اليمن الحر الأخباري

ماذا بعد الرد على مسيرة الاعلام الصهيونية؟

م.أمين حماد*
في صباح يوم ٥/٢٩ الماضي، اقتحم مستوطنون يهود المسجد الأقصى بأعداد كبيرة، و في مساء نفس اليوم ساروا بالأعلام بدءا من الساعة الرابعة عصرا، بأساليب استفزازية جدا، سواء أثناء وجودهم في الأقصى أو أثناء سيرهم في المدينة القديمة أثناء المسيرة.
بناء على ذلك توقع الكثير من الناس داخل فلسطين و خارجها من عرب و عجم و يهود حدوث شيء مزلزل كرد فعل فلسطيني على تجاوز آخر خط أحمر، و توقعوا بعد ذلك ردا من الكيان، يحرق الأخضر و اليابس، بحيث لو كتب الواحد وصيته، فإن العمارة التي يسكن بها ستختفي عن الوجود هي و الوصية، و ربما لن يكون هناك أحد من المنطقة أيضا ليقرأها أو حتى يجد صاحبا لها، فقد كان قصف العمارات على رؤوس ساكنيها هي سمة الحرب الماضية و التي كانت متوقعة في ذلك اليوم.
يسير اليهود مسيرتهم السنوية احتفالا منهم باحتلال و توحيد القدس عام ١٩٦٧، و هذا اليوم هو نفس يوم هزيمة الجيش الأردني و انسحابه منها، و رغم الوصاية الأردنية على الأماكن المقدسة في القدس الشريف، إلا أن النظام الأردني لا يزال إلى الآن عاجزا عن أي تحرك عملي ليحافظ على الأقصى الذي هو رسميا تحت وصايته و لو نظريا، و ربما كان ذلك بسبب ضغوط خارجية أو بسبب تنكر الكيان المؤقت لكل المعاهدات و المواثيق.
و رغم أن الوصاية الأردنية وردت ضمن معاهدات مع الكيان، إلا أن السبب لذلك هو محاولة الإبقاء على وضع القدس أو بالأصح الأماكن المقدسة على ما كانت عليه قبيل حرب ٦٧. فالأردن أدارت القدس ١٩ سنة فقط، بينما الدولة العثمانية أدارت القدس أكثر من ٤٠٠ سنة، و تركيا هي الوريث المعترف به دوليا بعد الحرب العالمية الأولى للدولة العثمانية، و مع ذلك تم إعطاءالوصاية للأردن و ليس لتركيا لأن الكيان احتله من جيشها.
إن أي متابع لأحداث ٥/٢٩ في القدس سيخطر على باله سؤالان.
الأول: أن اليهود يعربدون بطريقة جد استفزازية، فما هو السبب؟ و إذا كان أحد الأسباب هو استدراج حرب مع المقاومة، فلماذا؟
الثاني: أن اليهود عربدوا أكثر من اللازم يوم الأحد ٢٩/٥/٢٠٢٢، فأين تهديدات المقاومة؟
لا شك أن هناك الكثير من الخلافات و التنافس بين القيادات السياسية الصهيونية، و واضح أن نفتالي بينت كان يريد أن يثبت لجمهوره أنه أقوى في قراراته من بنيامين نتنياهو، و الذي قام بتوجيه جيشه لاستفزاز سكان حي الشيخ جراح و للمستوطنين باستفزاز المصلين في المسجد الأقصى في مايو ٢٠٢١، فجاء رد المقاومة مباشرا و سريعا، أدت أن يقوم نتنياهو بخوض حرب ضد قطاع غزة، كانت نتيجتها أن تنتهي دون انتصار أي من الطرفين، و لكن دفع نتنياهو الثمن و خسر منصبه كرئيس وزراء، و بالتالي فإن بينت أراد أن يظهر نفسه كصاحب قرار قوي ليدعم به حكومته المهتزة من شدة ضعفها.
