اليمن الحر الأخباري

تحالف الجهل والحقد

فؤاد البطاينة*
تحالف الجهل مع الحقد يستقطب النفاق ويُنجب الإرهاب الذي تمر نتائجه وتفشل أهدافه، هذا هو قدر أصحاب الحق والحقيقة عندما تدمغان الباطل والترهات وهم منزوعي قوة الدفاع عن النفس، كحالتنا العربية، والإسلامية لحد كبير. فبعد أن نالوا من العرب بقانون القوة الغاشمة، وضعوا بينهم وبين المسلمين حجاب وتعرض الإسلام لحملات تشوبه استخدمت فيها كل الإمكانيات العنيفة الضخمة وكل وسائل العصر الذكية الممأسسة والمبرمجة، ولم يكتب لها النجاح، ولدى فشل كل حملة تقف عقولهم عاجزة فيتبعها فلتان أعصابهم بسوقية الكلام، وصولاً لمخاضهم الفاشل في مؤامرة الإحتواء الإبراهيمي..
فالإسلام يحمل بداخله وبمضمونه أسباب تحصينه وحمايته ورسوخه، وسلامة وضعه ليست مرتبطة بسلامة وضع أتباعه بل العكس هو الصحيح. إنه دين قِيم. بسم الله الرحمن الرحيم، ( قل اني هداني ربي الى صراط مستقيم ديناً قِيماً). إلا أن هؤلاء الأتباع من العرب وبقية الشعوب يخضعون كغيرهم لقوانين الطبيعة والبقاء، والقوة على رأسها ومتاحة لمن يسعى إليها، وليس مع الخيانة إلّا الضعف والهوان
ولذلك فإن شعوبنا ودولنا وأوطاننا بمتعلقاتها المادية والروحية هي التي تتعرض للخطر وتعيش تفاصيله وتنتظر مآلاته وهي ترزح مع حكامها في حالة ارتماء وعجز وإذلال، بينما الإسلام يزداد شموخاً مع كل هجمة عليه. وحالتنا هذه هي السبب الذي يجعل الذين خارج معادلة الصراع يتخذون من الإساءة للإسلام بهابط الكلام تجارة تسول ونفاق للسيد الصهيو- أمريكي. كما أنها التي تفتح ساحة حرة لتفريغ الجهل والحقد.. إنها حرب الثقافات التي مكونها الأساسي هو الدين، نشأت على خلفية استعمارية بدعوى مواجهة التخوف من عوامل التجانس الإثني واللغوي والمعتقدي والتاربخي للعرب حين توحدهم هذه العوامل في وطن هو الأعمق استراتيجياً.
لقد نال الإستعمار الغربي منا منذ اللحظة التي أوهمنا فيها باستقلالنا وعشنا حالة الوهم بمجرد أن جزّأ وطننا ورسم لنا حدوداً لأقطار في داخله ونصّب علينا حكاماً منا وسمح لنا بأناشيد وطنية وأعلام، وأدخلنا في عضوية الأمم المتحدة كدول مستقلة لتكتمل المؤامرة. حكامنا يعرفون هذه الحقيقة المرة التي هم جزء منها، بشعوب ما زالت واهمة يروق لها أن تحسب دولها مستقلة وتنأى بتفكيرها عن سبب انفصال حكامها عنها وعن إرادتها ومصالحها وعن حماية أوطانها ومعتقدها وتجييرهم كل هذا للعدو. بينما النخب التي تعلم بالحقيقة أيضاً أوصلها العجز لتصبح جزءا من اللعبة لا سيما حين تتكلم عن التحول الديمقراطي والإصلاح والنماء في أقطار مستعمرة بحكام وكلاء أو راضخين للمستعمر الأمريكي.
فخيانة الأعراب من حكام أخر الزمان لا تعدلها خيانة ولا سابقة. حاربوا تركيا لا نصرة للعروبة وإنما لإخضاع بلادنا لاستعمار جديد بأثمان يقبضونها، وحولوا بلاد العرب الى مستعمرات بكل خصائصها، واقتطعوا فلسطين لتكون عاصمة للمستعمرين والمستعمرات. واليوم يضعون هذه المستعمرات تحت تصرف الكيان الصهيوني المحتل ضد إيران لأنها تتمسك بالشرف الإسلامي وتعادي هذا الكيان. أي كفر هذا وأي عار يُلحقونه بأمة العرب وأمة الإسلام. ليس من عربي ولا مسلم اليوم لا يتمنى لو أنه مات قبل أن يرى مشهداً فيه حكام العرب يعلنون تبعيتهم للصهيوني ويحاربون تحت لوائه دولة اسلامية رافضة لاستعمار الغرب ولاحتلال فلسطين درة الأوطان والمقدسات. وبعد نجد من بينا من ينكر بأننا في مستعمرات وبأن أنظمتها هي وراء احتلال فلسطين ووراء دعم وبقاء الاحتلال. ألا بئست الشعوب التي تسكت على اختطاف إرادتها
