د. احمد القطامين*
في كل مرة تلجأ فيها الولايات المتحدة إلى خيار القوة العسكرية في إدارة أزماتها الخارجية، يُعاد طرح سؤال قديم متجدد: هل تحقق الحروب أمنًا مستدامًا، أم أنها تفتح أبوابًا جديدة للمخاطر؟ ورغم أن واشنطن تمتلك أضخم ترسانة عسكرية في العالم، فإن التجربة التاريخية تشير إلى أن التفوق العسكري لا يلغي الكلفة الاخلاقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ترافق أي عدوان خارجي تقوم به.
على الصعيد الداخلي، تتحمل الخزانة الأمريكية أعباء مالية هائلة نتيجة العمليات العسكرية الممتدة. فالحروب الحديثة ليست معارك خاطفة، بل التزامات طويلة الأمد تشمل نشر قوات، ودعمًا لوجستيًا، وتدميرا هائلا يتطلب إعادة إعمار لاحقا. هذه النفقات تتراكم لتزيد من عجز الميزانية والدين العام، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات داخلية كبرى، من تحديث البنية التحتية إلى إصلاح النظام الصحي والتعليمي. ومع كل دولار يُنفق خارج الحدود، يتصاعد الجدل حول أولويات الإنفاق الوطني.
الكلفة لا تقتصر على الاقتصاد. فالمجتمع الأمريكي نفسه يتأثر نفسيًا وسياسيًا. عودة الجنود قتلى او بإصابات جسدية أو اضطرابات ما بعد الصدمة تضع أعباءً إنسانية مستمرة على العائلات والمؤسسات الصحية. كما أن قرارات الحرب غالبًا ما تعمّق الاستقطاب الحزبي، إذ تتحول إلى مادة صراع سياسي حاد، ما يضعف الإجماع الوطني ويؤثر في الثقة بالمؤسسات. وهكذا، يصبح الخيار العسكري عاملًا إضافيًا في انقسام داخلي قائم أصلًا.
أما في الشرق الأوسط، حيث تتشابك الصراعات الإقليمية والدولية، فإن أي تدخل أو تصعيد أمريكي يعيد خلط الأوراق بشكل واسع. فالمنطقة تعيش على توازنات دقيقة بين قوى إقليمية متنافسة، وأي خطوة عسكرية قد تُفسَّر باعتبارها انحيازًا أو محاولة لإعادة رسم موازين القوى. النتيجة غالبًا ما تكون موجات من الردود المتبادلة، سواء عبر مواجهات مباشرة أو عبر حروب بالوكالة، ما يضاعف المخاطر على المدنيين والبنية التحتية ويزيد من احتمالات اتساع رقعة النزاع.
إضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد المفرط على الضغط العسكري قد يُضعف مسارات التفاوض. فعندما تتراجع الثقة في الاتفاقيات الدولية أو يتم التخلي عن أطر دبلوماسية قائمة، تميل الأطراف المتضررة إلى تعزيز قدراتها العسكرية كإجراء احترازي. هذا المنطق يفتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي، ويزيد من احتمالات سوء التقدير الذي قد يشعل مواجهة واسعة لا يرغب فيها أحد.
لا يعني ذلك إنكار مفهوم الردع أو التقليل من أهمية حماية المصالح الوطنية. لكن التجربة تشير إلى أن الردع المستند إلى القوة وحدها قد يتحول إلى دوامة تصعيد، خصوصًا في بيئة دولية تتسم بالحساسية والتنافس بين القوى الكبرى. فالحروب الحديثة لا تظل محصورة في ساحات القتال؛ بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وحركة الملاحة، وحتى الأمن السيبراني.
في المحصلة، تكمن خطورة السياسات الحربية الامريكية في أنها قد تمنح شعورًا مؤقتًا بالحسم وغالبا ما يكون حسما متجردا من بعده الاخلاقي، لكنها تحمل ايضا مخاطر بعيدة المدى على الداخل الأمريكي نفسه وعلى استقرار المنطقة التي تتعرض للعدوان. وبينما تظل القوة عنصرًا من عناصر السياسة الدولية، فإن الاستثمار المتوازي في الدبلوماسية وبناء التفاهمات المستدامة قد يكون أقل كلفة وأكثر قدرة على تحقيق أمن طويل الأمد. السؤال ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على خوض الحروب، بل ما إذا كانت كلفتها تتناسب فعلًا مع العوائد المرجوة منها.
*كاتب واكاديمي اردني
