نورالدين برحيلة*
النفاق الهوياتي أبشع المركزيات التخريبية الهدامة التي تنبني عليها الثقافة الغربية، إلى جانب المركزيات الثلاث التي فضحها الفيلسوف جاك دربدا في إطار النقد التفكيكي الذي وجهه لتاريخ الفكر الغربي، بدءا من معضلة مركزية العقل ومعضلة مركزية الصوت ومعضلة مركزية القضيب.
واعتمادا على حجة “وشهد شاهد من أهلها” وضمن فلسفة الاختلاف، يكشف دريدا أن مركزية العقل من أبراز أعراض الهوية الغربية، وهي تعني بدقة أن الغرب هو الذ ي يمتلك العقل ويفكر أما باقي الأعراق فلا عقل لها ولا تستطيع ممارسة التفكير المنطقي والعلمي…، أما مركزية الصوت المحايثة للهوية الغربية فترمز إلى أن صوت الغرب وخطابه هو المسموع أما الأجناس الأخرى فهي تبربر فقط أي برابرة لا معنى لمنطوقها، في حين تشير مركزية القضيب إلى الهوية الذكورية بمحتوياتها الفحولية كوشم هوياتي غربي مهما حاول الغرب التشدق بخطاب المساواة في مقاربة النوع وادعاء إنصاف المرأة، فهذه الشعارات تظل مجرد ميكانزمات لتثبيت جدلية السيد والعبد بأعمق مستوياتها الذكورية المهينة للإنسانية.
باختصار التكوين الهوياتي للثقافة الغربية غارق في التطرف والاستعلاء والقسوة والفظاعة بتعبير نيتشه، لذلك يوظف العقل للسيطرة والصوت للتضليل والقضيب للاختراق، وهي آليات تهدف تكريس القيم المزيفة لفرض السيادة وتغريب العالم أو ما يسمى العولمة التي تروم صناعة الاغتراب والتيه وفقدان البوصلة.
هكذا تشرئب مفارقة مؤامرة الصمت الرهيب حين بتعلق الأمر باستهداف الهوية الإسلامية بمختلف مكوناتها والتهوين من قتل المصلين وهم ركع سجد في المساجد بنيوزيلاندا وأوربا وأمريكا والهند والمسجد الأقصى، وتكرار مشاهد عصور الظلام بحرق كتب المفكرين وخير مثال تحويل طقس حرق القرآن الكريم إلى احتفال يعكس القيم الغربية المتشبعة بالنفاق، حيث يضع الإعلام الغربي رأسه في حفرة الصم البكم العمي الذي لا يعقلون.
ما أكثر المشاهد والأمثلة الواقعية التي تسقط القناع عن الوجه الحقيقي للنفاق الغربي، حيث تختفي المركزيات الغربية المتبجحة بضرورة إعمال العقل وحرية التعبير وحقوق الإنسان أكثرها وضوحا الاعتداء على الأطفال والصبايا والنساء المسلمات في فلسطين، بورما، الهند.. حينها تتبخر وتختفي المنظمات النسوية الغربية وحركاتها المأجورة لخدمة التدمير الهوياتي، من خلال احتضان مشاريع المسخ الهوياتي ودعم النخب الفكرية، الفنية، والثقافية التي تدعي الحداثة في حين أنها معاول أركيولوجية لاقتلاع الهوية الإسلامية.
كشف كتاب “نظام التفاهة” للمفكر الكندي ألان دونو، كيف أصبح التافهون يسيطرون على كل مفاصل الحياة في العالم المعاصر، في السياسة، الاقتصاد، الثقافة، الفن..
التافهون اليوم في القمة، يحتلون الصدارة، لكن ليس من السهل أن يكون الإنسان تافها بامتياز، كي يلج نادي أسياد التفاهة وعمالقة الانحطاط..
