اسيا العتروس*
هل يجوز التفاؤل ؟ ندرك جيدا حجم و خطورة و تعقيدات المهمة التي سيتعين على الجزائر تحملها خلال القمة القادمة بالنظر الى قتامة وهشاشة المشهد العربي الذي بلغ درجة غير مسبوقة من الوهن والانهياركل ذلك الى جانب التحولات الاقليمية والدولية المتسارعة وانعكاسات الازمة في ليبيا و الحرب الروسية في اوكرانيا على الجميع ..وقد وجب الاعتراف أن جامعة الدول العربية بدورها ليست الا مراة لواقع الانظمة و الحكومات العربية ومؤسساتها وحتى شعوبها …ولهذه الاسباب و لغيرها سيكون من المهم و قبل تحديد اسباب التفاؤل اوالتشاؤل بشان القمة العربية القادمة التي تعقد بالجزائر مطلع الشهر القادم الاشارة الى ان السلطات الجزائرية حرصت حتى هذه المرحلة على تطويق عدد من الخلافات التي كان يمكن ان تدفع الى تاجيل او الغاء القمة ومنها عدم الاصرار على حضور سوريا في هذه القمة رغم ان الموقف الجزائري كان و منذ البداية يتجه الى استعادة سوريا مقعدها في الجامعة العربية و قد ساعدت سوريا من جانبها على اطفاء اول فتيل بالاعلان عن عدم رغبتها في ان تكون ضمن الملفات المطروحة و جنبت الجزائر بذلك الكثير من الاحراجات و ربما مزيد الخلافات مع الدول التي تعارض التطبيع مع سوريا أحد الدول المؤسسة للجامعة العربية ..الى جانب ما سبق ضمنت الجزائر على ما يبدو حضور الامين العام غوتيريش للقمة و كذلك رئيس السينغال ماكي سال الامين العام للاتحاد الافريقي و الهام عليف رئيس اذربيجان و رئيس حركة عدم الانحياز و هي مسائل تظل بروتوكوليا مهمة للسلطات الجزائرية التي تنظم هذا الحدث بعد قمة تونس في 2019 في اعقاب سنتين على جائحة كورونا ..
ومن المسائل التي لا تخفى على مراقب في استعدادات الجزائر لهذه القمة ان قضية الصحراء الغربية لن تكون على جدول الاعمال على اعتبار ان البوليزاريو ليس عضوا في الجامعة العربية وهو ما يمكن ان يمهد لمشاركة على مستوى رفيع للمغرب و لم لا التمهيد لاعادة فتح الحدود المغلقة بين البلدين ..
ad
يمكن القول انه سبق للجزائر أن احتضنت ثلاث قمم عربية في مواعيد متباينة وبين كل قمة و قمة كان المشهد في الخارطة العربية يزداد تعقيدا و النزيف يزداد عمقا و الانقسام يزداد خطورة فيما البدائل و الحلول تبتعد و تغيب اكثر واكثر , وهوما يفترض استحضار كل ملابسات و تداعيات ما سبق لتجنب استنساخ البيانات الفاقدة للروح التي تعود على اصدارها القادة العرب ..
السلطات الجزائرية تؤكد أنه تم و قبل ايام على القمة استكمال التحضيرات اللوجستية لاستقبال ضيوف الجزائر من ملوك و رؤساء و رؤساء حكومات و ديبلوماسيين و اعلاميين في حدث يبدو أنه بدأ يثير من حوله التساؤلات حول ما يمكن ان تؤول اليه القمة العربية القادمة التي ما انفك البلد المضيف يؤكد انها ستكون قمة لم الشمل في حين تؤكد مختلف الاحداث العربية المتواترة أن لم شمل العرب يبدو مهمة مستحيلة في ظل العداء و التباين و الحقد المعشش في قلوب و نفوس الانظمة و الحكام العرب …
بلغة الارقام فان قمة الجزائر في دورتها ال31 ستكون الرابعة التي تحتضنها منذ انضمامها لجامعة الدول العربية في أوت 1962 بعد شهر من استقلالها حيث عقدت القمة الأولي بالجزائر والسادسة في تاريخ الجامعة العربية سنة 1973 في عهد الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، وشهدت انضمام موريتانيا للجامعة…و من ابرز ما صدر عن البيان الختامي لقمة 1973 اشتراط الدول العربية للسلام مع الاحتلال الإسرائيلي انسحابه من جميع الأراضي العربية المحتلة وفي مقدمتها القدس، واستعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه الوطنية الثابتة، الى جانب تقديم جميع أنواع الدعم المالي والعسكري للجبهتين المصرية والسورية من أجل استمرار في نضالهما ضد الاحتلال الإسرائيلي، واستمرار استخدام سلاح النفط العربي…
أما القمة الثانية التي احتضنتها الجزائر أيضا مؤتمر القمة العربية الخامسة في عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد في جوان 1988 لبحث مستجدات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة وإدانة الاعتداء الأمريكي على ليبيا.
وصدر عن تلك القمة الطارئة 8 قرارات، تمثلت في دعم الانتفاضة الفلسطينية، والمطالبة بعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط تحت إشراف الأمم المتحدة، تجديد التزام الجامعة العربية بتطبيق أحكام مقاطعة إسرائيل… وشددت على الوقوف إلى جانب لبنان في استعادة أراضيه، وتجديد التضامن الكامل مع العراق والوقوف معه في حربه ضد إيران، وإدانة الاعتداء الأمريكي على ليبيا.
أما القمة الثالثة التي احتضنتها الجزائر فكانت في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في مارس 2005، بمشاركة العاهل المغربي الملك محمد السادس…وجددت الدول العربية في تلك القمة الالتزام بمبادرة السلام العربية باعتماد القرارين 242 و 338 ومبدأ الأرض مقابل السلام ومرجعية مؤتمر مدريد…كما جددت تلك القمة احترام وحدة وسيادة العراق واستقلاله وعدم التدخل في شؤونه الداخلية،…وأكدت التضامن المطلق مع سوريا إزاء ما يسمى “قانون محاسبة سوريا” ومواصلة الجهود الرامية إلى تطوير وتحديث جامعة الدول العربية وتفعيل آلياتها لمسايرة التطورات العالمية المتسارعة…و في كل مرة كانت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة و على رأس الاولويات و الامر ذاته يبدو سيكون سيد المشهد في قمة 2022 و قد استبقت الجزائر القمة القادمة بدعوة اربعة عشرة فصيلا فلسطينيا للمشاركة في جلسة الحوار الشامل التي ستنطلق خلال الساعات القادمة و يبدو ان كل الفصائل ابدت رغبتها في المشاركة في هذا الحوار الفلسطيني- الفسطيني و هي نقطة تسجل للجزائر اذا تم الاستثمار جديا في هذه الخطوة و التوجه نحو الغاء الخلافات و الانقسامات او على الاقل تاجيلها من اجل استعادة البوصلة المفقودة و انقاذ ما بقي من حقوق منتهكة .. اخيرا و ليس اخرا فان قمة الجزائر تتجه للمطالبة باحياء ما يعرف بالمبادرة العربية التي كانت السعودية اطلقتها في قمة بيروت في 2002 …وحدها الايام القادمة ستكون كفيلة بالتاكيد او نفي ما اذا فهم الحكام العرب الدروس السابقة و تجنب السقوط الى الهاوية …
*كاتبة تونسية
قمة الجزائر.. وهشاشة المشهد العربي!
