اليمن الحر الأخباري

الوزيرة البحرينية والموقف العروبي المشرّف

مهدي مبارك عبد الله*
معالي الشيخة مي بنت محمد ال خليفة سيدة بحرينية منحدرة من العائلة الحاكمة حميدة الخصال وواثقة وصلبة نفتخر ونعتز بمواقفها المشرفة ظلت في كل المواقع التي شغلتها والأزمات التي عايشتها منسجمة مع نفسها وقناعاتها وواقعية وعادلة لا تحب التدليس والمجاملات ولا النفاق والتخدير او شعارات التمويه والتعمية سعت بكل جد ومثابرة لإظهار بلدها مملكة البحرين على خريطة العالم بأجمل صورها الثقافية والتراثية وهي حاصلة على درجة الماجستير في التاريخ السياسي من جامعة شيفلد في المملكة المتحدة.
الوزيرة ال خليفة من أوائل الشخصيات النسوية الوطنية والحرة ذات المواقف المشهودة في مملكة البحرين التي رفضت النكوص واقتربت من الحق والحقيقة والواقع والصحيح تعتز كثيرا بعروبتها ( العروبة عندها مذهب ) وتراثها الحضاري الإسلامي حيث كانت على الدوام ترفض كل ما يجري من احتلال وعدوان على فلسطين وقضيتها وشعبها وتقف منافحة ضد شرعنة الوجود الصهيوني على ارضها المغتصبة بالاعتراف المتبادل وتطبيع العلاقات لان في ذلك اختراق للأمة في ثقافتها وقيمها واقتصادها وإعطاء الاحتلال غطاء رسمي شرعي لمواصلة الغطرسة والاجرام وهي بهذا الموقف الشجاع تعبر عن السواد الأعظم من أهل البحرين الشعب الوطني العروبي الأصيل المتمسك بفلسطين والرافض للتطبيع المجاني ودمج الاحتلال في المنطقة.
نشأت وتربت في حياتها وتأسس ووعيها وفكرها في بيت قومي الهوية يؤمن بدعم ومؤازرة القضية الفلسطينية العادلة وينادي بحمايتها من الاستعراض والمزايدات والمتاجرة في وقت يتنكر معظم العالم لمظالم الشعب الفلسطيني المستمرة وتضحياته المتواصلة والتفريط بحقوقه التاريخية في أرضه وحق تقرير مصيره مقابل مكافئة كيان الاحتلال والعنصرية بقبول سيطرته الكاملة على أرض فلسطين والاعتراف بالقدس عاصمة لدولته اليهودية المزعومة التي تمهد للمساس بالمسجد الأقصى وتهويده.
الحياة عندها تعني وقفة عز وكرامة ولحظة صدق وشهامة وصدق في حجمها أكبر من المنصب والجاه والنفوذ ولن تغير قناعاتها وعقيدتها الراسخة اتجاه القضية الفلسطينية ورفض التعاطي كليا مع كيان الاحتلال واعتبار التطبيع خيانة للدين والوطن والضمير والشرف والانتماء حيث شكلت بمواقفها هذه نموذج حي ومشرف للماجدات البحرينيان والعربيات اللواتي أعلن مرارا وتكرارا مساندتهن للقضية الفلسطينية في مواجهة موجة التطبيع المستشرية في المنطقة في هذا الزمن الصعب الذي تضيق فيه حريات التعبير والرأي وتفتح على مصارعها أبواب السجون و المعتقلات.
إقالتها المفاجئة يوم الخميس الماضي 21 تموز الجاري من منصبها في رئاسة هيئة البحرين للثقافة والآثار صدرت اثناء جولتها الخارجية في دول البلقان والبانيا وبدون التطرق صراحة إلى حيثيات القرار وقد جاءت بعد أيام قليلة من رفضها للتطبيع مع إسرائيل الذي عبرت عنه برفضها مصافحة السفير الإسرائيلي لدى المنامة إيتان نائيه في مجلس عزاء خاص أقامه السفير الأميركي ستيفن بوندي في منزله في العاصمة البحرينية بمناسبة وفاة والده خرجت على اثر ذلك من منزل السفير الامريكي وطلبت من السفارة الاميركية عدم نشر اي صورة لها في مجلس العزاء ( تخيلوا كيف أصبح من يعارض التطبيع متهم لا مكان للشرفاء الاحرار في بلادهم).
الكيان الإسرائيلي سبق له دعم ترشح الوزيرة مي لمنصب الأمين العام لمنظمة السياحة العالمية 2021 رغم أنها رفضت لقاء أي من المسؤولين الإسرائيليين الذين زاروا البحرين منذ بدء خطوات التطبيع على خلاف الوزارات والهيئات الأخرى لاتها كانت ترى ان التطبيع والتحالف مع الصهاينة خيانة للدين والوطن والضمير وان رفضه مزروع في جينات العرب والمسلمين.
خلال عمل الشيخة مي ال خليفة في الإعلام والثقافة لأكثر من 20 سنة صنفت كشخصية رائدة في المشهد الثقافي والفني العربي حيث تعمل مجال الثقافة والفنون والتنمية المستدامة حيث تم تصنيفها عام 2005 ضمن النساء الخمسين الأكثر تأثيراً في العالم العربي من قبل مجلة فوربس كما قامت بإنجازات كبيرة في مجال الثقافة حيث حافظت على البيوت التراثية القديمة وانقدتها من الهدم وحولتها لمراكز ثقافيه ووضعتها على خارطة المواقع السياحية الهامة في البحرين.
قبل التطبيع بسنوات تم نشر مجموعة خرائط لإحياء المنامة اضيف اليها حي جديد باسم الحي اليهودي اطلق كبالون اختبار لتهيئة الشعب البحريني للتطبيع ا شخصية رائدة في المشهد الثقافي والفني العربي حيث تعمل مجال الثقافة والفنون والتنمية المستدامة تم تصنيفها ضمن النساء الخمسين لأكثر تأثيراً في العالم العربي من قبل مجلة فوربس عام 2005.
