خالد شحام*
تتسبب الأحداث وكما تلاحظون في رفع منسوب الوعي حول محور الحدث ، وبما أن أوكرانيا تمثل اليوم مقصد الإعلام العالمي ومحج الأخبار فلا شك انا جميعا تعلمنا بسرعة الكثير من التفاصيل حول اوكرانيا مدنا و سياسة وجغرافيا وتاريخ ومكانة عالمية اقتصادية ، لقد أعاد الموضوع الى اذهاننا الملف الروسي بكامل تاريخه ومكانته التي ظن البعض أنها تقزمت وتلاشت في هالة الحضور الأمريكي ، أصبح من الأهمية بمكان قراءة كل شيء من مقالات وتحليلات وأي خبر يتعلق بكشف وفهم سلسلة الألغاز التي تطرحها الأزمات و تستعصي على الفهم وتسبب الضباب في هذه الأزمة ، الضباب كما هي العادة أمريكي بامتياز وزراعة قرنية التضليل هي جزء لا يتجزأ من نهج وعقيدة المستعمر الغربي ليضع الغشاوة في عيون العالم ، يكفي أحيانا أن تقرأ خبرا واحدا لتفهم منه الشيء الكثير وتفكك حزمة واسعة من الألغاز .
في مقالة بعنوان ( الطغاة والأغبياء ) نشرت على عدة مواقع إخبارية كتب السفير المصري السابق في أوكرانيا أسامة توفيق بدر ( 2012 حتى 2017 ) مقالة موجزة سوف أقتبس منها الشيء القليل واترك الباقي لكم في البحث والاستزادة وقراءة ما خلف التفاصيل :
( بعد انقلاب 2014 في كييف الذي شهدته والذي تم صنعه عبر السفارة الأمريكية والذي أداره شخصيا كل من (نائب الرئيس آنذاك جون بايدن والسناتور جون ماكين وفيكتوريا نولاند مندوبة أمريكا السابقة في الناتو والتي كانت آنذاك مساعد وزير الخارجية السابق للشؤون الأوروبية الآسيوية) وقيامهم بالتردد الدائم علي ميدان الاستقلال بكييف، حيث قاموا عبر السفارة الأمريكية وعملائها الأوكرانيين وعبر عمليات مخابرات ودعاية سوداء، بعزل الرئيس الأوكراني الأسبق فيكتور يانوكوفيتش (25/2/2010 – 22/2/2014) الذي التزم – إدراكا منه لمصلحة بلاده – بالحياد بين روسيا وبين الناتو، وقيامهم بتعيين رئيس حكومة متعصبه للغرب وهو اليهودي الصهيوني “أرسيني ياتسينوك” والذي أدار في البرلمان الأوكراني عملية لقطع كل الصلات مع روسيا من حيث اللغه والثقافه والآداب والتاريخ، رغم وجود ٤٠٪ – ٥٠٪ من سكان شرق أوكرانيا من أصول روسية ووجود ٧٠٪ – ٨٠٪ من الروس في شبه جزيرة القرم )
لا داعي لأن أشير إلى أي تحليل حول هذا الاقتباس لأن اللبيب بالإشارة يفهم ويكفي أن نفهم أن جو بادين الثعلب الماكر أشقر الطلة هو الذي يدير هذا الملف لأنه من صلب مهامه وموكلاته والأمر ليس صدفة ولا هو بقصة طارئة كما يغشى على عيون العالم، نحن امام الثعلب الأشقر الذي يتسلل بين حقول القمح الروسية ليلعب لعبة جديدة ضارة ليس لأوكرانيا ولروسيا وحدها بل لنا نحن العرب الضحية الدائمة وللعالم كله، مقابل المكر والدهاء والتخطيط الأمريكي المبيت جيدا نرى أن الإيقاع السياسي والعسكري الذي يقدمه الرئيس بوتين والحكومة الروسية يتمتع بالثقة وطول النفس والتصرف بمرونة عالية واستجابات رصينة ، فلم تترك التصريحات الروسية أية مناسبة إلا وذكرت بانها مستعدة لفتح صفحات مفاوضات جديدة على الرغم من التعنت الأوكراني ، ولم يترك بوتين أية فرصة للقاء مسؤول من هنا أو هناك لإظهار جديته في حل الموضوع سلميا ، وسهلت القوات الروسية فتح الممرات الآمنة للمدنيين وامتنعت عن ضرب البنى التحتية وتقبلت التصريحات والتحركات المعادية بنوع من التساهل وعدم الإنجرار وراء الاستفزازات المتنوعة ، حتى اقتحام العاصمة كييف والذي يمكن أن يحدث بين ليلة وضحاها مع الجيش الروسي الجرار يتم التعامل معه بجرعات عسكرية تدريجية واضحة النوايا ولا تقع في منزلة الأرض المحروقة التي يشتهر بها الأمريكي الديموقراطي .