لا بد من امتلاك القدرة الرهيبة على التدليس والتزييف والتزوير والنفاق، وإحداث انقلاب في منظومة القيم، بتحويل الرذيلة إلى فضيلة، والدفاع عن “فضائل الانحطاط”.. “فضائل الفساد”.. “فضائل اللعب”..
يجب تحويل الحياة إلى لعبة كبيرة.. وإقناع الشعوب بضرورة القبول بقواعد “اللعبة” وأهمها القبول بالخسارة إلى درجة الاستسلام.. خسارة التاريخ.. خسارة القيم.. خسارة الهوية.. خسارة ثروات الوطن.. خسارة الحاضر والمستقبل.. خسارة الحياة.. خسارة الحضارة..
صناعة التفاهة تقتضي الشحن المنتظم للشعوب بتهافت القيم.. والانتقال من “لذّة الواجب” إلـــى “واجب اللذة”.. تصبح اللذة هي الخير الأسمى، وكل حديث عن خطوط حمراء في نظام التفاهة ينتقد بشراسة.. كل شيء منحط مباح.. العهر، الشذوذ، الفوضى… كلها تسمى مغامرات ومبادرات..
وبما أن صناع التفاهة العالمية أباطرة السلطة والمال والأعمال في رقعة الشطرنج، يستطيعون تحريك بيادق الفكر والسياسة بطرق ماكرة.. تجعل بعض البيادق يتوهمون أنهم يتحركون بإرادتهم وحريتهم الشخصية، في حين أن أياد فوقية هي التي تعبث بهم كيف ومتى تشاء.
أستحضر هنا عبارة للرسول بطرس “كان أيضا في الشعب أنبياء كذبة، كما سيكون فيكم أيضا معلمون كذبة” .. ما أكثر النخب المزيفة التي أصبحت مشكلة تعمق جراح الأوطان.. بدل أن تكون نخبا تنويرية حقيقية.. هذه النخب المزيفة أينما تكاثرت إلا وحلت الكارثة..
المعلمون الكذبة أشبه بشخصية “زيطة” في رواية “زقاق المدق” للروائي الكبير نجيب محفوظ.. “زيطة” هذا الشخص المنحط، الذي يصنع العاهات في الفقراء الجهلاء، الذين تعطلت عقولهم عن التفكير والابتكار والإبداع، ويقصدون “زيطة” ليصنع في أجسادهم عاهات كبتر ذراع أو كسر قدم حتى يتمكنوا من كسب قوتهم بلعبة التزوير والخداع والنصب والاحتيال.. ونمو قطيع اجتماعي من المعاقين اختياريا، يعطل تقدم المجتمع، ويجعله وكرا للتخلف والفساد.
والأكثر خطورة حين يعبث “المعلمون الكذبة” بحضارة المجتمع، ومكوناتها، وهويتها التي تُـثـبِّتُ جذور الوطن في أخاديد الماضي وعوالم الحاضر وممكنات المستقبل، الهوية تعني بصمة الشعب التي تميزه عن غيره من الشعوب..
اليوم تعالت أصوات “أنبياء كذبة” يبشرون بالديمقراطية، والحرية.. التي تعني في منظورهم ضرورة اقتلاع الجذور الحضارية، وإعلان “موت التراث”.. وهل تعيش شجرة اقتلعت جذورها.. وهل يموت تراث أبدعه فلاسفة وأطباء وعباقرة يشهد الغرب على عظمتهم؟
محاولة تفتيت الهوية الإسلامية، وزرع ألغام الطائفية بين شعوبها لمنع رسالة (لتتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) هي محاولات بئيسة من “نخب مزيفة” تعيش الخواء الفكري، وبدل أن تنخرط في مشروع التقريب ببن مكونات الهوية الإسلامية بقواسمها المشتركة الصلبة، وتشكيل قوة عالمية تمتلك حلفا عملاقا أضخم من حلف الناتو، بجيوش موحدة ومقدرات وثروات هائلة ستجعل شعوب العالم الإسلامي ضنن دول الرفاه والعيش الكريم، بدل هذا الاختيار للأسف نجد النخب المزيفة التي تصدع رؤوسنا بمقولات الحداثة والتنوير والحريات الفردية بفهمها المغلوط المشوه الذي يرافع عن الحق في الشذوذ الجنسي والإفطار العلني في رمضان والتطاول على الرموز الدينية في إطار أكذوبة حرية تعبير، لكن حين نطالبهم بحرية التعبير غن هويتنا عنذاك تسمع العجب العجاب، بدءا من وصم المدافع عن الثوابت الهوياتية بالتطرف ونشر خطاب الكراهية، والدعوة السافرة إلى سجنه بمبررات واهية.