و من أجل ذلك و بتعليمات بينت و وزير دفاعه فإن الكيان منذ رمضان الأخير و هو يقوم باستفزاز تلو الاستفزاز و كأنه يستدعي أو يستدرج احتكاك عسكري مع المقاومة. و رغم أن الكيان لا يحتاج إلى ذرائع، لكن كان و لازال واضحا أنه يرغب بحصول احتكاك يقوم فيه بتوجيه ضربة إلى قطاع غزة، يقضي بها على عشرات آلاف المدنيين و معظم البنية التحتية مستغلا فرصة إلتهاء العالم بأوكرانيا، و في نفس الوقت زاعما أنه يريد القضاء على الإرهاب في قطاع غزة.
و رغم أن معظم الناس كانوا متوترين مشدودي الأعصاب، أولا بسبب ما يحدث في المسجد الأقصى من تجاوزات يهودية خطيرة، و ثانيا خوفا من هجمة لجيش الإرهاب الصهيوني على القطاع، فلقد أثبتت المقاومة أن قياداتها أذكى كثيرا من قيادات عدوها، و لم تقم بالرد من القطاع، و الحقيقة أن أي متابع كان سيتوقع بل سيعرف ذلك، حيث أشار السيد اسماعيل هنية في خطابه قبل أيام من اقتحام الأقصى، بشكل شبه مباشر، لكن واضح لمن يقرأ بين السطور، أنه سيكون هناك رد و لكن ليس انطلاقا من قطاع غزة بل و من المتوقع أن يكون الرد رمزيا، لو حدث في هذه المرحلة، و بالتالي تم تفويت الفرصة على الكيان المؤقت و جيشه الإرهابي المسلح بأسلحة أمريكية، لمحاولة تدمير قطاع غزة على رؤوس قاطنيه.
أما لماذا لم يأت الرد في يوم الاستفزاز ذاته، فلربما كان تصورهم أن يظهروا عربدة اليهود لأبعد الحدود و أن يحفزوا المقدسيين على عمل ما باستطاعتهم ضد المسيرة. و مع ذلك فالجميع هنا لا يقبلون أن يكون الرد على شاكلة الأعمال الفردية في مارس و إبريل الماضيين، لأنهما أعمال صغيرة جدا و لا تتناسب أو تذكر مقابل مسيرة أعلام ضخمه شهدوها يوم الأحد حيث تم استفزاز الصغير و الكبير، و المسلم و المسيحي، و الرجل و المرأة فيها.
الناس هنا بشكل عام ضد الرد من قطاع غزة، ليس لأنه سيستدرج غزو يهودي مزلزل، و لكن لأن المقاومة لم تلتقط أنفاسها و تعوض ما خسرته من سلاح في الحرب الماضية، و ربما أيضا لأنها لا تريد أن تقع في فخ العدو في توقيت يحدده هو. كما أن إعادة الإعمار في القطاع تسير بسرعة السلحفاة.
و مع ذلك فمن المتوقع حدوث أشياء كثيرة بعد الذي حصل في ذلك اليوم من تجاوز لكل الخطوط الحمر، و الجميع يرجوا ألا يتم محاولة إرجاع الخط الأحمر خطوة إلى الوراء، لأنه لم يبق مجال لذلك. على كل حال لقد أصبح زوال الكيان أوضح من أي وقت مضى أثناء و بعد معركة سيف القدس.
و لكن في حين كان كل الفلسطينيين يتابعون الاقتحامات و المسيرات المشؤومة في ذلك اليوم، فمن غرائب الزمن المعاصر أن العرب الذين تعاطفوا مع مقتل الشهيدة شيرين أبو عاقلة أكثر بكثير ممن يتعاطفون مع ما يحدث في القدس و المسجد الأقصى أو حتى الذين يتابعون و لو من باب الثقافة العامة.
يتساءل البعض عن ما حدث قبيل مسيرة الأعلام، و لماذا المقاومة لم تتدخل، و لماذا اليهود ضاعفوا أعداد و استفزازات المسيرة و اليوم يبدو أنهم صلوا في ساحات الحرم.
الأكيد أن المقاومة لو تدخلت لكان عملها انتحاريا، بمعنى… لجاءها ردا مزلزلا ليست جاهزة له.
