اليمن الحر الأخباري

قالوا لي بكرة العيد قلت العيد لأصحابه!

د/ سعد ناجي جواد*
القسم الاول من عنوان هذه المقالة، التي اعترف بانها عاطفية وحركتها شجون داخلية لا تخفى اسبابها على كل لبيب، هو جزء من ابيات (طقطوقة) لشاعر شعبي مصري قديم قراتها منذ زمن طويل جدا ورسخت في ذهني لجمال معانيها (وغناها الملحن الكبير المرحوم الشيخ زكريا احمد)، ولم اكن اعتقد انها ستنطبق على حالي وحال مجاميع غفيرة من العراقيين بل والعرب في يوم ما.
واذا لم تخني الذاكرة فان كلمات الموال تقول
صهد [قسوة] الجبال دوم ونهش الاف بنيابو
اهون عليكي ياعين من اللي مفارق احبابو
والحب بلدو بعيد واحنا انشبكنا بو
قالوا لي بكرة العيد قلت العيد لاصحابو
ومنذ ان اضطررت الى الغربة، وقبل كل عيد اتذكر هذه الكلمات، ومعها مطلع قصيدة المتنبي الشهير
عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ
وقررت مع نفسي من يومها ان لا ارسل تهنئة بعيد حتى تنزاح الغمة. ولم يدر بخلدي ان الغمة ستطول الى هذا الحد او انها ستبدو وكان لا نهاية لها.
عراقيا كل الشواهد تقول ان الحالة المزرية التي خلقها الاحتلال البغيض ما زالت مستمرة مع كل سلبياتها المؤلمة مثل الفساد والانشقاقات الداخلية والصراعات المحاصصاتية على المناصب وارتفاع نسبة الفقر وانعدام الخدمات والارهاب وتدهور مستوى التعليم واخيرا وليس اخرا تسيس القضاء. وكل ذلك تجَسَدَ في العجز عن تشكيل حكومة جديدة بعد انتخابات مبكرة، تصور العراقيون انها ستكون بداية انفراج ازمتهم، ولا ادري من اين اتاهم هذا التصور، وكيف تولد لديهم هذا الشعور، وما هي الاسس والشواهد التي استندوا عليها في الوصول الى هذا الاعتقاد.
عربيا، يبدو من وجهة نظري المتواضعة ان الشطر الثاني من بيت شعر المتنبي قد بدا يتحقق، وان هناك (تجديد). فعلى الرغم من استمرار وتزايد محاولات احباط النفوس، والتي بدات بما سمي ب(التطبيع) والذي هو في حقيقته اعتراف مجاني وذليل بالاحتلال الاسرائيلي وانكار للحقوق الفلسطينية، وانتهاءا بمحاولات نقل هذه العملية الى المستوى الشعبي، والمتمثل بزيارة اشخاص (عرب) غير رسميين وصحفيين لفلسطين المحتلة، واستقبال صهاينة في بعض العواصم العربية، واخيرا عملية السعي لاحياء ذكرى المحرقة في بولندا، هذه الجريمة التي لم يرتكبها نظام عربي او اية حركة سياسية عربية، وانما ارتكبها نظام اوربي وبايدي اوربية، وعلى الرغم من ان الاضطهاد الحقيقي لليهود كان في اوربا، الا ان انتقام الصهاينة جاء ضد العرب والفلسطينيين بالذات وبمذابح مستمرة، ولم تتحرك مشاعر اوربا ازاء اي منها ليومنا هذا. اقول رغم كل هذه الاحباطات الا ان الافق حمل اشارات ايجابية جديدة تبشر بنهاية عهد الخنوع والقبول بالغطرسة الاسرائيلية. هذه الاشارات بدات منذ ان استطاعت المقاومة العربية في لبنان وفلسطين في وضع حد للاعتداءات المسلحة الاسرائيلية على المدنيين، وفي افشال الحروب الاسرائيلية على جنوب لبنان وغزة، ونقل المعركة الى داخل فلسطين المحتلة، ووصل الصمود الى مرحلة جعلت اسرائيل تدفع ثمنا كبيرا لاعتداءاتها وقتلها المجاني للعرب الامنين، ثم ازداد الشعور الايجابي نتيجة للهبة الشعبية الفلسطينية، ( نساءا ورجالا ومن كل الاعمار)، لحماية المسجد الاقصى خلال شهر رمضان المبارك ومنع تدنيسه والاستمرار في اقامة صلوات جماعة فيه باعداد كبيرة جدا، ومنع اقتحام مخيم جنين واحياء مقدسية اخرى، وما صاحب ذلك من عمليات فردية استشهادية اوضحت لإسرائيل وللعالم ان الحق الفلسطيني لن يموت وانه ينتقل من جيل الى جيل، رغم كل الدعاية والمخططات الاسرائيلية، التي عملت وتعمل على محو اسم فلسطين من اذهان الاجيال التي ولدت بعد اكثر من سبع عقود على احتلال وتقسيم فلسطين (1948)، واكثر من خمس عقود على احتلال كل الارض الفلسطينية واهمها القدس الشريف (نكسة 1967).
نعم هذه الاحداث، بالاضافة الى الصمود الكبير لحركات المقاومة المسلحة، هي ما احيت بعض الامل في النفس. لم تكن مصادفة، والحالة هذه، ان يتحدث اهم قائدين من قادة المقاومة، السيد حسن نصر الله ويحيى السنوار بكل ثقة عن نهاية العهد الذي تستطيع فيه اسرائيل ان ترتكب جرائمها بدون رد مباشر وسريع، وان الاقتحامات المتوالية وتدنيس المسجد الاقصى او المخيمات الفلسطينية لن تمر من الان فصاعدا دون رد مناسب عليها وان القدس والمسجد الاقصى خطا احمر لا يمكن لاسرائيل ان تتجاوزه. هذان التصريحان، والشعور بقدرة حركتي المقاومة اللبنانية والفلسطينية على فعل ذلك، هو ما يجعلني اليوم اكسر التقليد الذي انتهجته لعقدين، واقول لكل فلسطيني يعاني من الاحتلال وتجاوزاته او يعيش بعيدا عن ارض اباءه واجداده، ولكل العرب الذين لم يغيروا اتجاه بوصلتهم عن فلسطين الحبيبة، ولكل المقاومين الشرفاء ومن كل الصنوف سواء بالقلم او بالبندقية.
كل عام وانتم جميعا بالف خير ان شاء الله.
*كاتب واكاديمي عراقي

Exit mobile version