اليمن الحر الاخباري/متابعات
أردت الزواج في غزة لأن فراش أي مقاتل في القس.ظام يساوي ألف تقرير استخباراتي.
اسمي كلارا يوهانسن من الدنمارك وأنا مجندة، نعم مجندة ضمن وحدة أوروبية مرتبطة بجهاز أمني إسرائيلي أوروبي مشترك. هذه ليست أول مهمة لي، لكنها كانت الأصعب والأغرب والأقذر.
لم يطلب مني القتل، لم يطلب مني زرع أجهزة، ولا تهريب خرائط، ولا جمع أسماء.
المهمة كانت أوضح من ذلك… وأقذر من ذلك.
كان عليّ أن أتزوج.
لكن من؟
ليس رجلًا بعينه، بل أي رجل من كتائب القسام، أي مقاتل.
قالوا لي: الزواج هو أقصر طريق إلى الأسرار، لأن الفراش يفتح أبوابًا لا تفتحها البنادق.
قيل لي بالحرف: الأسرار لا تُقال في الجلسات الرسمية، بل في الفراش بعد التعب، أو في الصمت الطويل الذي يلي الأمان.
تم تزويدي بهوية مزيفة لكنها مقنعة: فتاة من الأقليات المسلمة في كوبنهاجن، متطوعة مع منظمة أوروبية تُعنى بإعادة تأهيل المناطق المتضررة من النزاعات
قالوا للجانب الفلسطيني: نرسل هؤلاء الفتيات لأنهن مسلمات، وسيكنّ أقرب إليكم من أي أجنبيات أخريات.
الهدف من هذه التغطية أن أكون مقبولة اجتماعيًا، قريبة من النساء، قابلة للاندماج بسرعة في الحياة المجتمعية دون أن أثير شكوكًا.
وقد نجحت الهوية على الفور.
وصلت إلى غزة ضمن قافلة إنسانية دنماركية.
لم يكن الدخول عسيرًا، بل مرتبًا بدقة.
دخلت وأنا أرتدي الحجاب، وحملت في حقيبتي نسخة من المصحف مهداة من المركز الإسلامي في كوبنهاجن… أو هكذا كتبنا عليها.
وفي جيبي ورقة صغيرة كتبت فيها جُمَلًا عربية قصيرة كنت أراجعها كل صباح:
«السلام عليكم، أنا مسلمة جديدة، أحب هذه الأرض… لا أكثر ولا أقل.»
فالتكلف يثير الشك، والبلاغة لا تناسب من تعلن إسلامها حديثًا.
تم وضعي في خيمة صغيرة قرب إحدى المدارس التي تحولت إلى مركز إغاثة.
كانت الخيمة بسيطة بلا خصوصية، لكنها كانت مثالية، فمن هناك يبدأ كل شيء.
بدأت أقترب تدريجيًا من النساء.
لم أطرح أسئلة مباشرة، ولم أبدِ متحمسة.
كنت هادئة، مستمعة، منصتة أكثر مما أتكلم.
ثم حدث ما كنت أحتاجه.
هنّ اقتربن مني.
كنّ ينظرن إليّ بنظرات مليئة بالدهشة والحنان، وفي كل مرة يُعاد عليّ نفس السؤال:
«هل يوجد أحد في أوروبا يحب فلسطين؟»
كنت أخفض رأسي، أبتسم ابتسامة خفيفة، وأقول بصوت خافت:
«أنا هنا وحدي لأجلكم».
كانت تلك العبارة، رغم بساطتها، كافية لفتح القلوب.
شيئًا فشيئًا تحولت إلى واحدة منهن.
كنّ يتحدثن أمامي بحرية عن أزواجهن، أبنائهن، عن من استشهد، ومن فُقد، ومن خرج ولم يعد.
كل جملة كنت أسمعها، كنت أسمع خلفها معلومة.
من هي أم الشهيد، من زوجة أحد المقاتلين، من قالت: «أخي في القسام لكنه لا يأتي إلا ليلًا»، من ذكرت أن زوجها مجاهد لكنها لا تراه كثيرًا.
كل كلمة كانت خيطًا، وكنت أجمع الخيوط بصمت، كما يجمع شخص محترف قطع زجاجة مكسورة، يعرف أن كل قطعة تحمل انعكاسًا صغيرًا لما يخفى خلف الواجهة.
لم يكن الدخول إلى غزة عشوائيًا.
كل خطوة تم ترتيبها مسبقًا، كل محطة كانت محسوبة: من المعبر، إلى التنسيق الأمني، إلى المركز، إلى الخيمة، حتى الحي الذي وُضعت فيه اختير بعناية.
