بقلم / فيصل مكرم*
▪لمْ تكنْ قمةُ طهرانَ بين زعماء إيران وروسيا وتركيا بالأهمية ذاتِها التي رافقت قمةَ جدَّة، بين الرئيس جُو بايدن وزعماء دول مجلس التعاون الخليجي، ومصر والأردن والعراق على صعيد اهتمام وترقب العالم؛ نظرًا لأهميَّة منطقة الشرق الأوسط وثقلِها الاقتصادي، وحاجة واشنطن والغرب إلى استعادة التموضع في هذه المنطقة على خلفيَّة الحرب الروسيَّة على أوكرانيا، ولو أنَّ الصين والهند والبرازيل وكوريا الشمالية، مثلًا، انضمت إلى قمة طهران الثلاثيَّة بين رئيسي، وبوتين، وأردوغان لكان في الأمر ما يمكن قولُه وتفسيرُه لجهة ولادة تحالف جديد بين قوى أو دول مؤثرة وفاعلة تناهض الانفراد الأمريكي بالهيمنة على العالم.
قمة طهران كُرست لبحث مخارج حلول للملفات الشائكة التي قد تتحول إلى أزمات حقيقية في العلاقات الثنائية بين الدول الثلاث، وبالتالي التوصل إلى تفاهمات في العديد منها، بما يراه كل طرف مناسبًا لتوجهات ومصالح بلاده، خاصة بشأن النفوذ في سوريا، حيث لا يرغب الرئيس بوتين في أن تستفيد تركيا أو إيران من أي فراغ روسي هناك على خلفية الانشغال بمتطلبات الحرب على أوكرانيا، وطهران تتطلع للاستفادة من أي خلاف روسي تركي في سوريا، يُتيح لها أن تمدد نفوذها على الأراضي السورية، كما أن أردوغان لديه مخاوف حقيقية من نشاط الفصائل الكُردية المناوئة لأنقرة في شمال سوريا، ويسعى لتدخل عسكري يحصل بموجبه على منطقة آمنة داخل الأراضي السورية بدون اعتراض من موسكو وطهران، ولا نغفل هنا مخاوف أنقرة من نشاط أمني إيراني موجه ضد عناصر إسرائيليَّة على أراضيها.
▪وكلا الرئيسَين بوتين وأردوغان تجمعهما الرغبة على بقاء تركيا تلعب دور الوسيط بين موسكو والغرب، وفيما تسعى روسيا إلى تحييد أنقرة، يأمل الرئيس التركي أن يستفيد من تجاوب موسكو وكييف مع الوساطة التركية، خاصة بعد نجاح أنقرة في الخروج باتفاق بين الدولتَين المتحاربتَين على تصدير الحبوب من أوكرانيا برعاية أممية، وهذا بلا شكَّ يعزز مكاسب أنقرة الدبلوماسية والاقتصادية، ويرفع من رصيدها في الأمم المتحدة التي تكاد تصبح منظمة للأمم الجائعة .
▪قمة طهران الثلاثية كانت مهمة للرؤساء الثلاثة، ولم تكن بأهمية قمة جدة العربية- الأمريكية، على الصعيدَين الدولي والإقليمي، حيث أسَّست مخرجات قمة جدة لمستقبل العلاقات الأمريكية العربية، ورسمت معالم جديدة لتلك العلاقات منطلقها المصالح المشتركة بما يجعل منطقة الشرق الأوسط وتحديدًا العالم العربي أكثر هدوءًا وأكثر تبصرًا لجهة التعاطي مع كل الملفات الساخنة والمصالح المتضاربة والمتقاطعة مع العالم: شرقه وغربه، وَفق ثوابتَ واضحةٍ تقوم على المصالح المشتركة، إذ لم يعد هناك شيء يمكن أن تقدمه هذه الدول بالمجان سواء لواشنطن، أو لأيٍّ من الدول الكُبرى، وبالتالي ستجد هذه الدول لنفسها مساحةً كافية لحل الخلافات في المنطقة، وتقريب وجهات النظر، وتهيئة الأجواء من خلال الاتصالات الثنائية لحلحلة الملفات الراكدة والتوصل إلى علاقات مستدامة تقوم على أساس المصالح واحترام السيادة والتضامن لحل الخلافات والمُنازعات القائمة داخل عديد دول في المنطقة، وفيما بين بعض دول أخرى.
▪قمة طهران لم تكن ردًّا على قمة جدة، وكان مرتبًا لها قبل عام، وربما أكثر بين الدول الثلاث، وبالتالي لم يكن لها علاقة بمسألة تحالف المحاور على خلفية الحرب الروسية في أوكرانيا، ذلك أن تركيا لن تفرط بعلاقتها مع واشنطن ومع أوروبا والناتو، وقلنا: إنَّ لها مصالح ينبغي أن تحافظ عليها بدون خسائر أو بأقل الخسائر خاصة أنَّ الاقتصاد التركي يعاني من ارتفاع خطير في مستوى التضخم، وكلتاهما -تركيا وإيران- لهما نفس الطموح بنفوذ في المنطقة والعالم الإسلامي، ولكن ذلك لن يجديَ دون توافق مع دول المنطقة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ومصر، وهذا ما شرعت به أنقرة في الأشهر الأخيرة التي تميزت بنشاط دبلوماسي مهم للتقارب مع الرياض والقاهرة وعواصم خليجيَّة أخرى، وفي المقابل جاء إعلانُ الرياضِ وطهرانَ أخيرًا برفع مستوى التفاهمات بينهما في العراق إلى المُستوى السياسي الثنائي، أما الرئيس بوتين فقد سهَّل على إثر قمة طهران أمام الرئيس أردوغان مهمة الوساطة مع أوكرانيا، وخفَّف عنه الضغوط الغربية، وباتت أنقرة نافذة مهمة لواشنطن والغرب مع موسكو، ومن جانبه، حاول أردوغان إرضاء طهران وبوتين بتعليق العملية العسكرية التركية في شمال سوريا.
▪وحين نرى أو نسمع عن قمة تجمع رؤساء روسيا، والصين، والهند، وإيران، وتركيا، والمكسيك، والبرازيل، وجنوب إفريقيا، وفنزويلا، وكوريا الجنوبية عندها سنقول: هذه قمة مهمة وستُحدث هزَّةً كُبرى على خريطة التحالفات الدولية، وربما قد تغيّر وجه العالم اليوم.
*نقلا عن جريدة الراية القطرية
