اليمن الحر الإخباري/متابعات
منذ السابع من أكتوبر 2023، تخوض المقاومة الفلسطينية معركة تحرير الإنسان قبل الأرض، ومعركة الأسرى هي قلب هذه المواجهة وجوهرها.
إن ما يجري داخل سجون العدو الصهيوني ليس مجرد انتهاكات فردية أو تجاوزات لأفراد، بل هو حرب إبادة ثانية تمارس خلف القضبان وبقرار رسمي من سلطات العدو، تستهدف كسر إرادة الحركة الأسيرة التي تمثل عنوان الصمود الفلسطيني وذاكرة النضال الوطني.
العدو الذي فشل في كسر المقاومة في غزة، وفشل في استعادة أسراه بالقوة، يحاول الانتقام من الأسرى العزل، ظناً منه أنه بتعذيبهم وتجويعهم وقتلهم ببطء يمكن أن يستعيد صورة ردعه المنهار. لكن كل شهادة تخرج من السجون، وكل جريمة قمع وحشية، تؤكد أن الأسرى يدفعون ثمن انتمائهم للشعب الفلسطيني، وأن قضيتهم ستبقى وقود المواجهة القادمة، وأن العدو سيدفع ثمن جرائمه هذه غضباً ينفجر في وجهه طال الزمن أم قصر.
وحسب مؤسسات الأسرى الفلسطينية، فبلغ عدد الأسرى والمعتقلين في سجون العدو الإسرائيلي قرابة 9350 أسيرًا ومعتقلًا، بينهم أسيرات وأطفال ومعتقلون إداريون، إضافة إلى معتقلين يصنفهم العدو الإسرائيلي تحت مسمى “المقاتلين غير الشرعيين”.
وأوضحت أن من بين الأسرى والمعتقلين 90 أسيرة، فيما يبلغ عدد الأطفال الأسرى أكثر من 350 طفلًا، يحتجزهم العدو الإسرائيلي في سجني “مجدو” و”عوفر”. وأضافت أن عدد المعتقلين الإداريين يبلغ 3176 معتقلًا.
وأشارت مؤسسات الأسرى إلى أن عدد المعتقلين الذين يصنفهم العدو الإسرائيلي تحت مسمى “المقاتلين غير الشرعيين” بلغ 1393 معتقلًا.
ولفتت إلى أن هذا الرقم لا يشمل جميع معتقلي غزة المحتجزين في المعسكرات التابعة لجيش العدو الإسرائيلي والمصنفين ضمن هذه الفئة، كما يشمل معتقلين عربًا من لبنان وسوريا.
وتكشف التقارير الحقوقية والإعلامية المتوالية خلال الأيام القليلة الماضية، صورة متكاملة لجريمة منظمة تُدار بقرار رسمي من حكومة العدو المتطرفة وأجهزته القمعية، وترتقي إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مكتملة الأركان، في ظل صمت دولي مريب وتواطؤ من المؤسسات الحقوقية.
القمع الوحشي اليومي وسياسة الكلاب والرصاص
ففي هذا السياق، كشف مكتب إعلام الأسرى الفلسطيني، عن جريمة قمع وحشية نفذتها قوات العدو في سجن النقب قبل نحو أسبوعين، طالت أسرى قطاع غزة تحديداً. حيث اقتحمت وحدات القمع الخاصة الغرف بشكل مفاجئ، وأجبرت الأسرى على الانبطاح أرضاً مقيدي الأيدي، وأطلقت الكلاب البوليسية المدربة باتجاههم لتسير فوق ظهورهم، والدوس على رؤوسهم بأحذية الجنود، قبل الاعتداء عليهم بالضرب المبرح بالهراوات وإطلاق الرصاص المطاطي المباشر على الأجساد من مسافة صفر.
وقال في بيان، إن العملية أسفرت عن إصابة عدد من الأسرى، بينهم طبيب أسير من غزة أصيب بثلاث رصاصات مطاطية في جسده، وآخر أصيب بكسور مضاعفة في أضلاعه جراء الضرب المركز. وترك الاعتداء آثاراً نفسية صعبة ومدمرة في صفوف الأسرى، خاصة مع تكرار هذه الاقتحامات بشكل شبه يومي.
وهذه السياسة ليست استثناءً، ففي سجن “راكيفيت” تحت الأرض، الذي يحتجز فيه أسرى “النخبة” من قطاع غزة في ظروف سرية وقاسية، كشف المكتب عن سياسة ممنهجة تقوم على عزل أسير واحد من كل غرفة وإخضاعه للضرب والتعذيب الشديدين بشكل منفرد أمام زملائه لكسر روحه، بينما يتعرض بقية الأسرى للرش بالغاز السام والرصاص المطاطي، وآخر عملية قمع استمرت نحو 15 دقيقة دون سابق إنذار أو مبرر
التجويع والإهمال الطبي.. جريمة قتل بطيء
كما يعاني الأسرى سياسة تجويع ممنهجة وصلت إلى حد “المجاعة” الحقيقية ، وفق مركز فلسطين لدراسات الأسرى. حيث تقدم لهم كميات قليلة جداً وسيئة وغير صالحة للأكل في كثير من الأحيان، عبارة عن بقايا طعام فاسد، ما أدى إلى حالة هزال عامة وانخفاض أوزانهم إلى النصف، وفقدان قدرتهم على مقاومة الأمراض، وانتشار أمراض سوء التغذية وفقر الدم.
