اليمن الحر الأخباري

مذابح الكلمة الحرة في إسرائيل

د/الياس عاقلة*
مرة أخرى، وكعديد من المرات السابقة، قتلت قوات الموت الإسرائيلية الإرهابية (Terrorist Israeli Death Forces TIDF) بدم بارد الصحافية الفلسطينية التابعة لفضائية الجزيرة شيرين أبو عاقلة عن عمر يناهز 51 عاما، حيث أصيبت برصاصة قناص إسرائيلي في رقبتها الجزء الوحيد غير المحمي من جسدها وهي ترتدي خوذة وسترة واقية معلم كلاهما بكلمة PRESS بشكل واضح . أدت الإصابة الى الموت الفوري.
في الصباح الباكر من يوم الأربعاء ، 11 أيار/مايو، سافر الفريق الصحافي التابع لفضائية الجزيرة ضاما شيرين أبو عاقلة الى مخيم جنين للاجئين لتغطية غارة أخرى تنفذها قوات الموت الإسرائيلية الإرهابية(TIDF) ضد أحد المنازل الفلسطينية.
كانت هذه الرحلة عملاً روتينيا يوميا تقريبا لهذا الفريق الصحافي. للأسف الشديد لم تدرك شيرين أن هذا اليوم سيكون آخر أيام حياتها، فقد أطلق القناص الإسرائيلي الرصاص عليها بينما كانت واقفة في الفضاء المكشوف لتظهر بوضوح كلمة الصحافة على خوذتها وعلى سترة الصدر الواقية. واستمر القناص بإطلاق النار على الفريق مما أدى الى إصابة الصحافي علي الصمودي في الظهر.
تشن قوات الموت الإسرائيلية الإرهابية (TIDF) غارات يومية ضد المدن الفلسطينية ومخيمات اللاجئين كجزء من سياسة التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي تتبعها الحكومات الإسرائيلية المتتابعة. وعادة تداهم هذه القوات الإرهابية بيوت الفلسطينيين في ساعات الفجر الباكر لإرهاب العائلات والأطفال الذين ما زالوا نائمين. فيقوموا بقلب البيت رأسا على عقب وبسرقة الأشياء الثمينة ويقبضون على المراهقين وعلى الشباب ثم يقومون بتدمير البيت بالجرافات وترك النساء والأطفال والشيوخ في العراء. لتبرير هذه الغارات الإرهابية على منازل الفلسطينيين تزعم إسرائيل أنها تقوم “بأنشطة مناهضة للإرهاب” في حين أن هذه القوات الإسرائيلية نفسها هي التي تنشر الإرهاب.
وبحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) الصادر في 12 مايو 2022 فقد هدمت إسرائيل 8413 مبنى فلسطينيا وإلقاء 12491 أسرة مع أطفالها في الشوارع . وفقا لموقع Theintercept > فقد تجاوزت حصيلة الأمم المتحدة لعمليات الهدم التي نُفذت منذ تنصيب بايدن رئيسا أميركيا الى 1000 منزل، وفي الأشهر الـ13 الأولى من سلطة بايدن تم تهجير أكثر من 1300 فلسطيني ، غالبيتهم من الأطفال والنساء، بسبب عمليات الهدم هذه.
يعكس مقتل الصحافية شيرين أبو عاقلة السياسة الإسرائيلية المتمثلة في استهداف وقتل الصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يفضحون للعالم سياسة التطهير العرقي الإسرائيلية الوحشية ضد المدنيين الفلسطينيين. قتلت إسرائيل أكثر من 50 صحافيا فلسطينيا منذ عام 2001 وفقا لنقابة الصحافيين الفلسطينية ، كما سجلت منظمة مراسلون بلا حود إصابة أكثر من 144 صحافيا في السنوات الأربع الماضية فقط.
تحصي نقابة الصحافيين الفلسطينيين سنويا ما بين 500 – 700 إعتداء وجريمة إسرائيلية ضد الصحافيين الفلسطينيين .
خلال مسيرة العودة الفلسطينية الكبرى في غزة عام 2018 ، عندما اعتاد الفلسطينيون السير نحو السياج الفاصل بين قطاع غزة وفلسطين المحتلة ، وثق مراسلون بلا حدود أكثر من 140 اعتداءا إسرائيليا على صحافيين فلسطينيين كانوا يغطون المسيرة . على سبيل المثال لا الحصر، قُتل الصحافيان حسين ومرتجى على الفور برصاص القناصة الإسرائيليين من الجانب الآخر للسياج، وأصيب كرونز في ساقيه، بينما أُصيب يحيى خالد وسامي مصران بالعمى في إحدى العينين بشظايا الرصاص ، أما علي جادالله فقد أصيب في الرأس بالرصاص المبطن بالمطاط. وغيرهم كثير.
