فاطمة عواد الجبوري*
بعد أشهر من المفاوضات الماراثونية، يبدو بأن الإدارة الأمريكية خضعت لمطالب الحكومة الإيرانية. روّجت الأطراف الغربية إلى أن النص الأخير الذي أرسله الأوربيون إلى إيران على أنه النسخة النهائية للاتفاق، إلا أن الحكومة الإيرانية لم تقع في هذا الفخ وقامت بدراسة النص بتمعن ووضعت ملاحظاتها عليه ومن ثم قامت الولايات المتحدة أيضا بدراسة النص الإيراني ويبدو بأنها قدمت تنازلات هامة على هذا الصعيد.
في سياق متصل، قصفت القوات الجوية الأمريكية مواقع في سوريا قالت بأنها تابعة لقوات موالية للحرس الثوري الإيراني، لا يمكن النظر إلى هذه الخطوة التي أقدمت عليها الولايات المتحدة عشية إرسال تعليقها على نص الاتفاق، إلا من منطلق الضعف وإرسال رسائل داخلية وخارجية للحلفاء.
أولاً: وقبل كل شيء، فإن إيران نفت ارتباطها بالقوات المستهدفة إذ أن القوات المتمركزة هناك تابعة للجيش السوري.
ثانياً: لم تعلن القيادة الأمريكية المركزية المسؤولة عن تنفيذ الهجمات الجوية عن سقوط أي ضحايا بشرية نتيجة الهجوم. وهذا يؤكد مرة أخرى على أن العملية استعراضية ولا غير.
ثالثاً: يبدو بأن العملية الاستعراضية جاءت بأمر من الرئيس الأمريكي جو بايدن وهي تحمل رسائل للداخل الأمريكي تفيد بأن جو بايدن وإن قدم تنازلات كبيرة للإيرانيين على مستوى الملف النووي إلا أنه لن يتوانى عن ضرب الإيرانيين في سوريا.
رابعاً: تحمل هذه الهجمات رسائل للخارج أيضا وخصوصاً إسرائيل، إذ أن الحليفين التقليديين مختلفان بشكل كامل حول كيفية التعامل مع إيران ولذلك أراد جو بايدن التأكيد لإسرائيل بأن الولايات المتحدة لا زالت ملتزمة بأمن إسرائيل.
في الحقيقة إذا ما أردنا أن نغوص بشكل أعمق في تحليل العمليات الجوية ضد مواقع سورية في دير الزور فإن هذه الهجمات تأتي في وقت حساس للغاية، إذ أن العلاقات الروسية-الإسرائيلية في أسوء حالاتها منذ سنوات وهذا نتيجة الحرب الأوكرانية ووقوف إسرائيل إلى جانب أوكرانيا وتقديم السلاح لها. وانعكس توتر العلاقات من خلال تقديم وزارة العدل الروسية دعوى قضائية تطلب فيها تصفية واستبعاد الوكالة اليهودية. وعلى المستوى الدولي فقد أعطت روسيا الضوء الأخضر لسوريا باستخدام صواريخ اس 300 المتطورة والدفاعات الجوية الأخرى لاستهداف الطائرات الإسرائيلية المعتدية.
من ناحية أخرى فإن الحرب غير المباشرة بين إسرائيل وإيران على أشدها هذه الأيام سواء على الصعيد العسكري أو السيبراني. فعلى الصعيد العسكري فهناك تنسيق أمني مشترك عالي المستوى بين السوريين والإيرانيين لاستهداف أي طائرة إسرائيلية في الأجواء السورية كما أن هناك تنسيق مشترك لضرب القواعد الأمريكية في سوريا وهذا ما ظهر جليا في الاستهداف المتكرر لقاعدة التنف الأمريكية في سوريا من جهة والهجمات المدروسة على حقل العمر في مدينة دير الزور والتي تتركز فيه القوات الأمريكية. وأما على الصعيد السيبراني فإن التطور الأخير يشير إلى أن المعركة وصلت إلى مراحل متقدمة للغاية إذ أن الهجمات الإيرانية لم تقتصر على محطات المترو ومحطات تحلية المياه ومحطات الكهرباء والقواعد العسكرية الإسرائيلية وحسب، بل امتدت هذه الهجمات لتطال شخصيات عالية المستوى في إسرائيل حيث قامت مجموعة من “الهكر” بنشر معلومات كاملة عن إيدي كوهين تضمنت محل سكنه وصوره الشخصية وجلساته السرية وبرامجه القادمة وعلاقاته.
كل هذه التطورات دفعت الولايات المتحدة لشن هجمات في الداخل السوري للتغطية على الفشل الذريع لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل معاً.
إن أقصى ما تخشاه كل من إسرئيل والولايات المتحدة هو أن تقوم روسيا بإغلاق المجال الجوي السوري أمام الطائرات المعادية وهذا بالطبع سوف يقود إلى مواجهة مباشرة مع القوات الأمريكية على الأراضي السورية سوف تقوم بعدها قوات الجيش السوري والقوات الداعمة له بطرد القوات الأمريكية من سوريا وإلى الأبد كما ستخشى إسرائيل اختراق الأجواء السورية مرة أخرى. هذه المواجهة ليست مستبعدة وننتظر حدوثها في الأيام القادمة.
*كاتبة وباحثة عراقية
أبعاد الهجمات الأمريكية على سوريا!!
