د/عبد الحميد فجر سلوم*
لم تتمزّق الروابط العربية بأي زمنٍ عبر التاريخ، كما تتمزّقُ بهذا الزمن.. ولم تصِل وقاحة الاتفاقات مع إسرائيل في أي زمنٍ كما وصلت إليه بهذا الزمن، ولم يتخلّى العرب عن فلسطين وقضية شعبهِ، كما فعلوا بهذا الزمن، بينما إسرائيل ما تزال تحتل كل أراضي فلسطين ومقدسات المسلمين، ولا تعترف بأبسط حقوق شعب فلسطين، وما زالت تحتل الجولان السوري، ورفضت كل مبادرات العرب نحو السلام، وأولها مبادرة قمة بيروت عام 2002 ..
فماذا حلَّ بالعرب؟. هل هو اعتراف بالهزيمة، أم هو تآمر، أم باتت إسرائيل حليفا للبعض ضد البعض الآخر من العرب والمسلمين، أم أنّ البعض آمنَ بأن الاحتماء بإسرائيل يضمن لهُ عرشهُ وسُلطتهُ الأبدية؟.
***
في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة السابعة والثلاثين، عام 1982 ، كنتُ أجلس في قلب الجمعية العامة(حيث كنتُ عضوا في وفد بلادي الدائم) حينما ألقى ملك المغرب الراحل، الحسن الثاني، كلمة باسم العرب عمَلا بمقررات مؤتمر فاس، والمبادرة العربية التي صدرت عنه.. وكان يترأسُ وفدا من عدة وزراء خارجية..
وأشار حينها في كلمتهِ إلى الآية 61 من سورة الأنفال:(وإن جَنَحُوا للسِّلمِ فاجْنَحْ لها..).. وهذا كان موجّها للإسرائيلي، فعقّب بعدها أحد وزراء الخارجية العرب المُرافقين، بقوله: ما شفتْ بكل القرآن غير هالآية!!..
***
الملك الحسن الثاني، وبصفته رئيسا للجنة القدس، ترأس حينها وفدا عربيا للقيام بجولة على كافة الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي عملا بـ “مبادرة فاس” التي تبناها “مؤتمر فاس”..
فما هي المُبادة، وما هي القرارات الصادرة عن تلك المؤتمر، وأين هو المغرب اليوم من كل ذلك؟. بل أين هم العرب؟.
في 25 تشرين ثاني/نوفمبر عام 1981 انعقدت القمة العربية في مدينة فاس بالمغرب.. وتمَّ تعليق أعمال القمّة بسبب الخلافات حول مبادرة الملك السعودي حينها فهد بن عبد العزيز، ثمّ انعقدت ثانيةً ما بين 6 و 9 أيلول/سبتمبر عام 1982 وأقرّت مبادرة الملك فهد بعد تعديلٍ عليها، وبعد الغزو الإسرائيلي للبنان وخروج منظمة التحرير الفلسطينية..
فما هي مُقررات مؤتمر فاس؟. وما هي مُبادرة مؤتمر فاس؟.
لقد حيَّ المؤتمر صمود قوات الثورة الفلسطينية والشعبين اللبناني والفلسطيني والقوات المسلحة العربية السورية.. وأعلن مساندتهُ للشعب الفلسطيني في نضاله من أجل استرداد حقوقه الوطنية الثابتة..
وانطلاقا من المبادئ والأسس التي حددتها مؤتمرات القمة العربية، واعتمادا على مشروع الرئيس التونسي حينها، الحبيب بورقيبة، الذي يعتمد الشرعية الدولية أساسا لحل القضية الفلسطينية، وعلى مشروع الملك السعودي فهد بن عبد العزيز، حول السلام في الشرق الأوسط، قرّر المؤتمراعتماد المبادئ التالية:
1ــ انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967 بما في ذلك القدس العربية.
2ــ إزالة المستعمرات التي أقامتها إسرائيل في الأراضي العربية بعد عام 1967..
3ــ ضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية لجميع الأديان بالأماكن المقدسة..
