فؤاد البطاينة*
إذا كان كل المتعاونين مع الكيان الصهيوني ينسبون قراراتهم وأفعالهم إلى التخفيف من ألام الفلسطينيين في غياب مطلق لمصطلح التحرير، فإن الكيان ينسبها الى تلبية الحاجات الإنسانية للفلسطينيين والتي تطور اسمها بعد صفقة القرن الى وسائل السلام الإقتصادي في طمر للقضية الفلسطينية كقضية احتلال وتجاهل لكون كل الصعوبات بأنواعها والتي يواجهها الشعب الفلسطيني تحت الإحتلال أصلها هو الإحتلال وتداعياته المتعاظمة كلزوميات لهذا الإحتلال. والإشارة هنا هي لتوجه “اسرائيل” الأخير بالسماح للفلسطينيين باستخدام مطار رامون لخارج الأراضي المحتلة. وهو المطار الوحيد الذي بناه الاحتلال، وكان بناؤه مخالف لقانون الطيران الدولي لخطورة قربه من مطار الملك حسين في العقبة، وهناك من المختصين من يشير إلى أن المطار بني على اراض أردنية احتلت من خلال رسم خط الهدنه بين الكيان والاردن.
الخطوة “الاسرائيلية” جاءت تتوكأ على ذرائع منها التخفيف من معاناة الفلسطينيين على الجسور ورحلة العذاب التي صنعتها بكل فصولها من خلال ثلاث محطات مضنية ومكلفة، ومذلة عندما نعرف بأن هذا يحدث لهم في وطنهم.
الاعتراضات أو الملاحظات على التوجه الاسرائيلي جاءت من سلطة رام الله ومن شركات السياحة الأهلية العاملة في الأردن كناقل للقادمين من الضفة الى عمان ثم للدول المقصودة، وبتجاهل رسمي أردني. وليس من هذه الأطراف من تعامل مع الحدث بعمقه السياسي بل كل من زاوية مصلحته. وربما أن سلطة رام الله تنبهت الى انكماش دورها السياسي في عملية التحول هذه لا سيما من حيث تقليص دورها في عملية تنقل السكان مما ينزع عنها غطاء من الاغطية على كونها مجرد مخفر أمني للإحتلال. لا شك بأن الخطة الإسرائيلية تحيي هذا المطار الفاشل والذي أعد ليكون البديل عن مطار اللد أو بن غوريون من ناحية، وليأتي بمردود اقتصادي يقضم من أرباح شركات الطيران العربية في المنطقة لا سيما في الأردن.، ولكنه أيضا لا يُغير من معاناة الفلسطينيين الذين سينتقلون مخفورين في رحلة قد تتجاوز ست ساعات يتخللها ست ساعات أخر في محطات التجمع الأمنية وصولاً للطائرة. فالأهداف الإسرائيلية ليست مدفوعة بالأساس بالعامل الإقتصادي على أهميته. الكيان يعلم وكذا الاردن والسلطة بأن الفلسطينيين لهم مطاراتهم الوطنية على أرضهم، فهناك مطار القدس (قلنديا) الذي ضمته سلطة الاحتلال في عام 1981، ومطار غزة الذي تمتلكه وتديره السلطة الفلسطينية قبل خروجها الإداري من غزة والذي عطل الاحتلال مرافقه ودمره على مراحل.
ما أريد قوله انه من قواعد سياسة كيان سلطة الإحتلال في فلسطين ودول التطبيع، هي خلق المشاكل على أنواعها وخاصة الأمنية والإقتصاديه وما تتسببه من ضغوطات نفسيه ومعيشية للشعب المستهدف وتعظيمها إلى أن تبدو مستعصية ومعروفة دولياً، فتبادر إما لتعقيدها أو لوضع الحلول لها وفرضها. ظاهرها عادة من جنسها لكن طبيعتها وهدفها دائماً سياسي. ويمكن ملاحظة هذا بجلاء في صنع المشاكل الجسيمة على انواعها في الأردن وحلها بالخيار الاسرائيلي. فالضغوطات على الفلسطينيين هدفها سياسي انتهى بالإفصاح عنه في صفقة القرن. ونحن في رامون وغير رامون نعيش تفاصيل هذه الصفقة التي تنسخ وجود قضية فلسطينية احتلالية وتصورها كقضية اقتصادية وتطرح عنوانا جديدا للسلام هو السلام الاقتصادي.