في جانب آخر يبقى هنالك السؤال الأكثر غموضا والأكثر استحقاقا والذي يطل برأسه من هذه الأزمة: ما الذي يريده الأمريكان بالضبط لأننا نعلم جيدا كمجتمع عالمي ما الذي يريده بوتين؟
يبدو واضحا وجليا أن هنالك كارثة قادمة تحمل عنوان الندرة والغلاء في أسعار محتويات السلة الغذائية العالمية المتعلقة بالحبوب والقمح تحديدا وزيوت عباد الشمس والتي تمثل زيت الطهي الأساسي للفقراء عبر العالم بسبب منسوب سعره المتدني قياسا للزيوت الأخرى ، وعلى حد تصريح أحد الاقتصاديين : لولا أوكرانيا لما عرف فقراء الأرض أي نوع من الطهي بالزيت! يكفي أن نقرأ بأن سلة الحبوب والزيوت دخلت في منطقة من الغلاء بارتفاع فاق الخمسين بالمائة من السعر الأصلي والذي يعني بترجمة أخرى أن العالم بأكمله يتحضر لأزمة من نوع خاص لا أحد يمكنه رسم معالمها المتشعبة ولكنها غير مريحة على الإطلاق.
عندما تفكك الاتحاد السوفياتي سابقا سقط الرأس السياسي الجامع والحاكم لمساحات هائلة من البلاد ولكن استمرار الانتاج الزراعي والغذائي استمر بمعية الانتقال السياسي تحت مسميات مختلفة لكن روح الأساس كانت قائمة، من الواضح الان وبالتدريج أن المرحلة التالية من الخطة الأمريكية عقب غزوة كورونا هي حرب الندرة والغلاء كما أشرت في مقالات سابقة وهذه الحرب هي حرب قديمة قدم الإنسان ولكنها معادة التجديد بمعطيات أكثر قوة وأكثر ترتيبا وأكثر دقة وتوجيها ، الحرب الروسية – الأوكرانية المدفوعة الثمن أمريكيا وأوروبيا تتمدد في مفاعيلها بشكل يبدو بطيئا في الأسابيع الأولى منها لأن الايقاع الروسي في الاجتياح يتصرف بذكاء يليق بالموضع الروسي العالمي وبسمعة بوتين العالمية ، لكن في نهاية المسار لا يمكن إلا أن نرى التداعيات الواضحة والمستهدفة والمرسومة أمريكيا ، الولايات المتحدة تسعى جاهدة لخلق أزمة عالمية جديدة متعلقة بسلة الحبوب والتزويد الغذائي كعادتها في مسك العالم من ناصيته وخنق المواضع الحساسة التي يعيش عليها المواطن العالمي ودول العالم بأكمله وإليكم البيان البسيط :
في السابق استثمرت الولايات المتحدة في فكرة ( الإرهاب ) وحولتها إلى بضاعة عالمية وروجت لها في الشرق الأوسط كأكبر سوق مصدر ومستهلك ومنتج لمشتقات (الإرهاب ) الأمريكي وبفضل هذه التجارة حربيا واستعماريا واستشاريا تمكنت الولايات المتحدة من القفز عشرين سنة نحو الأمام وتجنبت حفرة السقوط الاقتصادي والتراجع العالمي المدوي ، بعد عشرين سنة ومع نهاية وأفلاس نجم الإرهاب وفقدان زخمه السياسي وعائداته الاقتصادية الضخمة استدرجت الولايات المتحدة استثمارا جديدا مغايرا في نهجه وطرحه لكل السابق اسمه الكورونا وبدلا من الجيش الذي يرتدي البذلات اللخضراء المبرقعة والطائرات والمدافع تولى الجيش الأبيض عالميا بعلمه أو دون علمه تنفيذ المهمة الأمريكية العظمى وتأسيس خديعة القرن الحادي والعشرين باستخدام الحقن الطبية ورسمة كروية تخرج منها نتؤات بروتينية هزت العالم من جذوره وتمكنت الولايات المتحدة من تحقيق عائدات سياسية واقتصادية تفوق ما حققته في الاستثمار في الإرهاب وعربدت على العالم من خلال مافيات فايزر ومودرينا وباقي السلسلة العملاقة ، اليوم ومع الوقيعة الروسية – الأوكرانية تسعى الولايات المتحدة وبكل تأكيد إلى اصطياد الرأس الروسي العنيد والمقيم في منطقة العداوة المتأزمة في رأس بايدن المتخصص في الشأن الأوكراني – الروسي ولكن في عمق الحدث هنالك أيضا استثمار كما هي العادة السرية الأمريكية وهذا الاستثمار سيقع هذه المرة في حيز اساسيات العيش لمواطن العصر العجمي والعربي ومن المؤكد أن سلة الحبوب والغاز هي عنوان المرحلة التي ستصنع التغيرات القصوى وتهب مثل عاصفة من نار على كل سهول هذا العالم وتحصد مزيدا من المكتسبات لجولة أمريكية جديدة ، فهل ستصنع روسيا فرقا جوهريا في ظل هذه المعادلة؟
بالأمس قدمت قناة الجزيرة القطرية ملخصا للبرامج الطارئة للانفاق على التسلح والتي شرعت دول أوروبا من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وحتى السويد المسالمة وبلجيكا والنمسا وغيرها بتدشينها لمواجهة الحدث الروسي- الأوكراني، ومن يطلع بعين ثاقبة يكاد يرى شبح مشروع مارشال أمريكي طازج ينهض من داخل اوروبا من جديد ولكن هذه المرحلة بتلقيم ذاتي ومخزون مالي داخلي مدعم بأوامر وتخويفات أمريكية مباشرة، تماما مثلما تملى الأوامر على بلاد العرب وتجبر على تبعيتها وأصبح واضحا اننا وإياهم في الهم شرق وغرب دون حدود فاصلة في التبعية والاستعباد الأعلى وتنفيذ الإملاءات دون قيد ولا شرط ولا تردد ، ويشي الأمر كذلك بأن الشريك الرسمي المتحمس في الأفق المنظور للغنائم تتربعه بريطانيا وفرنسا في سعي حثيث لإستعادة حصة الكعكة من جديد مثلهما مثل أمريكيا العظمى.