نعود للسياق، فالقيم مصطلح جمعي يمثل الركيزة لمفهوم الأمة ويخص المجتمعات والشعوب. فهي مُلك لها غير قابلة للتصرف، وليست ملكاً للحكام أو الأفراد. والحاكم أو المسؤول في الدول المستقلة الذي يخرج على القيم أو لا يحميها يفقد شرعيته. بينما التوصيف في حالة الإحتلال أو الإستعمار الذي تعاني شعوبنا من صوره مختلفاً، إذ تكون فيه القيم محل غزو وحرب ولا مكان فيه لحكام شرعيين ولا وطنيين، ولا يقابله إلّا ثورة تحرير. فالحملات على قيمنا وثقافتنا الأصيلة التي قوامها العقيدة الحنيفة لن تتوقف بل ستتنامى، ولن نتمكن من إيقافها ما دمنا في حالة استعمار نشارك في التغطية عليها بشتى السلوكيات. فلا مشروع لشعوبنا قبل انجاز مشروع التحرير، والتحرير لا يبدأ إلا في مكان استعمارنا الذي اتخذ من فلسطين عاصمته ومركز عملياته حتى تمدد لعواصم العرب وزرع فيها أدواته.
وبهذا، فإن المنظومة الحزبية الشعبية في معظم بلادنا لا تقتصر سلبية وجودها على عبثية الهدف الوطني وعبثية تحقيق الفكرة الحزبية. بل على ما يقف خلف وجودها وعملها كأحزاب مرجعيتها هي المنظومة القانونية للأنظمة السياسية الحاكمة التي مرجعيتها القانونية هي المُستعمر ومصالحه. ويحضرني الشبه بمثال صنع المُستعمر البريطاني للجامعة العربية ودورها حتى انتهت الى جامعة عبرية بعد أن استوعبت حركة الشعوب العربية واستُخدمت لمواجهة الدول العربية لبعضها والتنافس على مصالحها الخاصة والقضاء على المشاعر والمشروع القوميين وشرعنة المشروع الصهيوني والإحتلال.
بل امتد التشابه بين الجامعة كمنظومة رسمية وأحزابنا كمنظومة شعبية من السيرة والأهداف إلى النتائج والمصير لكليهما. فكما طُحنت أنظمة وطنية رافضة ودولها، فستطحن الأخرى وتطحن أحزاب والبسملة ستبدأ في بلدي بحزب الشراكة والإنقاذ مما يستدعي أكثر من التفاف الأحرار حوله. فالحكمة تقتضي أن تتنبه الأحزاب الوطنية التي تحت مسمى المعارضة وتلحق بسيرورة الأحداث وتستبق النتائج بنتائج مغايرة بدءا بوقفها لعبة التحالف مع الأنظمة وخاصة ضد حزب منها مهما كانت طبيعة الإختلاف معه. وأخر مثال نتذكر أحزاب تونس حين ساندت نظامها أو دكتاتورها ضد حزب الإخوان لأسبابها دون حساب دقيق، وكيف جاءها الدور سريعاً كما جاء على مجمل الدولة ومصالحها.
فالأحزاب في بلادنا تعمل ضمن البيئة القانونية والسياسية القائمة مما يعني أن بقاءها مرتهن بخدمتها للمراحل السياسية التي تمر بها الأنظمة. ولذا عليها أن تدرك متطلبات هذه المرحلة المتقدمة التي تضعها بين خيارات أشرفها التصفية وخاصة في الأردن. ومن هنا فأمام أحزبنا الوطنية خيارها البديل في أن تجمد كل برامجها التي لا مكان ولا زمان لها في مستعمرات، وتجنح في أقطارها لتشكيل عمل سياسي وطني واحد لا يعرف الإقصاء في مواجهة الحالة الإستعمارية وأدواتها المحلية وصولا للإستقلال الحقيقي.
*كاتب وباحث عربي

Exit mobile version