كما أن الدول العربية تساعد الكيان اقتصاديا بشكل علني عن طريق اتفاقيات التجارة الحرة و الغاز و السياحة و غيرهم، مما يزيد قوته قوة، في حين تمنع المساعدة عن الفلسطيني و تضع بعض التضييقات إن استطاعت.
ليس هذا الغريب، لكن الغريب أن الخيانة تحدث علنا في ظل نوم شعوب عربية نوما غير طبيعي، و كأنها قد أخذت حبوبا منومة.
ودائما هناك سؤال يطرحه من يفكر بما يحدث و يتساءل، لماذا لم يستخدم الفلسطينيون قدراتهم السياسية، و أقصد قدرات منظمة التحرير و ما يعرف بدولة فلسطين، في محاولة إيقاف اليهود عند حدهم؟ في المحافل الرسمية الدولية.
وتكملة للسؤال، لماذا لم يستخدم النظام السياسي العربي أيضا قدراتهم السياسية إلا ضد الفلسطينيين؟
بالنسبة لفلسطين، فإن من لا يلاحظ التغير في الشعب أعمى. و لكن في حين أن الشعب أصبح أكثر وعيا بقلة حيلة السياسيين و ربما اضطرارهم للكذب على الشعب، فإن الجيل الحالي و أقصد من هم فوق الأربعين، لا زالوا يفكرون بقوت يومهم و يربطونه بحكومتهم أو العمل عند اليهود أو الهجرة للخارج مفضلين ذلك على البقاء على أرض الرباط، لأنهم لا يريدون تحمل الضغوط بثواب الرباط، أقول: لا زال عند هذا الجيل انفصام شخصية، فهو يكره يهود الاحتلال، و يشرك مع هذا الكره، حب العمل عندهم دون فهمه لما يفعله من خدمة لهم على حساب و طنه و شعبه، و بالطبع يحدث ذلك لانعدام فرص العمل تقريبا في الضفة و القطاع كما يرون هم، رغم أن رزقهم في السماء و ما يوعدون.
إن ما حدث في ذلك اليوم في القدس و باقي الأراضي الفلسطينية مهم جدا للمتابعين من مستشاري القيادات، السياسية خاصة، حيث يتضح أن القيادة السياسية الفلسطينية ليست منتهية الصلاحية بسبب العمر و وجوب الإحالة إلى التقاعد ربما من الحياة السياسية كلها لأنها تعدت سن الشيخوخة بمراحل، و ليس لأنها لم تقم بأي دور فعلي في دعم الشعب في مقاومته الشعبية السلمية، و لكن لأن الشعب من كثرة فشلها و لا غاعليتها و أحينا سلبيتها، همشها و غير مهتم بها وبقراراتها، و لولا إمساكها بملف رواتب الموظفين في الضفة الغربية لتجاهل الجميع التعامل معها، و بالطبع لو كان هناك انتخابات حقيقية للفظ الشعب كل قليلي الحيلة منهم، و لكن لأن أوسلو و كل مابني عليها اتضح إما أنها أكذوبة، أو مقلب، فإن الشعب لا ينتظر من المؤمنين بأوسلو و من لف لفها أي انتخابات حقيقية أو أي خير.
و بينما يقاوم الفلسطيني الاحتلال بشكل يومي نجد دولا عربية توقع معه اتفاقيات بمليارات الدولارات متناسين أصلا أن الغاز الذي يستخرجه الكيان و مثله كل خيرات فلسطين هي أصلا ملك للشعب العربي الفلسطيني و مسروقة منه، بل و للأسف هناك العديد من الاتفاقيات بالمليارات مع الإمارات، و مع المغرب و ربما مع تونس و السودان و عمان. و لو نظرنا إلى هذه الاتفاقيات لاستنتجنا استنتاج واضح للأعمى، أن فلسطين و شعبها خارج اهتمام الأنظمة العربية، فكلهم داعمين مباشرين (من الناحية الاقتصادية) لليهود!
قال رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية في يوم ٥/٣١: إن “إسرائيل” تجاوزت كل الخطوط الحمر في القدس عقب تنظيم عشرات آلاف المستوطنين أول أمس “مسيرة الأعلام” في ذكرى احتلال الجزء الشرقي للمدينة”.