الايقاعات العالمية التي تجري توحي بأن هنالك سيطرة نوعية على سرعة تدفق الحدث في محاولة لمنع فقدان السيطرة وخروج الأمور عن عقلها ولكن من الواضح أيضا أن روسيا – بوتين لا تنوي الخسارة وتدرك كل هذه التفاصيل بشكل أكثر من متقن ، هذه ليست الصين المكبلة بأغلال الاتفاقيات ولا هي الشرق الأوسط المستعمر ، هذه ليست ايران المحاصرة مع احترامنا الكبير للجميع ، هذه روسيا يا قوم التي كانت تضع يدها على نصف هذا العالم قبل أن يجري الضحك عليها ويتم فرط عقدها ، هذه هي القوة الأساسية التي تمتلك معاقل الأسلحة الأكثر فتكا والجيش الأعلى تنظيما وضبطا في العالم ومن يعتقد بأنها ذابت في الحساء الأمريكي وتلاشت في وجه العولمة فعليه أن يقرأ ما بين السطور ويفهم هذا الرجل بوتين بأكثر مما يبدو عليه .
روسيا ستظفر بما تريد في أوكرانيا لأنها صاحبة الحق السياسي والجيوسياسي وتدرك تماما بأنها لن َتسلَم أبدا إذا استسملت لما يخططه لها الأمريكان وحلفاؤهم اصحاب الحريات والديموقراطيات والألاعيب.
من المؤسف أن كل هزة عالمية أو حدث كوني يقع في أرجاء الأرض يتحول إلى اختبار حقيقي للكيانات والدول العربية التي بمجموعها تمارس حالة فقدان الأهلية للبقاء ومقاومة الارتجاجات العالمية والشعوب هي التي تدفع الأثمان الفادحة من رصيدها الوجودي والإنساني والمصيري ، وكما هي العادة فحدوث هزة في أسواق المال الأمريكي تؤدي إلى شقاء المواطن العربي لعشرين سنة في بلاده كما حدث في 2008 ، وأي هجوم تتعرض له الولايات المتحدة يتبعه استعباد وإذلال شعوبنا لعشرين سنة على الأقل ، وأي رفاه يطرأ على مكتسبات الولايات المتحدة يتبعه غسيل دماغ لشعوبنا لعشرين سنة على الأقل ، وأي غزوة أمريكية على دولة او أرض من العالم يتبعها أننا جميعا يكتب علينا أن نصبح جزءا من المارينز الأمريكي بجنسيات مختلفة من شرق إلى غرب البلاد وفي مهمات متنوعة من صغيرها إلى كبيرها.
أي انتصار أمريكي في داخل أوكرانيا إنما هو يعني شيئا واحدا لنا فقط وهو أن كامل منطقة الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم ستبقى تحت الاستعباد الأمريكي لخمسين سنة قادمة على الأقل والكفيل الوحيد لوضع حد لهم لا يكون إلا بصعود القوة الصحيحة التي تليق بالأزعر الأمريكي مهما كان لنا من تحفظات على الروس أو الصينين او الإيرانيين أو غيرهم .
متى نتعلم الدرس ومتى نفهم أين مصيرنا وأين مستقبلنا ؟ متى ندرك طريق حريتنا ؟ متى نتمكن من صناعة الهوية العربية والتي تصنع قرارها بذاتها وتضمن سلامة شعوبها وسط بحار الأزمات التي تعصف بهذا العالم؟
*كاتب فلسطيني
الايقاع الروسي وثعلب الحقول الأمريكي الأشقر.