لكن النساء من حولي لم يكنّ يعرفن شيئًا.
رأينني كفتاة ضائعة، مؤمنة، ربما صادقة، وربما مكسورة.
وقد صدقنني… وربما أحببنني أكثر مما توقعت.
ثم تدهورت الأوضاع في غزة بسرعة لم أكن أستوعبها في البداية.
القصف، الحصار، انقطاع الاتصالات، إغلاق المعابر…
لأول مرة شعرت بالخوف الحقيقي.
ليس خوف المهمة، بل خوف الإنسان المحاصر بلا مخرج.
لكن الغريب أن ذلك كان يخدمني.
العزلة تجعل النساء أكثر تقبلًا للغرباء الذين يشاركونهن الحصار.
كنت الغريبة المسلمة التي لا تملك أحدًا في غزة، والتي لا تعرف أين تذهب.
فقالوا لي:
«إن كنتِ وحدك، فنحن عائلتك».
وفي إحدى الليالي قالت امرأة مسنة:
«يا كلارا، لا يجوز أن تبقي في غزة وحدك من غير رجل… يجب أن نزوجك».
ابتسمت وقلت:
«من يرضاه الله أرضاه».
وفي داخلي لم يكن هناك دعاء…
كان هناك استنفار.
المرحلة الثانية بدأت تم عقد القران ببساطة شديدة.
لا صور، لا احتفال، لا زفة.
فقط شيخ، وشاهدان، وجملة واحدة:
«زوجتك إياها على ما أمر الله ورسوله».
في تلك اللحظة أدركت أنني لم أدخل قلب رجل فقط، بل دخلت عمق مؤسسة.
لكن بعد الزواج بدأت أشعر أنني مراقبة.
أسئلة صغيرة، نظرات، صمت طويل.
ثم جاء القرار بهدوء من القسام
«من الأفضل أن تغادري مع البرنامج الذي جئتِ من خلاله»
لا مواجهة، لا اتهام، لا فضيحة.
فقط باب أُغلق بهدوء… إلى الأبد.
خرجت من غزة
بعد عودتي إلى “كوبنهاجن”، جلستُ في مكتبي بمقر الجهاز الأمني، وحولي القادة الذين أرسلوني
كانت ملامح الخيبة تكسو وجوههم، لكنني كنتُ أشعر بشيء آخر.. شعور بالناجين من زلزال لم يتوقف اهتزازه في عقلي بعد.
وضعتُ حقيبتي الصغيرة على الطاولة، الحقيبة التي كانت رفيقتي في الخيمة وفي بيت “زوجي” المقاتل. أخرجتُ منها “المصحف” الذي حملته كتمويه، وبجانبه علبة خشبية صغيرة مزخرفة، كانت “هدية وداع” من أم زوجي، تلك العجوز التي اقترحت زواجي وقالت لي وهي تودعني:
> “لا تفتحيها يا ابنتي إلا حين تشعرين أنكِ في أمان تام.. إنها ذكرى من رائحة غزة.”
>
فتحتُ العلبة أمام القادة، متوقعةً أن أجد فيها “تراباً من غزة” أو مسبحة، أو ربما بقايا عطر شرقي.
لكن ما وجدته جعل الدماء تتجمد في عروقي.
كان في العلبة “جهاز تسجيل صغير جداً”، وبجانبه ورقة مطوية بعناية.
التقطتُ الورقة بقلب يرتجف، وقرأتُ ما فيها. لم تكن مكتوبة بالعربية، بل كانت مكتوبة بـ اللغة الدنماركية، وبخط يدٍ دقيق جداً:
> «إلى كلارا يوهانسن..
> لقد كانت إقامتكِ بيننا ممتعة، وكان تمثيلكِ لدور “المسلمة الجديدة” متقناً، لكنكِ نسيتِ أن “المؤمن كيس فطن”. نحن لا نتزوج الأجساد لنكشف الأسرار، نحن نتزوج الأرواح لنحميها. لقد علمت “وحدة الرصد” بهويتكِ منذ اللحظة التي سألتِ فيها عن القافلة في معبر رفح.»
>
توقفتُ عن القراءة، ونظرتُ إلى القادة برعب. ضغط أحدهم على زر التشغيل في جهاز التسجيل الصغير لم تكن هناك تقارير استخباراتية، بل كانت هناك تسجيلات لكل “همساتي” داخل غرفتي الخاصة، وتسجيلات لمكالماتي السرية التي كنتُ أظنها مشفرة عبر الأقمار الصناعية.
