د/ساعود جمال ساعود*
يبدو مثيراً للغرابة ما يصدر من تصريحات متناقضة بحاجة إلى تفسير من قبيل ما قاله المتحدث باسم الخارجية الأميركية: “إن واشنطن لا تزال ترى أن العودة المتبادلة للاتفاق النووي تصب في مصلحة أمنها القومي”. الأمر الذي يفترض التسريع في الاتفاق النووي، رغم أن انهيار الاتفاق كان وقتئذ بسبب انسحابها منه في عام 2018م، وفقاً لتقديراتها الخاصّة التي يأتي مصالح وأمن حلفائها في مقدمتها لا سيما “اسرائيل” التي تربط اليوم أمنها واستمرارها بتأمين نفسها من إيران، وبالطبع الكلام الأمريكي نوع من المراوغة السياسة لعدة أسباب أبرزها أن رفع العقوبات يتناقض مع سياستها لتقويض تقدّم وتطوّر إيران التي ترى بها إزعاجاً لها عبر سلسلة تحالفاتها وتهديداً لحلفائها.
ما يزال الموقف الاسرائيلي من إيران والقضايا المتعلقة بها لا سيما الملف النووي يعكس أمرين محوريين: توتر وتخوّف الاسرائيلي من القوة والنشاط الايرانيين، مما يجعلها على قائمة أهدافه ، والثاني أن الهاجس الوحيد لإسرائيل وجودها وتأمين استمرارها ومقتضياته بأنواعها كافة، وعلى شتى المستويات من كل ما تعتبره مهددات، وهذين الأمرين تثبتهما الأحداث الجارية على السياق الإقليمي على الصعيد الإيراني – الإسرائيلي.
إنّ هذين الأمرين لهما الكثير من الاعتبارات المنطقية التي تثبتهما ومنها أن دخول إيران باتفاق نووي، وتقييد نشاطها النووي يزيل المخاوف الأمنية “لإسرائيل” من عسكرة الملف النووي وبالتالي تنعم بالهدوء في ظل أمرين: دعم دولي مطلق ، و تطبيع إقليمي واسع مع إسرائيل. ولكن تخوفها من إيران يأخذ بها إلى القول بنشاطات نووية سرية وعسكرية ومستهدفة لإسرائيل بالنظر إلى العقيدة الإيديولوجية لإيران ضد إعدائها، وقياساً بأماكن تواجدها خصوصاً في الدول القريبة من “إسرائيل”.
وبالفعل صناعة تدوير المخاوف الأمنية المتطورة لحد الاتهام، عادت للظهور مع تنديد الوكالة الدولية للطاقة الذرية – في تقرير حديث لها- بغياب “ردود مرضية” من إيران بشأن وجود مواد نووية في ثلاثة مواقع غير معلنة في البلاد؛ الأمر الذي دفعهم لوضع مشروع قرار مع الأوروبيين لعرضه على مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، هذا ما يتم تسويغه اسرائيلياً بأن المفاعلات المخفية معدة للصناعات العسكرية، فمن الطبيعي أن يجن جنون اسرائيل وتظهر سياساتها على لسان قادتها، لتنكشف خططها المستقبلية حيال إيران.
إنّ تخوّف “اسرائيل” من إيران وتشكيكهم بنشاطاتها النووية سواء بسريتها أو بعسكرتها على المستوى الخاص أو تحقيق إيران لأي تطّور أو تقدّم اقتصادي أو تكنولوجي أو .. من جهة أخرى من قبيل رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران سيدفعها لعرقلة أي خطوة إيجابية تصب لصالح إيران، والواضح الجلي للعيان أن إسرائيل لا تثق بإيران بالمطلق ولديها تخوفات منها هذا الأمر قد يفسر قيامها بتصرفات جدّية أو استفزازية وسرية أو علنية من قبيل ما صرّح به مسؤولين اسرائيليين:
الشاهد الأول: قول وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لبيد: في حالة إبرام صفقة بين القوى الغربية وإيران، فلن تنطبق على “إسرائيل”. وهذا ما يفسر سعيها لتصفية العلماء والخبراء العاملين في المجال النووي.
الشاهد الثاني: قول وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لبيد:” إنّ بلاده ستفعل كل ما هو ضروري لعدم السماح لإيران بأن تكون دولة نووية”. وهنا يا ترى ماذا بوسعها أن تفعل؟ ماذا لديها احتمالات؟:
أولاً: الإعاقة البنيوية اللوجستية المتعلقة بالمواد والعناصر البشرية الفاعلة من قبيل تصفيتها واغتيالها.
ثانياً: التضييق عبر حلفائها بالمنظمات الدولية. وفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية التي تقلب الرأي العام ضدها وتجعلها تفكر بالأساسيات على حساب التطوير العسكري.
ثالثاً: ضربة عسكرية وتصفيات أمنية لعلماء وخبراء، واستخدام وكالة الطاقة الذرية كأداة لاختراق إيران استخباراتياً.
