السفير/ منجد صالح*
إنّها الهند، بلاد السند والهند سابقا، بلاد تاج محل، إحدى عجائب الدنيا السبع.
أستعير هذه التسمية، هذه الكناية من الهند، فنحن والهند بلدان آسيويّان،وآسيوي لا يعني بالضرورة صيني أو ياباني أو كوري أو فيتنامي، وانما كل سكان آسيا بغض النظر اذا ما كانت عيونهم مشقوقة ضيّقة وجلدهم أصفر أو عيونهم سوداء واسعة وجلدهم اسمر.
نحن بالنسبة للهند نقع في غرب آسيا وليس الشرق الأوسط. فالشرق الأوسط تسمية إستعمارية بريطانية، إبتدعها ونستون تشرتشل وهو يدخّن غليونه من على شرفة بيته في لندن. نظر من خلال دخان غليونه الى مستعمراته القديمة السابقة في قارّة آسيا والتي لم تكن تغيب الشمس عنها، وقسّم “على مزاجه”: “هذا الشرق الاوسط وهذا الشرق الأدنى وهذا الشرق الاقصى وهذه جنوب شرق آسيا”. كلّها إتجاهات وخيوط يحرّكها تشرتشل، وكأنه يحرّك خيوط الدمى بأصابعه، في لعبة مسرح الدمى.
والهند أو شبه القارّة الهندية بلاد عظيمة، كانت تسمّى قديما بلاد السند والهند، مصدر التوابل والحرير.
من أجل الوصول الى الهند بحرا من سواحل أوروبا الغربية من على “ضفاف” المحيط الأطلسي (بحر الظلمات)، دون اجباريّة الدوران حول راس الرجاء الصالح في جنوب جنوب أفريقيا، ، وبما ان الارض كروية بعد إكتشاف غاليلو غاليلي الايطالي “السرّ”، ابحر البحّار الإيطالي المبدع كريستوفر كولومبوس، قبل أكثر من 500 عام، في ثلاث سفن شراعية، تحت رعاية وإمرة ملكي إسبانيا حينذاك فرديناند وإزابيلا، وأمخر عباب الأطلسي (بحر الظلمات)، من أجل الوصول الى الهند من جهة الغرب وعن طريقٍ أقصر من طريق رأس الرجاء الصالح.
وجد نفسه، بعد رحلة شهور طويلة عصيبة، وتمرّد “البحّارة” عليه، في جزرٍ جميلة بديعة غنّاء، فأطلق عليها اسم جزر الهند الغربية، إعتقادا منه أنّه وصل الهند، وسمى سكانها، التي تميل بشرتهم الى الحمرة بدل السمرة، الهنود الحمر.
وهكذا إكتشف كولومبوس، مصادفة، العالم الجديد، إكتشف قارة أمريكا، إكتشف الأمريكيّتين.
وتوالت الإكتشافات وتوالا المكتشفون الوصول الى العالم الجديد. ولم تنقطع الإكتشافات يوما، لا في العالم الجديد ولا في العالم القديم، إكتشافات متعددة ومتنوّعة، خارجية وداخلية، وفي شتى الشؤون والحقول والمجالات والميادين الجغرافيّة والسياسية والإقتصادية والإنسانية وفي شؤون المال و”العزّ والرُزّ” والكنوز والارصدة البنكية والشيكات و”الكنز تحت البلاطة” والرواتب والمعاشات والإعانات والمساعدات والتبرّعات، الطوعية والإجبارية، ورواتب التقاعد، وشؤون وفنون وجنون الرواتب، للمهراجات والمحاربين وشهبندرات التجار والموظفين والعمّال والفلاحين والمنيوذين والعاملين عليها وابن السبيل والمُعتقة رقابهم.
وعودة على بدء إلى الهند ومع كونها دولة ديمقراطية عريقة، دولة المهاتما غاندي، والمقاومة “باللاعنف”، ومن أوائل الدول التي حكمتها سيّدة، أنديرا غاندي، ابنة جواهر لال نهرو، أحد أعمدة إستقلال الهند. مترامية الأطراف، شبه قارّة، شبه القارّة الهندية، “وفيرة كثيرة” السكّان، يبلغ تعدادهم أكثر من مليار نسمة، تُنافس الصين، إلّا أنها ما زالت تلتصق بعاداتها التقليدية، المُرسّمة في الديانة الهندوسية، ديانة الأغلبية، مع وجود أكثر من مئة مليون مسلم، فيما يخص التقسيمة السوسيولوجية، الطبقات المجتمعية والفوارق الحادة حتى يومنا هذا بينها.
هناك أربعة طبقات واضحة المعالم، حسب الديانة الهندوسيّة، تفصل بينها حدودا من الصعب تجاوزها فيما يخص أمور الزواج والمصاهرة والعلاقات الإنسانية والتعامل الإجتماعي التقليدي. فعلى رأس هرم المجتمع الهندي يتربّع المهراجات ورجال الدين، الذين يملكون الإقطاعيّات وآلاف الدونومات والإمتيازات والسلطات ومفاتيح “الحل والربط”، وحتى التحكّم برقاب الناس والعباد. يعيشون في القصور والفيلات ويتنعّمون بالحياة، تخدمهم باقي الطبقات أو أغلبيّتها.
والطبقة الثانية طبقة المحاربين وقوّاد الجيش والأمن ودرع الوطن الحامي. والطبقة الثالثة طبقة كبار التجار ورجال الأعمال “المريّشين” والمتخمين بالذهب والفضة والجواهر والحرير.
