د.طارق ليساوي*
وعدت في مقال سابق بشرح وجهة نظري من زيارة بايدن للسعودية بعد حالة جفاء يصعب تجاهلها، و ربط هذه الزيارة ب لعبة الشطرنج الدولية و التي مسرحها العديد من مناطق العالم بما فيها المنطقة العربية، فمن خلال تحليل المعطيات منذ تفشي وباء كورونا إلى حدود اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية ، بدأ العالم يعود بالتدريج إلى أدبيات الحرب الباردة و الانقسام بين معسكرين متنافسين، خاصة بعد نجاح روسيا في الصمود أمام العقوبات الاقتصادية الغربية و قدرتها على خلق بدائل لحماية اقتصادها الوطني و ضمان صلابة الجبهة الداخلية، و من خلال هذا الإنجاز الروسي الذي تحقق بالقوة الصلبة بدرجة أولى و بالتخطيط الجيد ثانيا..حسنت روسيا من وضعها التفاوضي، و ضمنت لنفسها مكاسب جيواستراتيجية على المدى القريب و المتوسط، و هنا ينبغي حقا رفع القبة للقيادة الروسية رغم معارضتي لها و إدانتي لتدخلها الوحشي و الهمجي في حق الشعب السوري ، لكن هذه الإشادة مصدرها التفاني في الدفاع عن مصالح الوطن و حدوده و أمنه و مجاله الحيوي، و هو الأمر الذي نفتقده في معظم البلدان العربية الفاقدة للسيادة و الغير قادرة على تقرير مصيرها و التحكم في مقدراتها و قراءة المتغيرات الدولية و إقتناص الفرص التي تتيحها حالة التنافس بين القوى العظمى …
و قد صل الرئيس الأمريكي جو بايدن، يوم 13-07-2022 الى إسرائيل (فلسطين المحتلة) في مستهل جولة من ثلاث محطات تشمل أيضا فلسطين والسعودية…وهذه هي الزيارة الشرق الأوسطية الأولى لبايدن كرئيس، وتستمر حتى السابع عشر من يوليو/تموز الجاري…ويعقد بايدن العديد من الاجتماعات ويشارك بعدة فعاليات، ولكن الأنظار موجهة إلى السعودية حيث سيطرح رؤيته للشرق الأوسط…وقد صرح جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي الأمريكي، في ايجاز للصحفيين في واشنطن، الثلاثاء الماضي: “في المملكة العربية السعودية، سيلتقي الرئيس بالقيادة السعودية بهدف تعزيز شراكتنا، كما سيعقد اجتماعات ثنائية مع عدد من قادة الشرق الأوسط الآخرين، قبل اختتام الرحلة بقمة مع دول مجلس التعاون الخليجي+3”.
والواقع ان هذه الزيارة تذكرني بزيارة سابقة للرئيس “ترامب” للسعودية، و رفع يافتات “مرحبا بك يا “ترامب” في بلاد الحرمين الشريفين”، عندما استقبلت المملكة السعودية رئيس عنصري، توج فترة حكمه بإصدار قرار عنصري ضد مسلمي سبع بلدان إسلامية، و كم تلفظ بكلام جارح و مهين و بخاصة في حق حكام السعودية والخليج واصفا إياهم بأنهم لا يفقهون شيئا، سوى أنهم يملكون خزائن مكدسة بالمال..
كانت عين ترامب على خزائن الخليج و اليوم أيضا بايدن عينه على الخزائن و الرقاب، فالإدارة الأمريكية الحالية تحاول حشد بلدان الخليج في صفها لمواجهة الخطر الصيني الداهم، و هذه الزيارة لا يمكن فصلها عن مخرجات الصراع الروسي الأوكراني في قلب أروبا ، و التنافس المحموم بين الصين و الولايات المتحدة و حلفاءها ببحر الصين الجنوبي و منطقة جنوب شرق أسيا ، فالولايات المتحدة تحاول خلق حالة من التوتر و الفزع، بغرض تحقيق مكاسب اقتصادية من البلدان المجاورة لمناطق التوتر، و إذا كانت سياستها فعالة في استنزاف موارد و مقدرات منطقة الشرق الأوسط، نتيجة لضعف الأنظمة العربية و خضوعها التام للإرادة الأجنبية وعجزها المطلق عن تحقيق أي انجاز عسكري آو تنموي يحقق لها قدرا من الشرعية لدى شعوبها ، فإنه على العكس من ذلك فمنطقة جنوب شرق آسيا تشهد تصاعدا مثيرا لأنظمة سياسية فعالة و قادرة على مواجهة سياسات الابتزاز و حتى في أوربا رأينا تغليب المصالح الوطنية على الانجرار اللامشروط وراء السياسات الامريكية …
للأسف، من عادة الحكام العرب الجري ضد تيار مصالح شعوبهم و أمتهم، فعلها العرب مع “بوش الابن”، و كانت النتيجة تدمير العراق و تشريد شعبه، و تقوية إيران وحلفاءها، كرروا نفس الخطأ مع ترامب و انخرطوا في أجندة التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي سيمثل أكبر تهديد لشعوب و مقدرات و أمن الإقليم ، وهاهم اليوم يكررون نفس الخطأ مع إدارة بايدن و يعتقدون أن تحالفهم مع هذا الرجل سيخدم مصالحهم.. والواقع أنهم واهمون و يموقعون أنفسهم في المكان الخطأ..
