عبد الباري عطوان*
ترامب خذل المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى.. وهذه هي الأسباب الحقيقية وراء تراجعه الفاضح عن تعهداته بالتدخل عسكريا ضد حركة “أنصار الله” الحوثية في اليمن
لم يفاجئنا في هذه الصحيفة تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن وعوده لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بالتجاوب لطلبه في الوقوف في الخندق السعودي وتوجيه ضربات عسكرية قاتلة لحركة “أنصار الله” الحوثية اليمنية، كرد على ضربات الحركة لمقرات شركة “ارامكو” السعودية النفطية ومصافيها في أربع مدن سعودية رئيسية في الجنوب هي جيزان ونجران وخميس مشيط وأبها، والأخطر من ذلك إسقاط مقاتلة سعودية من طراز “أف 15” ووصول الصواريخ الحوثية الى الرياض العاصمة السعودية.
محطة NBC التلفزيونية الامريكية اكدت في تقرير لها، استنادا على لقاءات قادة عسكريين أمريكيين في وزارة الحرب (البنتاغون) ان الرئيس ترامب اعطى اوامره الى القيادة المركزية للجيوش “سنتكوم” بإعداد خطة عسكرية للتدخل في اليمن وقصف المواقع الاستراتيجية في صنعاء والحديدة وصعدة، ونفذ الأدميرال براد كوبر القائد العام للجيوش الامريكية هذه الأوامر، وقدم لوزير الحرب بيت هيغسيث ملفا بالخطط التي سيتم تنفيذها في اليمن تجاوبا مع طلب الرئيس الأمريكي، وتحديد موعد الضربات والسفن وحاملات الطائرات المشاركة فيها.
*
الرئيس ترامب تراجع كعادته عن التنفيذ مدعيا انه على اتصال مع حركة “أنصار الله” اليمنية، وحصل منها على تعهد بعدم توجيه أي ضربات للسفن الحربية الامريكية، ولكن الحقيقة مغايرة لذلك تماما، فهناك اتفاق بوقف اطلاق النار بين الجيش الامريكي والحركة اليمنية جرى التوصل اليه بعد تعاظم خسائر الجيش وحاملات الطائرات والسفن الحربية الامريكية من جراء الصواريخ الحوثية التي فاجأت الأمريكيين في دقتها وقوتها واعطاب حاملتي طائرات هما (هاري ترومان، وكارل فينسون) في 30 نيسان (ابريل) عام 2005 في البحر الأحمر.
الأسباب الحقيقية لتراجع الرئيس ترامب عن ضرباته لحركة “أنصار الله” اليمنية الحوثية الى جانب ضرب حاملات الطائرات يمكن ايجازها في النقاط التالية:
أولا: حدوث انقسام داخل قيادة المؤسسة العسكرية الامريكية تجاه الاقدام على هذه الخطوة، ورجوح كفة الجناح المعارض فيها لفتح جبهة جديدة في المنطقة في ظل التوتر المتصاعد، والفشل في الحاق هزيمة بايران ودفعها للاستسلام والفشل في السيطرة على مضيق هرمز.
ثانيا: النقص الهائل في مخزونات الأسلحة الامريكية، والصواريخ الاعتراضية على وجه الخصوص، الامر الذي يشكل نقطة ضعف في الجيش الأمريكي، وفتح جبهة جديدة في البحر الأحمر في ظل هذا النقص قد يؤدي الى نتائج كارثية.
ثالثا: امتلاك حركة “أنصار الله” اليمنية صواريخ عسكرية مضادة للسفن وحاملات الطائرات، متطورة جدا، ووجود معلومات استخبارية تقول انها تملك أسلحة سرية متطورة ربما تشكل مفاجئة للقيادة العسكرية الامريكية.
رابعا: خرق أمريكا لوقف إطلاق النار مع الجانب اليمني، سيطلق قوات “أنصار الله”، وسيشرع ضرب كل الأهداف الامريكية في المنطقة والعودة الى قصف العمق الإسرائيلي مثل حيفا ويافا وايلات.
خامسا: أي هجوم امريكي على صنعاء والحديدة والمدن اليمنية الأخرى سيعرض الملاحة في باب المندب للخطر، وربما الاغلاق الكامل، وخلق نقطة اختناق اقتصادي عالمي، بعد اغلاق مضيق هرمز بقرار إيراني فاعل.
سادسا: من غير المستبعد ان القيادة العسكرية الامريكية في واشنطن تريد كبح جماح ترامب وتهوره المكلف جدا، وعدم الانجرار الى حرب جديدة، لان إسقاط الرئيس ترامب وحزبه الجمهوري في الانتخابات النصفية القادمة بعد 50 يوما وخسارته الأغلبية في الكونغرس بالتالي، شبه مؤكد.
سابعا: الدولة الامريكية العميقة باتت تميل الى الاعتراف بالهزيمة في الشرق الأوسط، والانسحاب كليا من المنطقة، وانهاء الوجود العسكري (القواعد) فيها.
*
خذل الرئيس ترامب لحلفائه العرب، والمملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، بات من أبرز طباعه والعنوان الأبرز لسياساته، وهذه الدول تعني مجرد مراكز مالية جاهزة للابتزاز لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي، وتخفيض الديون التي تجاوزت حاجز الأربعين تريليون دولار، ومن المؤكد انه غير مستعد لمقتل جندي امريكي واحد دفاعا عن هذه الدول، وطموحه الأكبر هو السيطرة على النفطين العربي والإيراني تماما مثلما فعل في فنزويلا.
أمريكا شنت ثلاثة حروب في الشرق الاوسط، الأولى في أفغانستان، والثانية في العراق، والثالثة في ايران، الحربان الأولى والثانية كلفت الخزانة الامريكية 8 تريليونات دولار، وأكثر من 15 ألف جندي قتيل واصابة مليون وربع المليون آخرين بجروح معقدة، ويعلم الله كم ستكلف الحرب الحالية ضد ايران وحلفائها عسكريا وماليا وسياسيا، والمؤشرات الأولية ستكون هزيمة باهظة التكاليف على كل الصعد.. والأيام بيننا
*رئيس تحرير راي اليوم