4ــ تأكيد حق الشعب الفلسطيني وتقرير مصيره وممارسة حقوقه الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، ممثله الشرعي والوحيد لهم، وتعويض من لا يرغب في العودة (وقد تحفّظ لبنان على هذه الفقرة خشية من التوطين)..
5ــ تخضع الضفة الغربية وقطاع غزة لِفترة انتقالية تحت إشراف الأمم المتحدة، ولمدة لا تزيد عن بضعة أشهر..
6ــ قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس..
7ــ يضع مجلس الأمن الدولي ضمانات السلام بين جميع دول المنطقة، بما فيها الدولة الفلسطينية المستقلة..
8ــ يقوم مجلس الأمن بضمان تنفيذ تلك المبادئ ..
وخرجت عن المؤتمر مُبادَرة سُمِّيت بـ “مبادرة فاس” ، ونصّت على تشكيل لجنة من ممثلين عن منظمة التحرير الفلسطينية والمملكة العربية السعودية وسوريا والمملكة المغربية والمملكة الأردنية الهاشمية والجزائر وتونس مهمتها (إجراء اتصالات بالأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي لشرح قرارات المؤتمر المتعلقة بالصراع العربي – الإسرائيلي، وللتعرف على مواقفها وموقف الولايات المتحدة الأمريكية الذي أعلنت عنه مؤخراً فيما يتعلق بالصراع العربي – الإسرائيلي، على أن تعرض اللجنة نتائج اتصالاتها على الملوك والرؤساء بكيفيةٍ منتظمةٍ ..
كما تقرّر أن يرأس الوفد دوريا كلٍّ من ملك المغرب الحسن الثاني، وملك الأردن الحسين بن طلال..
***
أين هي المغرب، وأين هُم العرب اليوم من كل تلك القرارات؟. لم يتنفّذ بندا منها.. هل هذا هزيمة؟.
المغرب، الذي ترأّسَ ملكهُ الحسن الثاني، رئيس لجنة القدس، الوفد العربي إلى أمريكا والجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1982، يعقدُ اليوم وفي ظل رئيس لجنة القدس، محمد الخامس مذكرات تفاهم (بل اتفاقات) في المجالات العسكرية والدفاعية والأمنية والاستخباراتية والأمن السيبراني والتدريب المشترك، بحضور وزير الحرب الإسرائيلي”بيني غانتس”، ووصفَها “زوهار بالتي” رئيس المكتب السياسي والعسكري بوزارة الدفاع الإسرائيلية بأنها:(عبارة عن تحالُف استراتيجي يسمحُ بمساعدة المغرب في كل ما تحتاج إليه من إسرائيل ولكن بما يوافق المصالح الإسرائيلية)..
المغرب بهذه الخطوة يتحالف مع إسرائيل ضد الجزائر الجارة، المتدهورة علاقتهُ معها جدا بسبب قضية الصحراء الغربية، وضد كل خصومهِ.. وضد الأمن القومي العربي، وينقلبُ على كل القرارات العربية التي خرجت من قلب المغرب في مؤتمر فاس.. وينقلبُ على القدس، ويفتح الأبواب أمام إسرائيل على مصاريعها.. بينما ما يزال ملك المغرب يحمل صِفةُ: رئيس لجنة القُدس.. وصِفةُ أمير المؤمنين..
ماذا حدا بالمغرب؟. ماذا حدا بالعرب؟. هل انتهوا من التاريخ بِفضلِ زعاماتهم(إلا من رحِم ربي) التي تتخلّى عن الأرض والعرض والقدس وفلسطين وشعب فلسطين، وشعوب الأمة كلها، والإسلام كله، مقابل العرشِ ثم العرشِ ثم العرشْ؟.
والغريب، لم يصدُر أي رد فعل عربي من أية دولة عربية على ذلك، باستثناء الجزائر.. فالأمر عاديٌ جدأ.. وليتهم يتقرّبون من بعض كما واحد بالألف من تقربِّهم مع إسرائيل..
فهل دخلت المنطقة من الباب العريض بزمنٍ يمكن أن نُطلِق عليه: الزمن الإسرائيلي؟.
الشعوب لن تدخُل.. حتى لو دخلَ الحُكّام..
*كاتب سوري ووزير مفوض دبلوماسي سابق