لقادم بالادعاء بأن اليهود كان لهم تواجد في البحرين وكانت لهم أحياء ومن حقهم استرجاعها وقت رفضت وقتها الشيخة مي ذلك وبينت ان اليهود المتواجدين في البحرين لا يتعدى عددهم ٤٠ شخص وهم من ٣ عائلات فقط هي ( نونو وروبين و خضوري ) أتت من العراق خلال الحرب العالمية الثانية.
الطائفة اليهودية في المنامة وعلى طول السنين بقيت منعزلة ولم تندمج في المجتمع البحريني ومعظم ابناؤهم من الشباب هاجروا للخارج وبقي كبار السن وستنقرض هذه العائلات بموتهم واما الكنيس اليهودي الوحيد في البحرين فهو مغلق بسبب عدم وجود اعداد كافية من اليهود لتأدية الصلوات فيه وقد تم مؤخرا تعيين عدد من اليهود البحرينيين سفراء وأعضاء في مجلس الشورى.
بعد توقيع اتفاقيات التطبيع رفضت الشيخة مي وباصرا كبير السماح لمستثمرين يهود من أميركا بتهويد أحياء قديمة في العاصمة البحرينية ابتداء من باب البحرين وشارع المتنبي وصولا الى الكنيس اليهودي الواقع في شارع صعصعة بن صوحان بالمنامة القديمة او تشييد حي يهودي جديد تظهر فيه كتابات ولوحات إرشادية باللغة العبرية مع رسم لنجمة داوود على المباني تستقبل السياح من باب البحرين حتى الكنيس اليهودي المهجور.
في إطار مواجهاتها الشرسة للمحاولات الصهيونية المكشوفة استضاف مركز الشيخ إبراهيم الذي تديره الشيخة مي المؤرخ والمفكر اليهودي إيلان بابيه في تشرين الثاني عام 2021 في ندوة ثقافية طرح خلالها أن الحل المستقبلي المنشود للقضية الفلسطينية الذي يتمثل في إلغاء الاستعمار الاستيطاني العنصري الصهيوني لفلسطين وهو ما شكل ضربة قوية لجهود التطبيع وتوسيع العلاقات كيان الاحتلال الإسرائيلي باعتبارها مخرج من مخرجات صفقة القرن المشؤومة.
الكثير من ابناء البحرين الشرفاء شاركوا في التظاهرات الشعبية الغاضبة والمنددة باتفاقات التطبيع كما تفاعلوا بحماس بالغ مع الحملة الواسعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومن خلال نشر وسم ( الصهاينة غير مرح بهم وكل ذرة من ترابنا ترفضكم وتتبرأ منكم ومن المطبعين معكم ) للتعبير عن رفضهم المطلق تطبيع العلاقات مع كيان الاحتلال.
خطوة الشيخة مي وهي تمثل شعب البحرين الاصيل تأتي في ظروف عربية دقيقة وحساسة تتسم بالتردي الرسمي المتناقض مع متطلبات الشعوب عبر التوقيع على صك الاستسلام والتسليم للكيان الصهيوني لتبييض وجهه البشع والإقرار بسياساته العنصرية القذرة في قتل وتهجير الفلسطينيين أصحاب الأرض الاصليين وتدمير المدن والقرى والمدارس واقتلاع الأشجار ومواصلة بنا المستوطنات بقبضة القمع والوحشية.
التطبيع الصهيوني مع العرب تخطى المعقول والمقبول واصبح الركن الأساس للسيطرة الإسرائيلية ومن أهم أركان استراتيجيات كيان الاحتلال التي ينتزع بواسطتها مصالحه بالتدرج وهو من أخطر المعارك بالنسبة لنا نحن العرب لأنه يشكل تهديد استراتيجي هدفه تصفية القضية الفلسطينية وتفكيك الدول والبلدان العربية على أسس قبلية وجغرافية وطائفية ومذهبية وإثنية متصارعة ليصبح الكيان المركز كأقوى قوة إقليمية استعدادا لمرحلة الحصول على الشرعية والاعتراف بالرواية الصهيونية وزرعها في عقول الشباب العربي باختراق الجانب المعنوي والنفسي عندهم وضرب مناعتهم عن طريق التطبيع الاقتصادي والتربوي والثقافي والسياحي والرياضي وغيره.
الموقف العروبي النبيل ( العملي والجريء والحاسم ) الذي اتخذته الوزيرة مي بعدما تزايدت الوجوه العربية المتصهينة التي تتحدث بلسان عربي وهي تقدم الرواية والسردية الصهيونية بنسخ متعددة تستهدف نفي الحقوق الفلسطينية وتزييف الحقائق التاريخية يعبر من جديد عن أصالة الشعب البحريني صاحب التاريخ المشرف والمجيد والتزامه بقضية فلسطين ومناهضته لكل أشكال التطبيع والتحالف مع الكيان الصهيوني رغم الحملات المتواصلة ضد الرافضين للتطبيع.
للحقيقة والتاريخ الشعب في البحرين الذي اختار الحرية عن الاستعمار البريطاني بالاستفتاء على عروبة البحرين قبيل اعلان الدولة ١٩٧١ يوم كان شاه ايران يطالب بضمها لإمبراطورتيه لا زالت مبادئه قومية وعربية يشهد لها التاريخ بالمواقف المشرفة في مناهضة التطبيع ورفض الاعتراف بدولة الاحتلال وما زال الشعب البحريني يؤمن بعدالة القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وطرده من أرضه وإقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على حدود 4 حزيران 1967 وحل قضية اللاجئين بموجب القرار 194 الذي يكفل حق العودة إلى الديار والممتلكات التي هجروا منها منذ العام 1948.