مصالح السعودية وغيرها من بلدان الخليج هو خلق بيئة سلمية على امتداد الإقليم العربي و الإسلامي، مصلحة السعودية وغيرها في تعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي مع باقي البلدان العربية والإسلامية و مكافحة الفقر و التهميش، بدلا من إنفاق ملايير الدولارات من أموال هذه الشعوب المغلوب على أمرها ، من أجل تكديس أسلحة ، نعلم جميعا أنها لن تحقق الأمن للسعودية أو لغيرها. .مصلحة السعودية دعم المقاومة الفلسطينية و حماية مسرى رسول الله عليه السلام، مصلحة السعودية تقوية الجبهة العربية الإسلامية …
للأسفـ ، الحكام العرب مصابون بعمى يجعلهم لا يبصرون الوقائع و الأحداث، و لا يبصرون إلا أنفسهم ولا يسمعون إلا صوتهم، و هذا من ثمرات الاستبداد والفرعونية السياسية التي حكمت الشعوب العربية منذ مطلع القرن 20الى اليوم، هناك غياب تام لمفهوم المحاسبة والتقييم، فبدلا من السعي وراء منطق العسكرة و سفك الدماء و إهلاك الحرث والنسل، ألا يصح لحكام السعودية وحلفاءها، أن يقيموا انجازاتهم في اليمن و ما الذي تحقق بعد سنوات من دعم الثورات المضادة و كسر إرادة الشعوب و إعادة أنظمة فاسدة ..؟
إن الحق يعلو و لا يعلى عليه، فلو كانت القوة العسكرية قادرة على تحقيق المكاسب و الانتصارات النهائية ، لما تمكن الشعب الجزائري المقهور من طرد فرنسا من أراضيه بعد قرن من الاستيطان وهي القوة العظمى، ولما تمكن الشعب الفيتنامي من الانتصار على الغزو الأمريكي وهي القوة التي تحمي حكام الخليج ..
التحدي الحقيقي الذي يواجه السعودية وحلفاءها من الخليج والعالم العربي، هو الاعتراف بالواقع البئيس الذي تمر به المنطقة، وان هذا الواقع هو نتاج للاستبداد وتغييب إرادة الشعوب، ومن تمت التخلي عن شعارات الحرب الطائفية و البحث عن القواسم المشتركة بين الشعوب و الدول و ما أكثرها .. ومحاولة مواجهة إيران بالسلاح هو أمر مجانب للصواب ، فمواجهة إيران يكون بتغليب منطق الوحدة و الحوار مع الجار الإيراني، و تعزيز التعاون العربي –عربي و العربي – إسلامي، وبدلا من إنفاق الملايير في تكديس الأسلحة وطلب الحماية الأمريكية، نتمنى تفعيل التعاون الإقليمي و احترام قواعد الجوار، و الاستفادة من الدرس الكوري الجنوبي و الياباني الذي فضل منطق التقارب مع الجار الكوري الشمالي، بدل الخضوع للنزعة العسكرية الأمريكية..إن السعودية بما لها من قوة صلبة وناعمة، تستطيع أن تقود العالم العربي و الإسلامي، إن أعلت مصلحة شعبها و أمتها، بدلا من تدمير نفسها بتحالف كاذب مع إدارة سوف لن تتردد في ابتزاز بلاد الحرمين..و سأحاول في مقال موالي إن شاء الله توضيح ذلك تفاديا للإطالة .. و الله غالب على امره ولكن اكثر الناس لا يعلمون…
*إعلامي و أكاديمي متخصص في الإقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة…
لماذا لا يتعلم الحكّام العرب من أخطائهم؟!
