صالح القزويني*
لاأزال أتذكر ما حدث في بداية الاحتجاجات التي انطلقت في سوريا، فقد تداولت وسائل الاعلام الغربية والاسرائيلية وبعض العربية أنباء عن هجوم المحتجين على المعسكرات ومصادرة الأسلحة التي فيها.
وقتها قالت وسائل الاعلام تلك، إن النظام السوري هو الذي فتح أبواب المعسكرات ليستولي عليها المتظاهرون ويصادروا أسلحتها ويستخدموها ضد الأجهزة الأمنية، وبذلك يكون للنظام ذريعة دامغة بشرعية قمع التظاهرات بالسلاح، غير أن ماحدث هو أن الجماعات المسلحة سيطرت على ثلثي الأراضي السورية، مما يشير الى ان عسكرة التظاهرات لم يكن في صالح النظام السوري بتاتا.
النموذج الآخر وهو ليبيا كان أكثر وضوحا من سوريا في عسكرة الاحتجاجات الشعبية، فقد تزامن القصف الغربي لليبيا من اسقاط نظام القذافي قصف المعسكرات الليبية، ثم انطلقت حملة اعلامية واسعة مع قصف المعسكرات تشير الى أن المتظاهرين هاجموا المعسكرات واستولوا على أسلحتها.
ما دفعني الى تذكر بداية الاحتجاجات السورية والليبية هو الذي ذكره أحد الذين اعتقلوا على هامش الهجمات المسلحة التي وقعت يوم الجمعة الماضية في مدينة زاهدان بجنوب شرق ايران، اذ يقول هذا المحتج أو المتظاهر لوسائل اعلام ايرانية رسمية: شاركنا في الهجوم على احدى المراكز الأمنية وكنا نسعى الى رشق المركز بالحجارة وما تطاله أيدينا، حتى استوقفتنا سيارة في الطريق الى محل الاحتجاج وكانت مليئة بالأسلحة وطلب منا الذين يقودون السيارة اخذ الأسلحة ومهاجمة المركز بها بدلا من الحجارة، فقمنا بأخذها وفتحنا النار على المركز.
معظم الذين لديهم خبرة في الاحتجاجات يقولون أن الاحتجاجات الحالية في ايران تختلف عن السابقة، بحيث ان الذين يبادرون للاحتجاج يبدو عليهم التمرس والاحتراف في ادارة العنف، وكذلك توجيه الاحتجاجات وعموم المحتجين الى القيام بأعمال الشغب كاشعال النيران في سلات القمامة أو البنوك أو سيارات الاسعاف وسيارات اطفاء الحريق ومهاجمة العناصر والمراكز الأمنية، سواء بالأسلحة البيضاء أو النارية.
البعض يفسر هذه الظاهرة بأن المحتجين الحاليين لم يعودوا يخشون ردة فعل العناصر الأمنية على احتجاجهم ولذلك فانهم يهاجمونهم بلا هوادة، ولكن بتحري الدقة في مقاطع الفيديو التي انتشرت حول الاحتجاجات نرى أن الذين يهاجمون العناصر الأمنية ليسوا جميع المحتجين وانما عدد قليل منهم ولا يتجاوزون عدد الأصابع، مما يشير الى ان هؤلاء هم الذين يسعون الى ركوب الموجة وقيادة الاحتجاجات الى العنف وأعمال الشغب.
ما حدث يوم الجمعة الماضية في مدينة زاهدان يدلل بما لا يدعوا للشك أن الجماعات المسلحة سئمت من سكوت الزاهدانيين وعمو البلوشستانيين وعدم مرافقتهم للمظاهرات والاحتجاجات الجارية في العديد من المناطق الايرانية، لذلك قرروا مهاجمة صلاة الجمعة في زاهدان وقتل واصابة عدد من المصلين وكذلك بعض المراكز الأمنية بالاسلحة والمتفجرات الى جانب احراق بعض البنوك والمراكز المدنية لتتحول الاحتجاجات الى ظاهرة عامة، ولكن يبدو أنهم لم يجدوا آذانا صاغية من قبل عموم الناس، لذلك يجري حاليا اشتباكات متقطعة بين المسلحين والأجهزة الأمنية خارج مدينة زاهدان.
