فاطمةالجبوري*
ما يحدث في لبنان اليوم لا يسمى انتهاكاً للسيادة بقدر ما يسمى تبعية خالصة لبلدان الخليج. لقد كان لبنان في السبعينيات والثمانينيات ملجئ كل مفكر وكاتب وشاعر عربي. لقد امتاز هذا البلد الصغير المساحة الكبير في الحرية والاحتضان بدور نشره ومطبعاته التي طبعت كل الكتب التي منعتها الأنظمة الديكتاتورية. لقد شكّل لبنان ذات يوم ملجأً لأصحاب الرأي ووفر لهم المكان الآمن.
ولكن في هذه الأيام يتحول هذا البلد إلى محافظة تابعة إلى بلدان الخليج. القبول بالإقالة المجانية للوزير القرداحي كانت المفتاح لتحوّل لبنان إلى هذا الشكل. يتصل وزير الداخلية البحريني بوزير الداخلية اللبناني بسام مولوي ويطلب منه أو الأصح يأمره بأنّ يمنع تواجد جمعية الوفاق البحرينية المعارضة في الأراضي اللبنانية. لم يستجيب الوزير اللبناني وحسب، بل حرّف الحقائق وقال بأن لبنان ليس مكان لبث الكراهية أو العداء تجاه أي دولة عربية.
جمعية الوفاق البحرينية هي مجموعة من نشطاء حقوق الإنسان والذين يسلطون الضوء على الانتهاكات التي يرتكبها النظام في البحرين ضد المعارضين ولديهم موقف واضح من التطبيع مع العدو الصهيوني. الوزير اللبناني لم ينتظر حتى نتائج التحقيق الذي أمر به ميقاتي بل اندفع نحو طلب طرد أعضاء الجمعية من لبنان مما يشير بكل وضوح إلى أن لبنان تحّول إلى محافظة تابعة للسعودية أو للبحرين.
يصمت الكثير من مدافعي حقوق الإنسان وحرية الرأي عن الجريمة البشعة التي يرتكبها الوزير بحق ناشطي حقوق الإنسان ومدى المخاطر المحتملة التي من الممكن أن يتعرض لها هؤلاء أثناء عملية الترحيل. لقد صدع هؤلاء رؤوسنا بمقولة “الاحتلال الإيراني للبنان”، وها هم يصمتون عن الاحتلال الخليجي للبنان. “الاحتلال الإيراني” بحسب وصفهم لم يقدم أي اعتراض أو استدعاء للسفراء عندما قام وزير الداخلية المولوي نفسه بطلب تفتيش حقائب المنتخب الإيراني لكرة القدم أثناء قدومه إلى بيروت، بينما منح المولوي ترخيصاً للمنتخب الإماراتي بحمل السلاح والدخول به عبر المطار. يا له من إحتلال إيراني!!!!
إن ما يحدث في لبنان هو عبارة عن محاولة تطويعه تدريجياً. وللأسف فقد كانت قضية قرداحي المقدمة ولن تكون قضية جمعية الوفاق البحرينية هي الأخيرة. وللأسف كذلك يغيب عن مخيلة وزير الداخلية اللبناني بأن البحرين هي نفسها دولة تابعة للسعودية وهي اليوم تعاني من عجز مخيف في موازنتها دفعها إلى المطالبة بقروض من السعودية والإمارات، فهل ينتظر الوزير بعض الدولارات من بلد مآزوم؟؟؟؟
ما يحدث اليوم في لبنان هو شبيه نوعا ما بما يحدث في العراق، الذي وافقت حكومته على طلبات وجهود سعودية لتحرير مساجين متهمين بالسجن المؤبد والإعدام بقضايا تتعلق بالإرهاب والانتماء لداعش. حيث تسعى السفارة السعودية إلى تحريرهم عبر ضخ مبالغ مالية كبيرة وتدخل من قبل السفارة.
ويبقى السؤال الأهم معلقاً وهو لما كل هذه الجهود التي تبذلها السعودية والبحرين لتركيع كل من العراق ولبنان وسوريا واليمن؟
نختم بالقول: بأن أي جهود تقوم بها الدول الخليجية سواء في لبنان أو العراق أو سوريا أو اليمن ما هو إلا لتصفية القضية الفلسطينية. إنّ مخالفة جمعية الوفاق البحرينية المعارضة لصفقة القرن وللتطبيع مع إسرائيل هو ما حولها بعين البحرين إلى جمعية “إرهابية” بحسب قولهم. وكذلك فشل المشروع السعودي في لبنان هو ما يدفعهم لشن هذه الهجمات الشعواء ضد حزب الله والمقاومة وفشلهم في اليمن والعراق يأتي كذلك في نفس السياق.
قلناها ذات يوم ونكررها عندما تتخلى عن سيادتك الوطنية مرة ستفقد هذه السيادة إلى الأبد. ولكن في الحالة اللبنانية هناك محور المقاومة الذي لن يسمح بضياع السيادة الوطنية وسيدافع عن القضية الفلسطينية التي تفضح كل خائن هذه الأيام.
*كاتبة وباحثة عراقية
هل تحولت دولنا إلى محافظات تابعة للخارج؟