أما الطبقة الرابعة والأخيرة، وهي الأكثر عددا والأقلّ مددا وسندا وسؤددا، فهي طبقة المنبوذين، الفقراء والمعوزين وصغار الموظفين والعمّال والفلاحين والكادحين والعاملين عليها و”إبن السبيل” و”المُعتقة رقابهم” وسائقي “التوك توك” والباعة المتجوّلين وباعة “كشكات” السجائر والقهوة وبيّاعي البليلة والبوشار والعلكة وماسحي الأحذية و”الكنادر” والجزمات و”البساطير”.
قال الحقّ جلّ وعلا في كتابه العزيز: ” يا أيّها الناس ‘ انّا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليم خبير”، صدق الله العظيم.
فالإسلام أوّل من ألغى العبوديّة، وجاء بعد ذلك بقرون أبراهام لنكولن وألغى العبودية في الولايات المتّحدة الأمريكية على اثر الحرب الاهلية بين الشمال المؤيّد لتحرير العبيد وبين الجنوب المُحافظ الإقطاعي المُناهض والمُنادي بالإبقاء على العبيد والعبودية.
لكن أن تظهر بعض مظاهر العبودية، بعض لمسات توحي بالعبودية و”الإستقراد”، بعض المطالبات والفروض التي يُشتمّ منها رائحة العبودية، في القرن الواحد والعشرين، مثل وجوب وجود “الكفيل” في بعض الدول “لضمان” الوافد وتمكينه من مزاولة تجارة أو أعمال. والتفرقة والتحيّز ضد المرأة في الوظيفة العموميّة والخاصة في الدول والمجتمعات، وتفاوت الرواتب بين كبار الموظّفين وصغارهم في العديد من البلدان وخاصة في دول العالم الثالث، التي يطلقون عليها “تدليعا” لقب الدول النامية.
والإستمرار في إعتبار “اسيادكم في الجاهلية اسيادكم في الإسلام”، وتطبيق القانون على العامة والمواطنين وإستثناء كبيري القوم مسنودي الظهور والبطون والأكتاف، وفرض الضرائب والمكوس والجمارك والإقتطاعات من الراتب والمعاش على ومن الصغار وتحرير الكبار من هذا “الترف والقرف” بل تعبئة وإتخام جيوبهم الواسعة “المخزوقة” المخرومة من جيوب الموظفين الصغار الضيّقة، لا يليق بما وصل إليه الإنسان من علم وعلوم وثقافة وقيافة ونباهة ونزاهة وبلاغة ومساواة وإدارة ومُداراة ومداواة ومجاراة ومداهنة ومساومة وتعويم وعولمة و”تحميل وتنزيل” وتعليق الشمّاعة على الآخرين من “السكناج” والفرنجة والعجم.
والتعامل مع الهيئات والمؤسسات والوزارات والشركات والبنوك و”الدكاكين” والسوبرماركتات والحوانيت ومراكز التسوّق والترفيه والإستجمام والمُنتجعات والفنادق والمطاعم والمقاهي وكأنّها “مقاثي” عائلية وقبليّة خاصة مساهمة محدودة، يرتع فيها ويسرح ويمرح الأب والجد والإبن وإبن العم وبنت الأخت وبنت العمّة والخالة وابن المسؤول وبنت القيادي والاصدقاء وذوي “الافواه الفحّاحة” والألسن الفتّانة “المُوشوشة” في الآذان الطويلة والأيادي العُسر، الهمّازة اللمّازة، البرمائية، بعشرة وجوه و”وشوش”، خبراء في فنون ضرب الأسافين و”تبشيم الخوازيق” “لزملائهم” الأكفّاء الملتزمين بالوطن وبرائحة البرتقال والزعتر والميرميّة والزيتون والتين…
ملاحظة هامة وشديدة الوضوح: “فحوى هذا المقال ينطبق فقط و حصريّا وأوّلا على الهند، ومن ثمّ على الدول المستقلّة وذات السيادة وعلى الممالك، الدستورية والبرلمانية، والجمهوريات والإمبراطوريّات والسلطنات والإمارات، مثل إمارة موناكو وإمارة الشارقة، وعلى الدول الشمولية والدكتاتورية، مثل كوريا الشمالية وميانمار، ودول الإتحادات الفدرالية والكنفدرالية، مثل سويسرا والولايات المتحدة الأمريكية والولايات المتحدة المكسيكية وبريطانيا العظمى وإسبانيا وروسيا الإتحاديّة، ويوغسلافيا قبل “تفسيخها” والجماهيرية العظمى قبل “تفتيتها” وذرّ عظامها في الصحراء بين القبائل” .
ولا تنطبق مُطلقا وأبدا ولا باي شكل من الاشكال ولا بأي حال من الأحوال ولا بأي ظرف ومكان على مناطق الحكم الذاتي، الموسّع والمحدود، و”المقصقص والطيّار”، في كردستان العراق وإقليم الباسك في إسبانيا وفلسطين وإقليم بيافرا في نيجيريا والأقاليم ذات الاغلبية المسلمة في جنوب الفلبّين، ولا حتى على الدول المستحدثة والفقيرة “المعثّرة” مثل جنوب السودان وتيمور الشرقية وسيريلانكا، سيلان سابقا، منبع الشاي السيلاني، وبينين، داهومي سابقا وزمبابوي، روديسيا الجنوبية سابقا.
يقول روبرت موغابي، رئيس زمبابوي الراحل: : “كيف لنا أن نقنع الجيل الجديد بأن التعليم مفتاح النجاح إذا كنّا محاطين بخرّيجين فقراء ولصوص أغنياء!!!”.
ويقول المثل الشعبي: “لو دامت لغيرك ما وصلت إليك”.
*كاتب ودبلوماسي فلسطيني
دولة المهراجات والمنبوذين