وفي سجن النقب الصحراوي، أفاد المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى، بتفشٍ خطير لمرض “السكابيوس” الجلدي المعدي بين الأسرى وسط حرمانهم الكامل من العلاج والرعاية.
وأوضح في بيان، أن الحكة الشديدة تدفع الأسرى إلى حك أجسادهم حتى تشقق الجلد وتكون جروح وتقرحات عميقة تنزف دماً، تتطور إلى دمامل مؤلمة والتهابات حادة ومزمنة في ظل غياب الأدوية والمراهم والفحوص الطبية وحتى مواد النظافة الشخصية.
ويساهم في تفاقم العدوى الغيار الواحد المهترئ وتبادل الملابس بين الأسرى قسراً، وانعدام الاستحمام، بينما تحرمهم إدارة السجون من أداء الصلاة وقراءة القرآن، ومصادرة السجاد والمصاحف، ولا توفر لهم ساعات لمعرفة التوقيت ومواعيد الصلاة فيضطرون لتقديرها بضوء النهار من فتحة صغيرة.
كما رصدت تقارير تصاعد الشهادات المتعلقة بالعنف الجنسي، بما يشمل التفتيش العاري والتحرش والاعتداءات الجنسية، واستخدام الضرب والإهانة والرصاص المطاطي داخل المعتقلات، ما أدى إلى إصابة عدد من الأسرى وخضوع بعضهم لعمليات جراحية.
وكشف مكتب إعلام الأسرى، أن وحدات القمع في قسم «راكيفيت» بسجن الرملة نقلت أسرى من قطاع غزة إلى غرف لا توجد فيها كاميرات، واعتدت عليهم بالضرب المبرح، متعمّدةً استهداف أعضائهم التناسلية.
أسيرات حوامل ومصابات بالسرطان
وفي صورة أخرى من مشاهد هذه المأساة، تتضاعف وطأة هذه المعاناة على الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتهن الأسيرات الحوامل والمريضات والقاصرات والمسنات وذوات الإعاقة، اللواتي يحتجن إلى رعاية وحماية مضاعفة.
وأفاد مكتب إعلام الأسرى الفلسطيني، بتفاقم أوضاع الأسيرات الفلسطينيات في سجن الدامون، في ظل ظروف احتجاز قاسية تشمل الإهمال الطبي والتجويع والقمع والعزل والحرمان من الحقوق الأساسية.
وأوضح المكتب أن سلطات العدو تواصل احتجاز 88 أسيرة فلسطينية داخل سجن الدامون، بينهن حوامل ومريضات وقاصرات ومسنات وذوات إعاقة، محملاً سلطات العدو المسؤولية عن سلامتهن.
وأشار إلى أن ثلاث أسيرات حوامل يقبعن في السجن وسط إهمال طبي وحرمان من الرعاية الصحية، وهن دانا عناد جودة (35 عاماً) من نابلس، المعتقلة منذ 19 أبريل 2026، ومنار إبراهيم كراجة (28 عاماً) من رام الله، وكلتاهما حامل ، وبراءة بسام حسني أبو خديجة من طولكرم، وهي حامل.
ولفت المكتب إلى وجود حالات صحية بالغة الخطورة بين الأسيرات، بينها فداء عساف وسهير زعاقيق المصابتان بالسرطان، وعبير عودة التي تعاني من أمراض معقدة في الجهاز الهضمي، إضافة إلى فردوس طناطرة من ذوات الإعاقة، والمسنّة سلوى غوادة المصابة بالزهايمر.
وأضاف أن القاصرتين علا قطيشات وندى بني عودة محتجزتان في غرفة معزولة عن باقي الأسيرات، ما يضاعف الضغوط النفسية والاجتماعية عليهما.
وتتواصل، وفق المعطيات، عمليات القمع والاقتحام والتقييد والتنكيل بحق الأسيرات، بالتزامن مع مصادرة ملابسهن وأدويتهن ومستلزماتهن الشخصية، وسط تدهور أوضاعهن الصحية وانتشار مرض الجرب.
