بقلم/عبدالله علي هاشم الذارحي
حين تعجز آلة الحرب عن تحقيق أهدافها في الميدان، تبدأ آلة الدعاية بالبحث عن معركة أخرى في العقول، وهذا بالضبط ما تكشفه التطورات الأخيرة؛ فبدلًا من مواجهة حقيقة أكثر من 450 غارة جوية للعدو السعودي خلال أسبوع واحد، على محافظات يمنية عدة، انتقلت الرياض وأبواقها إلى رواية استهداف اليمن لمكة، محاولةً نقل المشهد من عدوان على اليمن إلى ادعاء الاعتداء على المقدسات الإسلامية.
لكن المشكلة في هذه الرواية الكاذبة أنها قُوبلت بإستهجان كبير وسخرية واسعة، واصطدمت ببيان القوات المسلحة اليمنية نفسها، الذي نفى بصورة صريحة وجود أي استهداف يمني لمكة أو للمشاعر المقدسة، وقال إن العمليات اليمنية تستهدف منشآت نفطية وقواعد عسكرية، ولا تنطلي على احد استهداف اليمن للمقدسات الإسلامية المحتلة.
واللافت أن توقيت هذه الرواية يأتي بالتزامن مع إعلان القوات المسلحة اليمنية إسقاط طائرة سعودية من طراز F-15 في أجواء مأرب، بصاروخ أرض-جو محلي الصنع، كما تم التصدي لتشكيلين من طائرات F-15 وتايفون وإجبارهما على التراجع أثناء محاولتهما البحث عن حطام الطائرة.
وهنا تكمن المفارقة التي تجعل الحديث عن «مكة»محاولة لصرف الأنظار عن سؤال أكثر إلحاحًا: كيف دخلت طائرة F-15 السعودية أجواء مأرب وتم اليوم الإعلان عن إسقاطها.
لهذا قال رئيس الوفد الوطني محمد عبدالسلام”اسقاط طائرة (F15 ) باليمن فضيحة كبرى للنظام السعودي، اما المكتب السياسي لأنصار الله فقال”اتهام اليمن باستهداف مكة أكبر أكذوبة في هذا العصر”.
أما البيان العسكري الثاني اليوم، فقد نقل المعادلة إلى مستوى آخر، بإعلان استهداف أرامكو في ينبع بعشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، واستهداف قاعدة خميس مشيط الجوية بصواريخ باليستية، مع تأكيد استمرار صنعاء«الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد» حتى وقف العدوان ورفع الحصار.
وبذلك تتضح الصورة: الرياض تتحدث عن مكة زورًا وبهتانًا، وصنعاء تتحدث فعلًا عن مأرب وينبع وخميس مشيط.
الرياض تريد تحويل الأنظار إلى عنوان ديني شديد الحساسية، بينما صنعاء تؤكد للعالم أن ساحتها العسكرية محددة بأهداف عسكرية واقتصادية، وأن معركتها مرتبطة بوقف العدوان الظالم ورفع الحصار الغاشم.
ولذلك فإن أخطر ما في هذه المعركة ليس الصاروخ وحده، إنما معركة الرواية؛ فمن يستطيع أن يثبت للناس أين وقعت الضربة، وما هدفها، ومن بدأ التصعيد، يمتلك جزءاً مهماً من المعركة السياسية والإعلامية.
أما إطلاق الاتهامات الكبرى بلا أدلة مستقلة كافية فقد تكررت، لكن حبل الكذب قصير، ويبقى إعلان صنعاء عن إسقاط الـF-15، فإن الحدث يتجاوز إسقاط طائرة؛لأنه يبعث برسالة عسكرية واضحة مفادها أن سماء اليمن لم تعد ساحة مفتوحة أمام طيران العدو السعودي، وأن تفوقه الجوي وتحالفاته وتصعيداته فشلت ولن يتحقق له أي هدف في اليمن بقوة الله القوي.
مما سبق وغيره يتبين أن مكة أعظم من أن تتحول إلى ورقة إنقاذ للعدو السعودي،فهي ورقة محروقة، واليمن أعظم من أن تُحجب حقيقة ما يجري في سمائه بإشاعة أو عنوان دعائي، وبين«مكة»التي تتحدث عنها الرواية السعودية و«مأرب» التي أعلنت صنعاء إسقاط الـF-15 في أجوائها، وبث مشاهد الإسقاط، تُسقط أكذوبة العدو السعودي، والقادم عليه اعظم.