و من غير المعروف إن كان بقي عند السيد اشتية أي خط أحمر آخر احتياط لاستخدامه في الطوارئ، كما أنه لا يوجد حبر أحمر لرسم خط جديد، بالإضافة إلى أنه أصلا من كثرة الرجعة للوراء لا يوجد متسع لرسم خط أحمر جديد، فلا يوجد وسع على الخريطة، فما العمل إذا أيها المسؤول الكبير و لو بالاسم؟
.
ما يحدث محير، سواء اتفاقات الإمارات و الأردن و مصر و المغرب مع اليهود، أو ما تفعله تونس و السودان و تركيا و عمان… شيء عجيب.
.
وضع الأمة سيئ، و لو نظرنا الى رد فعل المسلمين دولا و مؤسسات و شعوب، لرأينا أنها ردود فعل عاطفية على ما يوجهها له الإعلام، ردود فعل ليس لها قيمة. كما كنا رأينا في تبنى الإعلام و على الأخص الجزيرة و إعلام تركيا قضية جمال خاشقجي لمدة تقارب الشهرين بضخ اعلامي شبه متواصل، ثم يأتي الطرفان ليفشلا متابعيهم و ينتهي الموضوع و كأن شيئا لم يكن. و يتم إجهاض تعاطف الشعوب كما كانوا شحنوه.
إن تعاطف العرب مع الشهيدة شيرين أبو عاقلة أقوى من تعاطفهم مع الأقصى أو حتى مع قضية فلسطين، و ذلك لطريقة عرض القضية.
إن أوضاع المسلمين حاليا محيرة جدا. فالقصة ليست فلسطين فقط. و لكن من تركستان الشرقية و حتى غرب أمريكا، هناك معاناة للمسلمين.
أما الضخ و التعاطف الإعلامي فلربما يأتي عندما يكون هناك ممثل أو مطرب مشهور من الإيجور أو الروهينجا، يقتل بطريقة مؤلمة من قبل الصينيين أو البورميين، و يقوم الإعلام بتغطية مقتله على الهواء حتى يتعاطف المسلمون مع مسلمي الصين و ميانمار. و بغير ذلك فالمسلمون نائمون بالبصل و ليس العسل.
المصيبة أن كل شيئ ضدنا الآن بما في ذلك حضارة التكنولوجيا الحديثة التي أثرت بشكل كبير على الأجيال الصاعدة و تربية النشء اليافع في ظل تدهور مستوى التعليم المدرسي و انحدار التعليم الجامعي، فأصبحنا لا نعرف، هل سيكون هناك صحوة إسلامية قريبا بعد أن اكتشفنا أننا منذ ٤٥ سنة نسمع عن صحوة إسلامية، في حقيقة الأمر غير موجودة إلا ببعض المظاهر
و لقد بدأ مع انتشار التكنولوجيا غفوة عميقة ظهر أثرها واضحا في حب المسلمين الشديد للهجرة من ديار الإسلام الى ديار الكفر نتيجة كثرة الضغوط بأنواعها في الوطن العربي و انبهارهم بحضارة دول متقدمة تكنولوجيا و متخلفة على المستوى الإنساني.
و سواء كانت نهاية الكيان المؤقت في العام الحالي أو في عام ٢٠٢٧ أو قبل عيد اختراعه الثمانين، فإن الأكيد أن زواله أصبح حقيقة أكيدة.
و رغم كل ما يقوم به بعض الأشقاء الذين هم شركاء للعدو بشكل مباشر، من اتفاقات تجارية و اقتصادية، مما يصعب على الفلسطينيين عملية المقاومة و بالتالي عملية التحرير، لكن وعد الله آت مهما خالفنا و تآمر علينا بعض الأشقاء العرب.

و كما جاء في الحديث النبوي، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: “لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله و هم كذلك، قالوا يارسول الله، و أين هم؟ قال: ببيت المقدس و أكناف بيت المقدس”.

و بذكاء قادة المقاومة تحقق قول الله تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ} .

* كاتب فلسطيني

Exit mobile version