كل جرائم القتل هذه لم تشمل شيرين أبو عاقلة ولا العديد من الصحافيين الأجانب مثل الصحافي الإيطالي المخضرم رافائيل سيريللو ،42 عاما، الذي كان في صحيفة كورييري ديلا سيرا والمشهور بتغطية النزاعات في أفغانستان وكوسوفو والذي قتله الإسرائليون في ميدان المنارة في رام الله في 11 آذار/مارس 2002. وكذلك الصحافي البريطاني جيمس هنري دومينيك ميلر المصور والمنتج والمخرج والحائز على جوائز إيمي، الذي قتلته القوات الإسرائيلية أثناء تصويره فيلما وثائقيا في رفح بقطاع غزة في 2 أيار/مايو 2003. وهناك أيضا الصحافي التركي جودت كيليكلار الذي قتلته الوحدة العسكرية الإسرائيلية التي اقتحمت سفينة مافي مرمرة أثناء إبحارها الى غزة في 31 أيار/مايو 2010. وهنا علينا أيضا أن نذكر 17 فلسطينيا آخرين الذين عملوا في الإعلام والصحافة وقُتلوا خلال الـ51 يوما من الإعتداء العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة في أغسطس/آب 2014.
يأتي مقتل شيرين أبوعاقلة بعد أيام قليلة من قيام الاتحاد الدولي للصحافيين ونقابة الصحافيين الفلسطينيين والمركز الدولي للعدالة للفلسطينيين بتقديم شكوى رسمية الى محكمة الجنايات الدولية يتهمون فيها إسرائيل بـ “الاستهداف الممنهج للصحافيين الفلسطينيين”. كما شملت الشكوى “استهداف وقصف” مبانٍ تأوي وسائل إعلام في قطاع غزة بما في ذلك الغارة الجوية الإسرائيلية التي دمرت مبنى الجلاء المكون من 11 طابقا، والذي كان يحتوي على مكاتب الجزيرة وأسوشيتد برس في أيار/مايو 2021.
كل هذه الجرائم الإسرائيلية المارقة بحق الصحافيين انتهاكات خطيرة لاتفاقيات جنيف وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2222 بشأن حماية الصحافيين. كما يمكن اعتبارها أيضا جرائم حرب . مع ذلك فإن الإسرائليين، الذين يسمون أنفسهم بـ”شعب يهوه المختار” لا يهتمون بكل هذه القوانين الأخلاقية الدنيوية.
نظراً لكون شيرين أبو عاقلة علماً إعلامياً، وصل وجهها وتقاريرها تقريباً الى كل منزل في العالم العربي وفي العديد من الدول الغربية بسبب بث قناة الجزيرة، فقد أحدث مقتلها موجةً صادمةً في جميع أنحاء العالم . تم الكشف مرة أخرى عن وجه إسرائيل الإرهابي القبيح . لحماية هذا الوجه الإرهابي القبيح لإسرائيل سارعت الحكومة الإسرائيلية بالإدعاء السخيف أن “إرهابيين فلسطينيين” أطلقوا النار على شيرين أبو عاقلة أثناء تبادل النار مع القوات الإسرائيلية. عندما تم دحض هذا التفسير الصبياني السخيف من قبل العديد من شهود العيان على الأرض وأفلام الفيديو التي تثبت أنه لم يكن هناك تبادل لإطلاق النار وقت القتل، عممت الحكومة الإسرائيلية مقطع فيديو لمسلح يطلق النار في زقاق مدعية أنه أطلق النار على شيرين. المفارقة هنا أن منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية “بتسيلم” أجرت تحقيقاً في الفيديو بواسطة باحث محلي لها، وأظهرت أن المسلح كان يطلق النار في زقاق في مخيم لللاجئين لا يقع بالقرب من مدخل المخيم حيث تم إطلاق النار على شيرين وصحافيين آخرين.
كما يظهر مقطع الفيديو لجهود إنقاذ شيرين أن كل من اقترب منها تعرض لإطلاق نار، مما يوحي بأن فريق الصحافيين تعرض لهجوم متعمد وليس مجرد نيران عشوائية. والسؤال هنا لماذا يستهدف مقاتل فلسطيني صحافية فلسطينية وأولئك الفلسطينيين الذين كانوا يحاولون انتشال جثتها؟
مباشرة بعد مقتل شيرين أبو عاقلة سارعت القوات الإسرائيلية بمداهمة منزلها > في القدس الشرقية في محاولة لمنع أي تجمع هناك بينما كانت الأسرة تقوم بترتيبات جنازتها.
لكن الشبان الفلسطينيين أصروا على حمل جثمان شيرين على أكتافهم ملفوفاً بالعلم الفلسطيني وبالزهور طوال الطريق من جنين الى رام الله، الى مقر السلطة الفلسطينية، حيث تم تشريفها وتوديعها بموكب رسمي مهيب مصحوباً بالنشيد الوطني الفلسطيني مشابهاً في عظمته موكب توديع الرئيس الراحل ياسر عرفات.
