعدن الجواب واضح في عيون الجائعين ويبقى الامتحان الحقيقي في ضمير العالم وقدرته على التحرك قبل ان يصبح الجوع هو العنوان الوحيد لليمن.

Exit mobile version