لا خطاب مع الكيان الصهيوني المحتل في هذا أو ذاك، فهو عدو صاحب مشروع في بلادنا، وليس من لغة واعية أو مقبولة معه من دون أن تكون هذه اللغة منتجاً للغة المقاومة والقوة والسلاح. لكن الخطاب لنظامي رام الله وعمان وهما المتغوصتين في علاقات هدامة مع الكيان المحتل باسم المصلحة الفلسطينية. والمصيبة في أن النظامين لا يبصران في كل مسعى لهما سوى الاحتفاظ بالسلطة، ولا يستغلان أو يستخدمان في هذا سوى المطلوب منهما للعدو كضامن ومهدد بنفس الوقت لهذه السلطة. فأصبح الوطن والقضية عندهما تجارة بسعر البضاعة المحروقة الأسعار. ولا ندري هل هما وغيرهما من حكام العرب يعيشون حالة الربط والإلتصاق العضوي بين الواحد منهم والكرسي؟ ام يؤمنون بخلود الإحتلال، أم أنهم أسرى بملفات ابتزازية معينة أم بملفات انتمائية موروثة لا يُفصح عنا، ؟. ومهما كان أمرهم، يبقى الواقع أنهم ومهما قدموا للعدو فوجودهم مرهون بمرحلة يقررها هذا العدو، وينتهوا بانتهائها وعلى يد شعوبهم.
ومع ذلك أقول بأن خطة مطار رامون في السماح للفلسطينيين فيه تهزيئ وقضم للسلطة ووجودها الأوسلوي، وفيه تكريس لإلغاء المطارين الوطنيين ووضع البديل في سياق إخلاء الأراضي المحتلة عا67 من أي رمز أو معلم من معالم الدولة الفلسطينية، وستنضم هذه الخطوة لجبل التراكمية في ظل الواقعين العربي والفلسطيني. فإسرائيل منذ احتلال عام 1967 تعلن أمام المحافل الدولية والأمم المتحدة وفي أدبيات أحزابها بأنها حررت الضفة الغربية وبأنها لن تترك السيادة عليها برا وبحراً وجواً. مفاوضات الإستجداء ومعاهداته كانت حربا على فلسطين والعرب وكانت ضرْبتها القاصمة الأولى بانتقال القضية من الحضن العربي لتصبح قضية الفلسطينيين وحدهم ثم نبذ مقاومتهم وشيطنتها. وتحت غطائها تم التطبيع وبناء المستوطنات وقضم الأراضي وتهجير الفلسطينيين بالتضييق عليهم. وحل الدولتين الذي تبنته الرباعية الدولية كان من باب تبرئة الذمة الدولية وليس أكثر. وتمكنت “اسرائيل ” من خلال إغداق الأنظمة العربية عليها في التعاون الاستراتيجي معها بدلاً من استخدام الضغوطات عليها من القضاء على أدنى مقومات قيام دولة فلسطينية على الأرض. ولم يبق من يتكلم بهذا الحل ويثيره سوى نظامي عمان وأوسلو كمبرر وحيد لسلوكهما الأعمق مع كيان الإحتلال أمام شعبيهما بل وتبريراً لوجودهما.
. وليكن معلوم لديهم بالمقابل بأن الشعب الفلسطيني عينه ستبقى على الأرض الفلسطينية الوطن كله، حتى لو كان فارغا من كل مقدراته.. وليس أمام الشعب الفلسطيني على المدى المنظور إلّا تحدي كل الظروف والصمود والمقاومة الموحدة. فأمريكا في أسوأ حالتها والكيان الصهيوني بات يحكمه رعيل المغامرين والمنتفعين وإلى زوال مبكر.
وكلمتي هنا، إذا كانت ضريبة الدم وبذل النفوس والأرواح والمعاناة الرهيبة والمباشرة على مدار الساعة قدر على الفلسطينيين الصامدين والمقاومين تحت الإحتلال، أليس لفلسطيني الشتات من دور أو واجب. فمنهم نسبة عالية من نخب العالم وقوة التأثير، ويشاهدون تواطؤ العالم والعرب على القضية وتجاهل الإستفراد والفتك الصهيوني بالفلسطينيين تحت الإحتلال دون ضوابط وحرمانهم من كل الحقوق التي أقرها القانون الدولي لهم من خلال اتفاقيات جينيف التي أقر مجلس الأمن بانطباقها عليهم، ويشاهدون إخوتهم في الأراضي المحتلة من كل الفئات العمرية يعيشون ويقاومون من داخل محرقة. فالمطلوب من فلسطينيي الشتات في كل أرض أو دولة أن ينتقلوا لدائرة الفعل وتحمل المسؤولية مع اخوتهم ونصرتهم بما يملكون من طاقات وفرص، ويرفعوا صوتهم ويوحدوا جهودهم في قوالب بمختلف الأشكال القانونية المتاحة لتأمين الدعم المالي والإعلامي والسياسي للشعب الفلسطيني ومقاومته في الداخل. وأن لا يخضعوا لضغوطات الصهيونية بل يجعلونها سنداً لمواجهتهم بالحقائق.
*كاتب وباحث عربي
كفى تجاره بمعاناة الفلسطينيين!