ثم نُقل جثمان شيرين أبو عاقلة مرة أخرى الى مستشفي في مدينة القدس تمهيداً لنقله الى الكنيسة المجاورة لأداء الشعائر المسيحية الأخيرة. ما قد لم يدركه الكثير من القراء هو أن عائلة أبو عاقلة عائلة ممتدة فلسطينية مسيحية معروفة.
وعلى غرار بقية العائلات الفلسطينية المسيحية والمسلمة، عانت عائلة أبو عاقلة الكثير من الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي الذي صادر العديد من ممتلكات أفراد العائلة الذين تم طردهم من منازلهم وأراضيهم من مدن الناصرة وحيفا والقدس وبيت لحم وبيت جالا. على العالم الغربي المسيحي أن يفقه حقيقة التعاليم الدينية اليهودية التي تعتبر المسيحيين كغيرهم من غير اليهود، الأغيار، أرواحاً حيوانية خلقها الله اليهودي -يهوه العنصري – في أجساد آدمية فقط من أجل أن تخدم “شعبه المختار” اليهود.
خلال نكبة 1948 قامت عصابات الجيش الصهيوني اليهودي بذبح الفلسطينيين مسيحيين ومسلمين بدون تمييز، حيث داهموا وأحرقوا كنائس ومساجد على حد سواء بعد أن نهبوا قطع الآثار الدينية الثمينة. وفي القدس حاليا يقوم المتعصبون اليهود وخاصة طلاب مدارسهم الدينية – يشوف yeshov- بإهانة وبالبصق على الكهنة المسيحيين في شوارع المدينة وبكتابة إهانات للمسيح على جدران الكنائس ، وهم يفخرون بالتجديف على يسوع المسيح وأمه مريم العذراء. في المقابل يكّرم الإسلام المسيح عيسى وأمه مريم حيث يخصص القرآن فصلا كبيرا؛ سورة مريم، تبجيلا لمريم العذراء ، شيئ لم يفعله المسيحيون أنفسهم في إنجيلهم للأسف الشديد.
حاولت حشود المعزين حمل نعش شيرين أبو عاقلة على أكتافهم من المستشفى الى الكنيسة المجاورة، كما هي العادة، ولكن حال خروجهم من بوابة المستشفى تعرضوا لهجوم وحشي من قبل المئات من رجال الشرطة وقوات الأمن الإسرائيلية بالهراوات وقنابل الصوت والدخان . هذا الهجوم كاد أن يُسقط النعش على الأرض لولا جلد الشباب وتحملهم الضرب الوحشي لمنع سقوطه. كما قامت قوات الإحتلال أيضا بمنع جموع المعزين من دخول المقبرة للمشاركة في مراسم الدفن. هذا الهجوم الوحشي على المعزين لا سبب له ولا منطق بل يدل على كراهية مبتذلة وعلى عدم انسانية الإسرائيليين لاحترام قدسية الموتى ومشاعر حزن المعزين. هذه حقيقة هؤلاء الإسرائليين.
قد يعتقد البعض أن إسرائيل قد تخفف من عمليات التطهير العرقي العدوانية والإبادة الجماعية ولو قليلا الى أن يهدأ الوضع، ولكنهم لم يفعلوا ذلك . استمروا في تدمير المنازل الفلسطينية ، فقد تم تدمير خمس منازل في نفس اليوم؛ منزل في بلدة جبل المكبر، وثانٍ في بيت حنينا، وثالث في الولجة غرب بيت لحم، ورابع في سلوان، وشقة في العيسوية. كما هاجم مستوطنون إسرائيليون متطرفون عائلة فلسطينية في الطور بالقدس واستولوا على المنزل بالقوة طاردين الأسرة الفلسطينية في الشوارع. كذلك داهمت قوات الموت الإسرائيلية الإرهابية (TIDF) منزل عائلة حميدان في بلدة بيدو بعد أن تم قتل إثنين من أبناء العائلة في الأيام القليلة الماضية . كما أطلقت القوات الإسرائيلية النار على شاب فلسطيني في مدينة القدس القديمة وأردته قتيلا.
لم تكن جريمة القتل المستهدفة الفاضحة لشيرين أبو عاقلة حدثاً فريداً في فلسطين المحتلة. لم تكن الأولى وأخشى ألا تكون شيرين آخر صحافية فلسطينية تُقتل على يد نظام الاحتلال الإسرائيلي الوحشي.
لا تفرق قوات الموت الإسرائيلية الإرهابية (TIDF) ولا حكومتها اليهودية الصهيونية بين صحافي عربي أو أعجمي ، فكلهم أغيار في نظرهم. شاهد هذا الفيديو لتدرك هذه الحقيقة.

*كاتب عربي من أصل فلسطيني

Exit mobile version