اليمن الحر الأخباري

ذكاء المقاومة

علي الزعتري*
لا أقبلُ إسرائيل و لا أقبلُ الصهاينة. و لا أريد التعامل معها بأي صورة و لا أن أشتري منها و لا أبيع.
وأجدُ صعوبةً كذلك قبول الفعلُ العشوائي غير المرتبط بخطة مقاومة ذكية لكنه يصبح موسوماً باسم المقاومة دونما نتيجةٍ و مِنْ أَيٍّ كان. و إن فهمتُ السبب و إن تعاطفتُ و إن ترحمتُ على الشهيد.
إنَّ موقفاً كهذا سيُغضِبُ من يتعامل مع الصهاينة كأِخوة أو أصدقاء أو حلفاء أو حتى جيرانُ سوءٍ لا بُد من التعاملَ معهم. و سيُغضِبُ من يرى مما شهدنا مؤخراً من عملياتٍ فردية نوعاً من المقاومة.
أساساً، ليس من داعٍ أن يحظى الصهيوني القاتل بلقاءٍ دافئٍ و ترحيبٍ إن كان هذا في النقب المحتلة وفي رام الله والقاهرة والمنامة وأبو ظبي وعمَّان والخرطوم والرباط. فهذا الصهيونيُّ، الذي يأتي على صورةِ رئيسِ “دولة” و رئيس وزراء و وزير خارجية و وزير دفاع و قائد جهاز القتل “الموساد” و وزير بيئة و إقتصاد و زراعة و قائد شرطة التنكيل و عشراتٌ غيرهم من الذين يحملون الفكر و الممارسة الصهيونية الاستعمارية، كلًهم قاتلٌ مُحتلٌ استعماريٌ وعنصريٌ. سيستبدلُ كل واحدٍ منهم مدنيتهُ الظاهرة بالعسكرية الكامنة دون أدنى تردد ليقولَ للعرب أنهُ هو ذاك القاتل و لو ابتسم. و من يفتح لهُ الأبواب يأتي بكل سببٍ لتبرير لقاءهِ لكن هذا لن ينفعَ كثيراً أو طويلاً. فمن يُصادق الأفعى سيراها تلدغه و تعصره لتلتهمهُ، يوماً. و إذ نُكررُ سردَ دروسَ التاريخ نخيبُ مكرراً عندما لا نرى من حكوماتنا إلا مزيداً من الاحتضان للصهاينة. ما هو السر؟ ما هو الهدف؟ ما هو المطلوب؟
إنها السياسةُ والأمر الواقع. هذا هو الجواب. جوابُ الساسة العرب الذين يفهمون العالم. و ليس لنا نحنُ العامةُ أن نستهجن أو نقترح لهم رأياً آخر، مثل المقاطعة في أضعف صورها. هل فَهْمُ العالم يُجبرنا اتباع سياسةِ التبعيةِ التي تتبناها الدول العربية اليوم؟ وهي حين رَضِيَتْ الموادعةِ مع الصهاينة و العقاب لمن يعترض هل سألت شعوبها إن كانوا يرضون بذلك، على اعتبار أن “فهم” العالم يأتي كذلك بفهم المشاركة الديمقراطية للإنسان أن يقول رأيه و يُشَكل توجه بلاده؟ غير متاحة هذه الجزئية الهامة من الفهم العربي للسياسة و العالم. يتوقف الفهم العربي الحكومي عند طاعة الحاكم التي تتقمصُ الإرادة فتصبح إرادة الحاكم هي إرادة الجميع. و لا يعني هذا أن الجميع سيحكم. بل أن الجميع يتقلص مهما علا صوته أمام صوت الحاكم ولو كان خافتاً.
لكن السياسة عند يهود الصهاينة هي مكرٌ و مداولةٌ أدوارٍ بين سياسييها. أنظروا، و لا أظنها فاتت أي سياسي عربي، كيف توزيع الأدوار. يأتي الرئيس الصهيوني متسربلاً ثوبَ العلم و الثقافة و يأتي بعده وزير و ثان و ثالث يبيع حكمته للعرب من واقع السياسة و أفضال التحالف، وآخر يبيع صفقات نفط و غاز و سلاح و تقنية و سياحة و ثقافة. كلهم وادعٌ و مؤدبٌ و صديقٌ ثم يعود ليقتحم الأقصى و يقفل الحرم الإبراهيمي و يغتال الشباب و الأطفال و قبلهم النساء. و كل سياسي صهيوني منهم يرفع يداً أن ليس هو. فمن إذاً؟ هو مكرٌ واضحٌ لكن الذي يقابله عربيا هل هو سذاجةٌ أم قناعة؟ و الله إن الإجابة مؤلمةٌ كيفما كانت.
و هل هي السذاجة كذلك التي تقود التعامل معهم؟ أم القناعة الخانعة؟ من غير المقبول التبادلات التجارية بين العرب و الصهاينة، لكنه مفهوم إن عرفنا السبب. الجشع. نعم؛ الجشع ليس حكراً على الأفراد فالدول و الحكومات جشعةٌ و متسابقةٌ للكسب الحرام كذلك و إن كان مسروقاً و إن كان ملطخاً بآلام و دماء الشعوب. ماذا يعني تصدير و استيراد المنتجات بأشكالها مع إسرائيل؟ و استيراد الغاز والتنسيق الطاقوي و المائي وعشرات الاتفاقيات التي يتم توقيعها سراً وعلناً؟ في عام ٢٠٢٠ بلغت الصادرات العلنية الصهيونية لدول عربية حوالي ٢٠٠ مليون دولار. و الرقم يصل للمليار عند مراكز البحث و يتوقع خلال عشرة أعوام أن يصل لترليون دولار مع موجة التطبيع. إن كان الهدف هو الربح فهو في خانة العيب و الحرام بكل تأكيد و إن كان المطلوب زرعَ الصهيونية في حياتنا غصباً و تقويتها بالتبادلات التجارية فهو مطلوبٌ يرفضه العربي الحر. لكن المسيئ أن هناك عربا يقبلونه و يروجون له و إلا فأين تذهب الملايين المقبوضة من التعامل التجاري مع الصهيونية؟ في نهاية الأمر و من بدايته يوجد صانعٌ و زارعٌ و ناقلٌ و مصرفيٌ عربيٌ و عائلةٌ لكل واحدٍ منهم تأكل حراما صهيونيا. أفلا يخجلون؟ أو أنهم لا يخافون غضبة الرب؟ سؤالٌ مبدأيٌ طبيعيٌ بسيط لكن الجواب عليهِ في غايةِ الصعوبة للمتورطين بهذه التجارة الملوثة.