رابعاً: الضغط الصهيوني على الامريكان للتحرك بهذا الاتجاه.
الشاهد الثالث: قول وزير الخارجية الإسرائيلي: “إذا جلبت إيران الحرب إلى عتبة إسرائيل، فستأتي الحرب إلى عتبة إيران أيضاً”. هذا اشارة إلى:
1- الاسطول الخامس في الخليج الفارسي.
2- استخدام حركة طالبان ضد إيران.
3- إحداث قلاقل داخلية خصوصاً اقليم عربستان (الأهواز) والأقليات والمعارضة الداخلية.
4- استغلال الوجود الاسرائيلي في أربيل العراق الذي قصفته إيران منذ بضعه أشهر لتدمير مركز للموساد الاسرائيلي.
5- استغلال المعرضين لإيران في العراق. وتبقى تركيا وبحر قزوين خواصر لإيران يمكن استغلالها.
الشاهد الرابع: قول رئيس الحكومة بينيت: الذي التقى المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي : ” إن إسرائيل تحتفظ بحقها بالدفاع عن النفس، والعمل ضد إيران من أجل كبح برنامجها النووي في حال أخفق المجتمع الدولي في إطار التوقيت الزمني ذي الصلة”. وهذا تصريح ودليل بالوقت ذاته على التحركات الاسرائيلية المؤكدة لعرقلة أي تسوية للاتفاق النووي الإيراني بالشاكلة التي تخدم إيران، وتبقى المسألة مسألة ثقة ومصداقية والأدلة كثيرة حول إثبات حسن النوايا الإيرانية على الرغم من حقها للحفاظ على أمنها وسيادتها واستقرارها ومصالحها القريبة والبعيدة الآمد.
ففي سياق إثبات حسن النوايا والجدية الإيرانية فقد صرّح وزير الخارجية الإيراني أمير عبد اللهيان: “أن تحقيق الاتفاق بشأن ملف إيران النووي في فيينا ممكن إذا التزم الجميع بالواقعية والدبلوماسية بدل التهديد”. وللأسف صيغة التهديد والوعيد ظاهرة أو مبطنة علاوة على الملفات التي ما تزال عالقة في فينا.
وبالوقت ذاته أكد الطرف الإيراني استعداده لكافة الاحتمالات والاستفزازات المحتملة في حال صدورها، حيث بلغ وزير الخارجية الإيراني المفوض الأوروبي: “أن أي خطوة سياسية أميركية أوروبية في وكالة الطاقة الذرية ستواجه برد إيراني ملائم ومؤثر وعاجل”.
ولعل هذا ما يثير الحديث عن الموضوع المطروع اعلامياً وسياسياً وعسكرياً منذ سنوات ألا وهو مواجهه عسكرية بين إيران واسرائيل، ولعل هذا الاحتمال هو ما دفع باقري في لقاء مع قناة “إن بي كي” (NPK) النرويجية في جواب عن سؤال بشأن رد إيران على أي هجوم إسرائيلي محتمل، أنه “إذا رأى الصهاينة مثل هذا الحلم فلن يستيقظوا منه أبدا”، وفق تعبيره.
وهنا نصل لموضوع الحرب بين الطرفين: هل هي بالأمر الهين؟ ألا يوجد تكافؤ بين القوتين؟ ما نطاق هذه الحرب وما أهدافها؟ إنّ هذه الاسئلة هي مواضيع واسعه تحتاج لدقة وتوسع في البحث، حيث يمكن القول أن إيران قوة إقليمية مرعبة وإن كانت اسرائيل كذلك الأمر، لذلك قيام حرب أمر خطير ومدمر وله نتائج كارثية في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية الراهبة سيما الحرب الروسية مع وكلاء الناتو على أوكرانيا، والحل لا يكون إلا بمفاوضات مباشرة أو غير مباشرة بين الطرفين الاسرائيلي لتقديم الضمانات اللازمة بإزالة المخاوف الإسرائيلية من الإيرانيين لأنها تشعر بوجودها واستمرارها مهددين في ظل وجود إيران ووجودها وتسليحها، وأجزم بأن أخذ المفاوضات بين إيران واسرائيل بعين الاستهزاء والاستهتار سيقود مستقبلاً لمزيد من الاحتكاك والمناوشات والاصطدام بين الطرفين ولن تزاد العلاقة السياسية الدولية إلا تشابكاً وتعقيداً، حيث ستكون الحرب بين إيران واسرائيل قدر حتمي باعتقادي سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ولكن يمكن تجنبها إلا بما أسلفت مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة وهذا ما تمنع حدوثه الكثير من العوائق، والأمر مستقبلاً متروك لتقديرات الموقف من قبل القادة من جهة وتبعاً للمتغيرات الإقليمية والدولية.
*كاتب واكاديمي سوري
السبيل الوحيد لتجنّب الحرب بين إيران و”اسرائيل”
