د/ تمارا برّو*
قامت المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان ميشيل باشليت بزيارة إلى الصين دامت ستة أيام، زارت فيها منطقة شينجيانغ الأويغورية ذاتية الحكم الواقعة شمال غرب الصين، للاطلاع على أوضاع الأويغور بعد اتهام بكين بارتكاب جرائم ضدهم. وتأتي هذه الزيارة بعد سنوات طويلة من المفاوضات الصعبة مع السلطات الصينية، وهي الأولى للمفوض السامي للأمم المتحدة منذ 2005. وعلى ما يبدو فإن المحادثات التي أجراها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في أثناء اجتماعه بالرئيس الصيني شي جين بينغ على هامش الألعاب الأولمبية التي جرت في بكين في شهر فبراير الماضي، ساعدت على السماح لباشليت بزيارة الصين خاصة أن أولمبياد بكين الشتوية شهدت مقاطعة دبلوماسية من قبل الولايات المتحدة الأميركية وعدد من حلفائها على خلفية اتهام الصين بانتهاك حقوق الإنسان في إقليم شينجيانغ.
وتأتي الزيارة أيضاً بعد أيام قليلة من نشر وسائل إعلام غربية وثائق مسربة سميت بـ ” ملفات شرطة شينجيانغ” تتضمن صور وبيانات ومعلومات حول تعرض الأويغور للقمع من قبل السلطات الصينية، تم تسريبها من مصدر مجهول إلى عالم ألماني يدعى أدريان زينز.
تواجه الصين انتقادات دولية متصاعدة بتهمة قمع حقوق أقلية الأويغور المسلمة، تشمل حوادث تعذيب، والعمل بنظام السخرة، واحتجاز مليون شخص في معسكرات اعتقال، وتعرض النساء لعمليات الاجهاض القسري. في المقابل ترفض الصين هذه الاتهامات وتصف المعسكرات بأنها منشآت لإعادة التثقيف والتدريب، وتقول أنها تحارب التطرف الديني، بعد أن جرت محاولات لأعمال عنف سابقة في شينجيانغ وخارجها، وتعتبر بكين أن اتهامها بقمع الأويغور يهدف إلى احتواء الصين.
إن اتهام بكين بقمع الأويغور في شينجيانغ هي ورقة ضغط تحركها الولايات المتحدة الأميركية ضد الصين لإجبارها على الرضوخ لشروطها، وتقليب الرأي العام العالمي ولاسيما المسلمين ضدها. من هنا فإن بكين كانت تعارض زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان خشية من تسييس التحقيقات بناء على ضغوطات أميركية وغربية. وهذا ما عبّر عنه الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال اللقاء الافتراضي مع مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشليت بأنه ” يجب عدم تسييس قضايا حقوق الإنسان واستغلالها أو الكيل بمكيالين”، ودافع الرئيس الصيني عن الإجراءات التي تتخذها بلاده في مجال حقوق الإنسان بقوله” كل دولة لديها وضع مختلف” وبالتالي” لديها طريق للتطور في مجال حقوق الإنسان يجب أن يتوافق مع ظروفها الوطنية “مضيفاً “أنه ليس هناك دولة مثالية في مجال حقوق الإنسان”.
زيارة باشليت إلى الصين زادت من التوترات بين الصين والغرب، فقد انتقدت الولايات المتحدة الأميركية زيارة باشليت إلى الصين ووصفتها بالخطأ، مدعية أنها لن تتمكن من الحصول على صور “للفظائع والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية”. وبعد بيان المفوضة السامية حول زيارتها للصين، والذي جاء مخيباً لآمال واشنطن والغرب، كونها لم تتهم الصين بقمع الأويغور، بل أثنت المفوضة السامية على انجازات الصين في مكافحة الفقر وتغيير القوانين لحماية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، مثل الاصلاح على القانون المدني الذي أدخل أحكاماً بشأن التحرش الجنسي، ولكنها دعت إلى مراجعة قوانين مكافحة الارهاب وتأثير ذلك على حقوق الأويغور والأقليات الأخرى، وصفت افتتاحية صحيفة الواشنطن بوست الأمم المتحدة بأنها أصبحت” أداة لإنكار الصين للإبادة الجماعية”، واتهم وزير الخارجية الأميركي انتوني بلينكن الصين بـ” تقييد زيارة مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان والتلاعب بها”، كون أن الصين تقييد التحركات بسبب فيروس كورونا المستجدّ. ولكن بالمقابل ذكرت المفوضة السامية لحقوق الإنسان أنها التقت كبار المسؤولين الصينيين، وزارت أماكن مختلفة، منها سجن كاشغر ومدرسة كاشغر التجريبية التي شكّلت في السابق مركزاً للتعليم والتدريب في المجال التقني والمهني، والتقت بعدد من منظمات المجتمع المدني والأكاديميين وقادة المجتمعات المحلية ورجال الدين وغيرهم.
ورأت ألمانيا أن الزيارة لم ترق إلى مستوى التوقعات فيما يتعلق بتقديم توضيح شفاف حول انتهاكات حقوق الإنسان في منطقة شينجيانغ. ورفضت برلين مؤخراً دعم استثمارات لشركة فولكسفاكن بإقليم شينجيانغ الصين لأسباب تتعلق بحقوق الإنسان في الإقليم.
لقد أضحت وكالات الأمم المتحدة محط صراع بين بكين وواشنطن. فسابقاً كانت منظمة الصحة العالمية كبش محرقة في خضم الصراع الأميركي الصيني الذي ازداد في ظل تفشي فيروس كورونا، فقد اتهمت الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها مصدر الفيروس، ولمّا لم تلبِ منظمة الصحة العالمية أوامر الادارة الأميركية بتحميل الصين مسؤولية نشر فيروس كورونا المستجدّ اتهمها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بأنها “دمية في يد الصين”، وانسحبت الولايات المتحدة الأميركية من المنظمة. وفي التحقيق الذي أجرته المنظمة العالمية خلصت إلى أن الحيوانات هي مصدر الفيروس واستبعدت أن يكون الفيروس قد جاء من المختبر. لكن هذه النتيجة لم ترض واشنطن التي ضغطت على المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبرييسوس لإجراء تحقيق جديد في الصين للبحث عن أصل فيروس كورونا المستجدّ وهو ما رفضته الصين.
وعلى ما يبدو فإن الصراع الأميركي الصيني يمتد إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، التي من المحتمل أن تتعرض لضغوطات من قبل الإدارة الأميركية والغرب لاصدار بيانات تدين الصين باضطهاد الأويغور، وستكون المفوضة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشليت، التي تنتهي مدة ولايتها في أيلول/ سبتمبر من هذا العام، مضطرة إلى الإذعان للضغوطات التي سيمارسها الغرب إن أرادات البقاء في منصبها لأربع سنوات أخرى.
*باحثة لبنانية في الشأن الصيني
