فاطمة عواد الجبوري*
صدرت عن تركي الفيصل الرئيس السابق للمخابرات السعودية تصريحات مهمة للغاية تعبر بوضوح تام عن حالة “الحَرَد السياسي” التي تعيشها السعودية مع الولايات المتحدة هذه الأيام. يقول الفيصل بأنّ السعودية تشعر بخيبة الأمل من الولايات المتحدة لإنها خذلتها في التعامل مع التهديدات الأمنية التي يشكلها أنصار الله الحوثيون ضد المنطقة والعالم بأسره (بحسب وصف تركي الفيصل).
لقد جاءت أزمة الحرب الأوكرانية كإمتحان هام للعلاقات السعودية الأمريكية التي شهدت فتوراً حاداً بعد صعود الديمقراطيين في الولايات المتحدة بقيادة جو بايدن. من المعروف تماماً بأنّ السعودية ربطت نفسها بالحماية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ومنذ تأطير معادلة الحماية مقابل النفط، ولكن مالم تنجح فيه السعودية هو صنع دوائر ضغط (لوبيات) ناجحة في الولايات المتحدة تعمل على تحقيق المصالح السعودية. إذ أن السعودية أنفقت ملايين الدولارات على الشركات العامة لتلميع صورتها بعد الأخطاء الكارثية التي ارتكبها ولي العهد محمد بن سلمان ولكنها لم تستثمر ببسط النفوذ في دوائر صنع القرار في كلا الحزبين (الجمهوري والديمقراطي)، وعليه فاقتصرت علاقاتهم القوية على الحزب الجمهوري. وهذا ما ظهر جلياً في 400 مليار دولار قدمتها السعودية على طبق من ذهب للرئيس الجمهوري السابق دونالد ترامب.
كل الخطوات الإيجابية التي تتخذها السعودية هذه الأيام تأتي كردة فعل وليس كمحددات واستراتيجيات كبرى مستدامة. ما نقصده بردود الفعل هذه هو أن السعودية على سبيل المثال بدأت تميل إلى روسيا في قضية أوكرانيا واستخدمت ورقة عدم زيادة انتاج النفط كورقة ضغط ضد الولايات المتحدة.
من جهة اليمن فقد قبلت السعودية بالهدنة مع حكومة أنصار الله بعد أن شهدت السعودية هجمات صاروخية غير مسبوقة من قبل. كما أنها خاضت الجولة الخامسة من المحادثات مع إيران في العراق فيما يتوقع أن تعود العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عما قريب.
على الصعيد التركي فقد استقبلت المملكة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ويبدو بأن اتفاقاً حدث بتهميش قضية الصحفي جمال خاشقجي تماماً.
إن قراءة كل هذه الخطوات والتحركات يوحي بأن السعودية تنتهج نهجا جديداً، ولكنها وكما قلنا أعلاه ليست كذلك إنما تأتي هذه الخطوات كردود فعل وحسب.
إن هذه التحركات هي مجرد تحضير لعودة الجمهوريين مرة أخرى إلى البيت الأبيض في العام 2024، ولذلك فالسعودية وبمجرد انتصار الجمهوريين مرة أخرى سوف تعود إلى سياساتها السابقة، وسوف تخضع للابتزاز مرة أخرى.
في الملف الروسي سيضغط عليهم الجمهوريون للتخلي عن الخطوات الخجولة مع روسيا. وفي اليمن يصر السعوديون على أن الهدنة هناك مؤقتة وذلك لإن السعودية لم تعد فتح مطار صنعاء لليمنيين ولم تسمح بدخول حر لناقلات النفط هناك.
وبدلاً من استثمار المفاوضات مع إيران لإطالة مدة الهدنة اليمنية أو البحث عن حلول نهائية لهذه الأزمة المكلفة من الناحية الاقتصادية والسياسية للسعودية، يبدو بأنّ السعودية تعمل على ملفات موازية أخرى ولا زالت تظن (واهمة طبعاً) بأنها قادرة على كسر شوكة اليمنيين بعد 8 سنوات من الصراع.
السعودية اليوم تحقق نمواً اقتصادياً استثنائياً بارتفاع عائدات النفط إلى نحو 20% فيما بلغ النمو الاقتصادي خارج النفط أكثر من 3%. وبدلا من استثمار هذه الأموال في مشاريع مستدامة تؤمن الرفاه والعمل في السعودية تعمل الحكومة على تمويل ملفات فاشلة مسبقاً. إليك عزيزي القارئ ملف لبنان على سبيل المثال. السعودية أطاحت بأهم حليف لها في لبنان وهو سعد الحريري، هذا الحليف الذي كان من الممكن أن تعيد السعودية تأهيله وتسليمه رئاسة الوزراء مرة أخرى ولكنها فضّلت الإطاحة به وهي اليوم تعمل بشكل كبير وفعال على لملمة الأصوات السنية في الانتخابات البرلمانية القادمة، خصوصا بأن الطائفة السنية تنظر إلى السعودية اليوم على أنها المسؤول الوحيد عن الأوضاع الحالية للطائفة. تستخدم السعودية أموالها وبعض عناصرها للتأثير على سير الانتخابات وهي تحاول شراء هذه الأصوات لصالح حزب القوات. ولكن مرة أخرى يبدو بأن السعودية تعيد تكرار السياسات السابقة الفاشلة نفسها وذلك لإن الطائفة السنية تنظر إليهم وإلى حزب القوات على أنهم هم من قتلوا الحريري سياسياً ولذلك يبدو بأن هذه الأموال تذهب سداً دون تحقيق أي منافع موضوعية للسعودية.
وفي الملف الإيراني أيضا على سبيل المثال فإنها تمول قنوات تلفزيونية بملايين الدولارات للبث باللغة الفارسية ومحاولة زعزعة الاستقرار في إيران وهي كذلك تدعم مجموعات مصنفة إرهابية في إيران وخارج إيران. أبرز هذه الجماعات هي جماعة متواجدة في الدانمارك. منذ أسابيع قليلة وجهت محكمة في الدانمارك على أعضاء في حركة النضال تهما تتعلق بالإرهاب والتخطيط لعمليات إرهابية مسلحة داخل إيران. وقد كشفت تحقيقات في التلفزيون الدانماركي والنرويجي بأن هذه المجموعات الإرهابية والقنوات الفضائية التابعة لها تمول بشكل مباشر من قبل السعودية!!!
ختاماً لطالما ذكرنا بأنّ السعودية اليوم مطالبة بأن تنتهج نهجا أكثر تعقلاً وحكمةً. كما عليها أن تفهم بأنّ المنطقة والفاعلين الإقليميين فيها لن يسمحوا بالتواجد الأجنبي فيها بعد اليوم. لذلك فإن الخطوات الإيجابية التي تتخذها المملكة لا يجب أن تتعارض مع خطوات سلبية في التدخل في الانتخابات أو دعم مجموعات إرهابية. هذه الاستراتيجية التي ننصح بها سوف تجعل من السعودية دولة مستقلة نسبيا عن الحليف الأمريكي المتخاذل وسوف يوفر لها المليارات من الدولارت يمكن أن تُستثمر في الداخل السعودي.
*كاتبة وباحثة عراقية
حالة الفتور في العلاقات الأمريكية السعودية