لكن الصدمة “الفظيعة” التي لم تخطر على بالي، كانت في نهاية التسجيل. سمعتُ صوت “زوجي” المقاتل، ذاك الذي لم يتحدث معي إلا قليلاً، وهو يقول بلهجة هادئة وواثقة:
> «يا كلارا.. في كل ليلة كنتِ تظنين أنني نائم، كنتُ أقوم لأصلي الفجر، وأدعو الله أن يهديكِ للإسلام حقاً، أو أن يردكِ إلى أهلكِ بسلام قبل أن نضطر لكشفكِ. لقد أخرجناكِ “بهدوء” لأننا أردنا أن نثبت لجهازكِ أن غزة ليست “أرضاً للاختراق”، بل هي “مدرسة للوعي”. لقد كنتِ تحت مراقبة “القساميات” اللواتي طبخن لكِ، واللواتي غسلن ثيابكِ، واللواتي كنّ يفتشن حقيبتكِ كلما ذهبتِ للوضوء.»
>
سقطت الورقة من يدي. اكتشفتُ أنني لم أكن “جاسوسة” فوق العادة، بل كنتُ “طفيلياً” تم السماح له بالعيش في مختبرهم ليراقبوا هم ردود فعلي.
الأسلوب الفظيع الذي استخدموه:
لم يستخدموا التكنولوجيا لكسري، بل استخدموا “الحقيقة”. لقد تركوني أعيش تفاصيل الزواج، وأدخل في عمق حياتهم، وهم يعرفون أن كل “سر” كنتُ أظن أنني أجمعه، كان عبارة عن “طعم” هم وضعوه لي.
نظرتُ إلى المصحف الذي في يدي، فتحتُ الصفحة الأخيرة، فوجدتُ علامة موضوعة عند آية قرأتُها بترجمة دنماركية ملصقة:
((وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)).
أدركتُ حينها أن غزة لا تُحرس بالبنادق فقط، بل تُحرس بعيون “القساميات” التي لا تنام، وبعناية إلهية تجعل أعتى أجهزة الاستخبارات تبدو كأطفال يلعبون في ساحة الكبار. لقد أغلقوا الباب خلفي، ليس لأنني فشلت، بل لأنهم انتهوا من دراستي.
في طريق عودتي من مقر الجهاز، وبينما كانت شوارع “كوبنهاجن” الباردة تمر من خلف زجاج السيارة كأشباه أشباح، شعرتُ بغصة تخنقني. لم تكن غصة الهزيمة، بل كانت حرارة الحقيقة التي اشتعلت في صدري فجأة.
أغمضتُ عيني، واستحضرتُ وجه “حماتي”؛ تلك الأستاذة الداعية التي كانت تقود حلقات العلم في مراكز النزوح، والتي علمتني بذكائها وصبرها معنى أن يكون الإنسان لله. لم تكن مجرد امرأة عجوز، بل كانت مدرسة في الثبات والوعي، هي من سقت روحي العطشة دون أن أدري.
في تلك اللحظة، وبينما العالم من حولي يظنني “كلارا يوهانسن” المكسورة، نطق قلبي قبل لساني بهمسٍ لم يسمعه سواي:
> «أشهد أن لا إله إلا الله.. وأشهد أن محمداً رسول الله»وأن القسام خير اجناد الله
>
لقد أحببتهم.. أحببتُ صلاتهم، وصدقهم، وأنفتهم التي لم يكسرها الجوع ولا القصف. أحببتُ ذاك المقاتل الذي كان يحرسني وهو يظن أنني عدوة، وأحببتُ تلك الداعية التي رأت فيّ بذرة خير قبل أن أراها في نفسي.
أنا اليوم أعيش بجسدي هنا، لكن روحي معلقة بأسوار غزة. أتمنى لو أعود، لا كجاسوسة، بل كمرابطة، أقف في صفوف “القساميات” وأستشهد تحت سماء غزة الطاهرة. لكن السؤال الذي يمزقني كل ليلة: من سيشفع لي عندهم؟ كيف سأقنع “وحدة الظل” أنني لم أعد تلك المجندة المأجورة؟ كيف سأثبت لهم أن “كلارا” قد ماتت، وولدت مكانهـا امرأة مسلمة تحبهم بصدق؟ أخشى أن يظل الباب موصداً في وجهي، ليس لأنهم قساة، بل لأنني أثقلتُ كاهلهم بخيانةٍ غسلها دمع التوبة.
يا رب.. إن لم يكتب لي العودة إلى ثرى غزة، فاكتب لي رفقتهم في الجنة. اكتب لي أن أجلس مع تلك الداعية ومع المقاتلين الصادقين في مقعد صدق عندك، هناك حيث لا زيف، ولا مهمات، ولا وجوه مستعارة.. فقط أرواحٌ تحابّت في الله، فاجتمعت تحت ظل عرشه..
