اليمن الحر الأخباري

ليس هناك أسوأ من فقدان الوطن

اسيا العتروس*
مع أن الظاهرة سابقة بكثير فإن المجتمع الدولي يصر ومنذ أكثر من عقدين على إحياء اليوم العالمي للاجئ في العشرين من جوان، موعد يحرص معه صناع القرار أيضا على استعراض ما تضمنته المواثيق الدولية والاتفاقات بشأن حق اللاجئين والمهجرين في الأمان والاستقرار والحياة حيثما تدفع بهم الظروف والأزمات والماسي.. وربما نسي الجميع في غمرة الاحتفالات البروتوكولية حقيقة مؤلمة وهي أن اللاجئ الذي غالبا ما يتحول الى مجرد رقم في سجلات المنظمات الدولية والإنسانية في اغلب الحالات لا يختار اللجوء عن طيب خاطر ولكنه يدفع إليه دفعا بسبب الفقر او الجوع او الحرب أو الظلم أو الاستبداد أو القهر وكلها أسباب إذا تجاوزت طاقة البشر على الاحتمال فإنها تتحول الى سبب مشروع للبحث عن موطئ امن للجوء.. وربما غاب أيضا عن صناع القرار أن كل من على الأرض لاجئ مع تأجيل التنفيذ وان الأسباب التي قد تدفع بالفرد الى اللجوء ليست قسرا على قُطر أو منطقة أو بلد دون غيره لا سيما عندما يتعلق الأمر بالكوارث الطبيعية والجوائح التي لا يبقى معها منفذا أو ملجأ غير اللجوء..
بالتزامن مع اليوم العالمي للاجئ تتكرر التهديدات التي دأبنا على سماعها من أكثر من جهة بترحيل السوريين وإعادتهم الى وطنهم وقد هددت السلطات التركية بدل المرة مرات بترحيل السوريين من أراضيها كما تفننت تركيا في استثمار ورقة اللاجئين السوريين لمساومة الأطراف الأوروبية وكسب اكبر نسبة ممكنة من المساعدات المالية من الاتحاد الأوروبي وهددت في مناسبات كثيرة بفتح حدوها أمام اللاجئين حتى يتمكنوا من الوصول الى الدول الأوروبية وتحولت معاناة السوريين الى ورقة ابتزاز في عديد الملفات الراكدة بين تركيا وأوروبا التي ليست بمنأى عن المسؤولية في أزمة اللاجئين العابرة للحدود سواء تعلق الأمر باللاجئين الفلسطينيين والمعاناة المنسية لأكثر من عشرة ملايين لاجئ في المخيمات والملاجئ المكتظة التي تفتقر لأبسط مقومات كرامة الإنسان منذ أكثر من سبعة عقود مرورا بكل أزمات اللاجئين الأفارقة وصولا الى ملف اللاجئين السوريين العالقين منذ نحو عقد من الزمن بعد الخراب والدمار الذي طال سوريا.. نقول هذا الكلام لان مشهد اللجوء في سوريا عاشه ويعيشه الفلسطينيون والعراقيون واليمنيون وقبل ذلك اللبنانيون وربما وجب الاعتراف أن أزمة اللاجئين ما كان لها أن تتواصل وتتعقد لو توفرت الإرادة المطلوبة وحضر الوعي السياسي وغابت الحسابات الضيقة والأحقاد والإصرار على تدمير الآخر ولو اتسمت مواقف الدول العربية ببعض من الحكمة والقدرة على استباق المخاطر واتجهت نحو منع الخيارات العسكرية والحروب والصراعات الدموية وتم تجنيب الشعوب والأوطان مشاعر المذلة والمهانة والوقوف في الطوابير في انتظار رغيف أو مشروب يسد الرمق.
بالتزامن مع إحياء العالم اليوم العالمي للاجئ هدد رئيس حكومة تصريف الأعمال في لبنان نجيب ميقاتي بإعادة اللاجئين السوريين إذا لم يتعاون المجتمع الدولي مع بلاده في تأمين عودتهم إلى سوريا ..نفهم جيدا أزمة لبنان الغارق في أتون معارك لا تنتهي مع تعقيدات المشهد السياسي والاجتماعي وتفاقم مؤشرات الإفلاس والانهيار وندرك أيضا ثقل وتداعيات ملف اللاجئين من الجانبين الفلسطيني والسوري وأحيانا العراقي على لبنان الذي يدفع ثمن أزمات المنطقة والصراعات الجيواستراتيجة المفروضة عليه بسبب الوجود الإسرائيلي والاحتلال الإسرائيلي لمناطق في جنوب لبنان ولكن وهنا مربط الفرس ندرك جيدا أن ميقاتي جانب الصواب ولم يسعفه لسانه بهذا التصريح المشين في مثل هذا التوقيت..
قد يكون ميقاتي استنفد كل الطرق ولم يعد أمامه غير التهديد بترحيل السوريين وإعادتهم الى وطنهم قسرا متناسيا أن الدولة اللبنانية كانت التزمت مبدأ عدم الإعادة القسرية للنازحين.
ليس من الواضح ما ستؤول إليه تهديدات ميقاتي ورسائله الموجهة بالدرجة الأولى الى دول الاتحاد الأوروبي والمنظمات الأممية المنشغلة بالدرجة الأولى باللاجئين في أوكرانيا وتداعيات الحرب الروسية في هذا البلد وربما لا تجدي ورقة المساومة هذه المرة مع الغرب الذي لا يظل أشد رأفة ورحمة بمواطنيه في أوروبا بشرقها وغربها …
طبعا ليس هناك أقسى على الإنسان من فقدان الوطن وفقدان البيت وفقدان الأرض عنوان هويته وانتمائه وجذوره لأي سبب كان، وسيقول كل من وجد له خارج موطنه ملجأ انه لا بديل عن الوطن الأم ولا شيء يمكن أن يعوضه.. وفي انتظار زوال الغمة يبقى لكل لاجئ مهما كانت هويته أو عقيدته أو لغته أو لونه حكاية مع المعاناة المستمرة والحرمان من الأمان والاستقرار تتناقلها الأجيال عن حجم الظلم الذي يمكن لأي لاجئ بلا وطن أن يعيشه ..
*كاتبة تونسية

Exit mobile version