بضميرها الحي اودينها الحق وعروبتها الصادقة ووطنيتها الغيورة لم ترضى الشيخة مي السير خلف القطيع معصوب العينين وهي التي كانت تردد في شباب الأمة ان ( الثقافة فعل مقاومة وسلاح ووسيلة وهي الحصن الأخير للدفاع عن الشعوب ) لتضع بموقفها البطولي المتميز العرب والعالم أمام صورة جديدة من صور الحقيقة الناصعة بانحيازها للإنسان الفلسطيني الضحية والتأكيد على حقه في الحياة والحرية مقابل كيان الاحتلال والة القتل والدمار التي يزداد ثباتها وتماسكها وقوتها بالتواطؤ الدولي عبر محاولات تسويق الصهيونية ودمجها عربيا وغض النظر عن ارهابها وجرائمها الوحشية المتصاعدة.

لقد اثبتت معالي الشيخة مي قبل ان تخسر منصبها وبعد وهي تحتل قلوب الفلسطينيين وشرفاء الأمتين العربية والإسلامية واحرار العالم ان القيمة الحقيقية للإنسان لا تكمن في أي موقع رسمي أو وظيفة عمومية أو خاصة يشغلها بل تكمن وتبرز في الموقف وجوهر الانتماء للكلمة التي لا تعرف الصمت أو الحياد او الانقياد أمام ضجيج اللاعدالة الإنسانية وصراخ الضحايا في متاهات الموت الاستعماري الطويل.
نرفع القبعات عاليا لها ونضع اوسمة الشرف ونياشين الفخار على صدر هذه الفارسة العربية الشيخة مي بنت محمد ال خليفة الرئيسة السابقة لهيئة البحرين للثقافة والآثار صاحبة النبض العروبي الاصيل والبطلة الخلوقة والانسانة التي ستبقى محفورة في ذاكرة الأجيال القادمة كشاهد على التاريخ بعدما كسبت نفسها ودخلت سجل المحبة والرفعة رغم انف كل المطبعين والمتخاذلين تحديدا في هذا الوقت الذي تواجه فيه فلسطين اخر الهجمات الصهيونية لتصفية القضية وسلب ما تبقى من عروبتها وارضها المقدسة.
ختاما نزجي ألاف التحيات العطرة المطهمة بمشاعر الاجلال والاكبار والاعتزاز التي تليق بوطنية الشيخة مي وموقفها النبيل والشجاع حينما رفضت ان تلمس يدها الطاهرة الكريمة يد القتلة النجسة والمحتلين الملوثة بدماء النساء والاطفال والشيوخ والشباب كتعبير وطني صادق لرفضها التعاطي الكلي مع كافة سياسات التطبيع القائمة على الهوان والرضوخ والاستسلام ليبقى ديدن الشرفاء من امثالها (الوفاء للأوفياء والذل والعار للأدعياء).
*كاتب اردني

Exit mobile version