هذه السياسات أدت إلى نتائج كارثية، فقد قال رئيس مركز فلسطين لدراسات الأسرى رياض الأشقر، إن 92 أسيراً معلومة هوياتهم ارتقوا شهداء في سجون العدو منذ 7 أكتوبر، بينهم 53 أسيراً من قطاع غزة، وأن أكثر من 60 بالمائة منهم قضوا نتيجة التعذيب المباشر والتنكيل، والعزل الانفرادي، والحرمان من النوم، والتهديد بالقتل، والتجويع، والإهمال الصحي المتعمد، وهي حصيلة غير مسبوقة في تاريخ الحركة الأسيرة ،وفقا لموقع “فلسطين اليوم”.
احتجاز بعد انتهاء المحكومية
وفي سابقة خطيرة، تكشف الطبيعة الانتقامية والعنصرية للعدو الصهيوني، أكد مركز فلسطين لدراسات الأسرى، أن 43 أسيراً من قطاع غزة لا يزالون رهن الاعتقال رغم قضائهم محكومياتهم الفعلية كاملة، يشكلون 55 بالمائة من مجموع أسرى القطاع المعتقلين قبل الحرب والبالغ عددهم 80 أسيراً.
وأضاف أن سلطات العدو ترفض إطلاق سراحهم بحجة حالة الطوارئ المفروضة منذ 7 أكتوبر 2023، فأمضوا ثلاث سنوات إضافية بعد انتهاء محكومياتهم دون أي مسوغ قانوني. منهم الأسير محمد يوسف القدرة، من خان يونس الذي أنهى 11 عاماً في يونيو 2025 ولا يزال معتقلاً، والأسير محمد عبد الكريم القاضي، ومحمد أبو طير، وإبراهيم الشاعر، الذين أنهوا 10 سنوات قبل أكثر من عام ونصف، ومحمود العطاونة، ومجدي سالم، وهشام حرارة، الذين أنهوا 9 سنوات، ونعيم الشريف من رفح البالغ 67 عاماً ويعاني أمراضاً مزمنة.
ويؤكد المركز أن العدو لم يطلق سراح أي من أسرى غزة القدامى بعد انتهاء محكومياتهم، بينما أفرج عن بعضهم فقط ضمن صفقة التبادل البطولية مع المقاومة، في دليل على أن العدو لا يفهم إلا لغة القوة والمقاومة.
التعتيم والتضليل وعزل الأسرى عن العالم
وفي ظل هذه الجرائم، يواصل العدو سياسة التعتيم والتضليل، حيث نفى نادي الأسير الفلسطيني ما يتم تداوله من إشاعات عن تحديد موعد لبدء زيارات أهالي الأسرى أو استئناف زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أنه لم يصدر أي إعلان رسمي، وأن الأسرى معزولون تماماً عن العالم الخارجي، وممنوعون من الاتصال بمحاميهم وأهلهم، مما يضع حياتهم في دائرة الخطر الشديد.
ويرى مراقبون أن هذا العزل يهدف إلى إخفاء الجرائم ومنع وصول الحقيقة إلى المؤسسات الدولية.
وقال الخبير في القانون الدولي أنيس قاسم، إن ما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون في سجون العدو الإسرائيلي يمثل نوعًا من جريمة الإبادة، في ظل سياسة ممنهجة لاستباحة الإنسان والأرض، منتقدًا صمت القيادة الفلسطينية إزاء الانتهاكات بحق الأسرى.
وأضاف قاسم، في تصريح لوكالة “شهاب” الفلسطينية، “يبدو أننا لم نصل إلى مرحلة الإدراك أننا أصبحنا مستباحين كشعب وكأرض”.
ورأى الخبير في القانون الدولي أن حكومة العدو الحالية تتبنى خطابًا وممارسات إبادة معلنة، الأمر الذي يفسر استمرار الاعتداءات والانتهاكات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية.
الجرائم النازية ستقود لمزيد من المواجهة
وأمام هذه الحقائق الدامغة، أكد القيادي في حركة حماس محمود مرداوي، أن تجدد القمع الوحشي يكشف حجم الجريمة الصهيونية المنظمة، وأن ما يخرج من شهادات حية يستدعي موقفاً وطنياً وشعبياً قوياً لدعم ونصرة قضية الأسرى بكل الوسائل. وحمّل العدو المسؤولية الكاملة عن حياة الأسرى وسلامتهم، محذراً بأن هذه الجرائم النازية ستقود إلى مزيد من المواجهة والعمليات النوعية التي ستربك منظومته الأمنية الهشة.
إن المطلوب اليوم، كما تطالب مؤسسات الأسرى الفلسطينية، تدخل دولي وحقوقي عاجل وفعال لوقف التعذيب، وإدخال العلاج ومواد النظافة والملابس، والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها أمام المحاكم الدولية، وإطلاق سراح من انتهت محكومياتهم، قبل أن تتحول سجون “النقب” و”راكيفيت” و”جانوت” و”سديه تيمان” إلى مقابر جماعية للأسرى، وهو ما لن تسمح به المقاومة التي جعلت حرية الأسرى على رأس أولوياتها.