السؤال المطروح، هل ستنتقل الاحتجاجات الايرانية الحالية الى العسكرة؟
أطراف أجنبية وفي مقدمتها اسرائيل تبذل ما في وسعها لعسكرة الاحتجاجات الايرانية، لأنها تعتقد أنه سبل تقويض النظام الحالي غير انه هناك أسباب تدلل على فشل الرهان على هذا الخيار في الوقت الراهن على أقل تقدير، ومن بين هذه المؤشرات..
أولا: القيادة الايرانية تدرك مدى خطورة عسكرة الاحتجاجات لذلك تبذل ما في وسعها للحؤول دون وقوعها، ومن القرارات المهمة التي اتخذتها في هذا الاطار هو عدم اللجوء الى استخدام الأسلحة في مواجهة المتظاهرين، بل صدرت أوامر للقوى الأمنية التي تتصدى للمتظاهرين بعدم حمل السلاح، وان حمله يقتصر على القوات الخاصة التي تتدخل عندما يهاجم بعض المحتجين العناصر الأمنية بالأسلحة النارية أو البيضاء، ولن تكون هناك حاجة لتدخل هذه القوات اذا لم تنتقل الاحتجاجات الى أعمال الشغب أو استخدام الأسلحة، وأقصى تحمله العناصر الأمنية الدروع الفردية والهراوات.
وفي هذا الاطار يمكن تفسير انخفاض عدد الضحايا الذين سقطوا جراء الاحتجاجات، ووفقا للرواية الرسمية فانه بنحو 100 شخص من المتظاهرين والأجهزة الأمنية أو عموم الناس على السواء.
ثانيا: حماية المعسكرات والمقرات الأمنية وعدم السماح باقتحامها مهما كلف الأمر.
ثالثا: السعي الى التمييز بين المحتجين السلميين والداعين للعنف والذين يمارسون أعمال الشغب والهجوم على القوى الأمنية والممتلكات العامة والخاصة، وقد اعتقلت القوى الأمنية المئات من المتظاهرين منذ اندلاع المظاهرات والى هذا اليوم، ولكن وبمجرد أن يثبت للقضاء أن الشخص المعتقل لم يلجأ للعنف وأعمال الشغب والتخريب فيطلق سراحه فورا، بينما يبقي القضاء على احتجاز وتوقيف المتظاهرين الذين لجأوا للعنف، والبدئ بمحاكمتهم.
رابعا: قوات حرس الثورة الاسلامية قصفت مقرات الأحزاب الكردية التي تستخدم السلاح والمتفجرات في عملية معارضتها للنظام الايراني، بعدما وردت معلومات عن قيام هذه الاحزاب بادخال الأسلحة والذخائر الى ايران عبر الأراضي العراقية، بل قامت الأجهزة الأمنية الايرانية بضبط كميات كبيرة من الأسلحة واعتقال الاشخاص الذين هربوها، وليس من المستبعد أن تقوم قوات حرس الثورة بعمليات عسكرية واسعة ضد الجماعات المسلحة في محافظة سيستان وبلوشستان.
من هنا يمكن القول ان القيادة الايرانية تسعى الى احتواء العنف في المظاهرات الايرانية لمنع عسكرة الاحتجاجات، والأمر لا يقتصر على عملية الفصل بين المحتجين السلميين عن المشاغبين بل منع العناصر الأمنية من استخدام العنف قدر الامكان ضد المتظاهرين الى جانب منع دخول الأسلحة للبلاد ومطاردة الجماعات المعارضة المسلحة.
سيصدر الطب العدلي الايراني تقريره النهائي في غضون اليومين القادمين بشأن سبب وفاة مهسا أميني، ومن المؤكد أن التقرير سيؤثر بشكل مباشر على وضعية الاحتجاجات وفي أسلوب تعاطي السلطات معها على حد سواء.
*باحث في الشأن الايراني
عسكرة الاحتجاجات الايرانية!!