إنهُ صراعٌ بين دول تفتقرُ للديموقراطية الصحيحة و بين شعوبها التي لا رأي لها لكنها تُقادَ مراراً للتصديق بِحُريةٍ في الاختيار لا تأتي إلا باختيار قرار الدولة. هذا الصانع و المزارع و الناقل و المصرفي قد يستمرؤون التعامل مع الصهاينة و لكنهم يفعلون ذلك بحماية و اختيار الدولة العربية الواضح اليوم و هو خيارُ الصهيونية. إنه اختيارٌ يتحدى الطبيعة ليس فقط لأنه يرفض الرأي الحر للشعوب و لكن لأنه يتجاهل صفةَ الغدر الصهيوني القاتل. و في الأثناء المحيرة للعقل، يُمْطَرُ العربي بالنهي عن المحرمات، وهذا ليس نقداً بل هو مطلوب. مطلوبٌ النهي عن الحرام بأشكاله لكن المُنْتقَدْ هو أن لسانَ الناهي لا يطول لينتقد حرام التعامل مع الصهيونية بل ليبرر حكمة الحاكم في الجنوح للسلم و التعامل. تناقضٌ؟ لا. بل تفاهمٌ. فالطاعة للحاكم الأصغر في شؤون الدنيا لا تتناقض عندهم و الطاعة لله في شؤون الدين. إنهُ فصلٌ أو مزج مناسب بين الدين الذي يدعو لمقاتلة العدو ومصالح الدنيا التي تدعو للسلام معه لأن الحاكم يريد ذلك. من المؤلم استخدام الدين لمصلحةِ الحاكم فيما يخص الصهيونية. و هو حاصلٌ ومثبت.
وليس من وجهة نظري كذلك أنه فهمٌ صحيحٌ للمقاومة عملياتٌ ضد مقاهي و أسواق. أعلمُ أنهم محتلون لبلادنا و قد يكونون مستوطنين وغُلاةَ صهاينة لكنهم بالملبس المدني هوجموا. والأفضل المواجهةَ مع العدو الواضح بملبسه العسكري. المقاومة مقاومة عندما تشتبك مع من يحمل السلاح و لو كان مدنياً بالملبس، فالسلاحُ يُحَوِلُهُ لهدفٍ مشروع. لذلكَ أرى خللاً عميقاً في نهج عملياتٍ تستهدف أشخاصاً لا يحملون السلاح. و من المطلوب الالتزام بقانون الحرب الإسلامي الذي لا يبرر قتل المدنيين الذين لا يحملون سلاحاً.
أن العمليات الفردية التي تهاجم المدنيين ليست في الصالح العام للمقاومة الفلسطينية بل أنها قد تصب ضده. و الحقيقية أن تبَّني العمليات من فصائل وشخصيات تلقي على العمليات ظلالاً غير مفهومة عن استراتيجية المقاومة. فهل لهذه العمليات من مردودٍ فعلي لردعِ العدو؟ لا أعتقد ذلك. غير إثارة الذعر الآني و المؤقت. التاريخ الحافل بالعمليات الفدائية من هذا المثيل يقول أنها لا تُدللُ على وهن “إسرائيل”. و جديرٌ بالمقاومة أن تحافظ على انتقاء أهدافها الكُبرى مثل إيقاد إنتفاضاتٍ عبر فلسطين، واستهداف المستوطن المسلح و المستوطن المقتحم لبيوت الله و الناس و الجيش و الشرطة وفرق المستعربين و الحواجز و أبراج الرقابة. إن ما يحدث بجنين و قباطية و ما حدث بغزة و يحدث في الخليل و الشيخ جراح بالقدس لا بل بما يحدث بالمسجد الأقصى كلها أسباب مقاومة وقتال ضد محتل عسكري و مستوطن. و هو الهدف الذي يحب أن ترميه المقاومة بما لديها.
في مثلِ هذه الأوقاتِ يحتارُ الإنسان بطريقهِ و يدفعهُ القنوط من الظلم و السياسات الخرقاء لأن يتوجه نحو الاستسلام أو الانتقام. الاستسلام طريق مذلة. لذلك يرفضه شاب فيقوم لينتقم من عدو كيفما كان. و لم يكن الإنتقامُ يوماً إلا حافزاً للذكي و حافراً قبر المتسرع. و من الذكاء أن تكون طريق المقاومة واضحةً كيف تقاوم ليس لتكسب، وهي كذلك، تعاطف ودعم المواطنين الذي سرعان ما يتكلف من الضربات الصهيونية، و لكن لتؤسس نسقا مستديما مقاوما ضد الآلة العسكرية الصهيونية و توابعها في فلسطين و هو حقها الشرعي و حقها الدولي الوضعي.54
*كاتب ودبلوماسي اردني

Exit mobile version