استهداف رمضان الذي يعتبر الواقعة الهوياتية الإسلامية بامتياز، باعتباره بؤرة انطلاق التنوير المعرفي (إقرأ) والتنوير الحقوقي (ومن أحياها كمن أحيا الناس جميعا) والتنوير الإنساني (سراجا منيرا) لكل البشر (هدى للناس)، وإفراغه من محتواه الفكري الرائع والأخلاقي السامي، إلى مناسبة للعدمية والعبثية والتفاهة، وصولا إلى قمة السفاهة “سهرة ليلة القدر”.. بهدف مواصلة مشروع التطبيع بمختلف مستوياته المادية والفكرية، وهندسة اللهو بمسوغات الترفيه، وهنا تحضرني عبارة عميقة للفيلسوف أرسطو: “القول بأن الإنسان يكافح من أجل اللهو قول صبياني سخيف”، دون نسيان تمجيد الغرب العلماني لخلفيته الدينية، وتسامحه مع فضائح رجال الدين ودعمهم السخي وفسح المجال لهم في مختلف وسائل الإعلام لنشر أكاذيبهم ومهاجمة الهوية الإسلامية والقذف الممنهج والمنتظم لشتم الرسول صلى الله عليه وسلم، والخضور المكثف لرجال الدين في الأفلام وتمجيد المناسبات والأعياد الدينية في نسخيتها المسيحية واليهودية، لكن حين يتعلق الأمر بالهوية الإسلامية فكل شئ مباح ومستباح..
يتم الترويج لهذه الإباحيات باسم الحداثة، غير أن الحداثة بريئة من هذه الافتراءات، لأنها ارتبطت بالجهر بالحقيقة ورفض الاستباداد والفساد، والتنوير العلمي لذلك دفع الحداثيون جراء مواقفهم الشجاعة وتضحياتهم ثمنا باهظا بالملتحقات والاعتقالات والاغتيالات وحراق الكنيسة للعلماء (برونو..) وقمع جاليلي والقائمة طويلة..
يظهر النفاق الهوياتي الغربي بشكل سافر في إرادة استئصال القيم الهوياتية التي لا تنسجم مع عقيدته الهوياتية المسكونة بالسيطرة والهيمنة على الآخر المختلف البعيد (العالم الإسلامي) والقريب (روسيا).
ختاما دور المفكرين الحقيقيين، هو تنوير البشر، وجعلهم يتشبعون بقيم التعايش، والاختلاف وقبول الآخر، والتعايش، والتسامح، ولذة خدمة الإنسانية ، لا نشر الكراهية وصناعة العنف وتحويل العالم إلى حلبة حرب الكل على الكل
وهذا معنى كلام الفيلسوف ديكارت “إن أعظم نعمةٍ يُنعِم الله بِها على بلد من البلدان، هو أن يمنحها فلاسفة حقيقيين”.. نعم المفكرون الحقيقيون نعمة عظيمة لشعوبهم.. أما المفكرون المزيفون نتمنى لهم يقظة الضمير قبل فوات الأوان..
*كاتب مغربي
النفاق “الهوياتي”
