د. إيمان شويخ*
بعدما تحول ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان والعدو الاسرائيلي إلى حدثٍ كاد يقلب موازين القوى في ظل إصرار أمريكا وإسرائيل على ضرورة توقيع الاتفاق تفادياً لاندلاع حرب ستكون نتائجها كارثية أمنياً وعسكرياً واقتصادياً، برزت يوم أمس (الخميس) إشارات سلبية من الجانب الإسرائيلي تمثلت برفض “إسرائيل” للملاحظات التي قدّمها لبنان حول مسودة الاتفاق بشأن ترسيم الحدود البحرية، في ظل معلومات قالت أن لبنان يتريث في الإدلاء بأيّ ملاحظات حول ما نشر عن الرفض الإسرائيلي وذلك ريثما يصدر موقف إسرائيلي رسمي حول موقفه من الملاحظات اللبنانية، فهل سقط الاتفاق قبل أن يُبصر النور؟
صحيحٌ أن الهمروجة الإعلامية أو (البروباغاندا) الإسرائيلية توحي بأن الحرب قاب قوسين أو أدنى من أن تشتعل على الحدود اللبنانية-الفلسطينية وذلك من خلال إصدار وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس تعليماته لجيش الاحتلال بالاستعداد لاحتمال حدوث تصعيد على الحدود مع لبنان، لكن ذلك لايعني أن “إسرائيل” المتورطة اليوم تريد التورط أكثر، فهي تجس النبض فحسب وترمي بالون اختبار للمقاومة، لكن البالون سينفجر في كاريش ومابعد بعد كاريش وفقاً للمعادلة التي أرساها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله.
وما التحذير الإسرائيلي الذي يخفي في طياته انقساماً عميقاً بين رئيس الحكومة المؤقت يائير لابيد الذي كان يشيد بالاتفاق قبل يومٍ واحدٍ من إطلاق تحذير التصعيد، وبين زعيم المعارضة بنيامين نتنياهو الذي يعتبر الاتفاق صفقة مخزية سترفد حزب الله بالقدرات العسكرية، ما هو إلا “حملات انتخابية” تستعملها إسرائيل لتقوية أوراق مرشحيها قبل الانتخابات المقررة في مطلع تشرين الثاني المقبل.
أما أمريكا التي تستعد لانتخاباتها النصفية منتصف تشرين الثاني فقد عبرت وزارة خارجيتها أن المفاوضات بشأن الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل في مرحلة حاسمة والفجوات تضيق.
وفي وقت مبكر من أمس الخميس أفاد موقع “أكسيوس”، نقلاً عن مسؤول رفيع بالبيت الأبيض، بأن “محادثات ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان في مرحلة حرجة”.وكان قد أفاد موقع “أكسيوس”، نقلًا عن ثلاثة مسؤولين إسرائيليين، بأنّ “أهم تغيير في مسودة الاتفاق الذي طالب به لبنان يتعلق بالاعتراف بـ”خط العوامات” كحدود دولية”.ولفت المسؤولون الاسرائيليون إلى أنّ “إسرائيل قامت بتركيب خط العوامات العائمة الذي يبلغ طوله ثلاثة أميال، والذي يمتد من ساحل رأس الناقورة إلى البحر الأبيض المتوسط بعد انسحابها أحادي الجانب من لبنان في عام 2000، وكان الاعتراف بـ “خط العوامات” مصلحة أمنية رئيسية لإسرائيل ومطالبها في المحادثات، كما أشاروا إلى أنّ “تثبيت “خط العوامات” مهم للغاية لأسباب أمنية”. ونقل الموقع عن المسؤولين الإسرائيليين، أنّ الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين “أبلغ القادة اللبنانيين أن إسرائيل مستعدة للتنازل عن أشياء كثيرة، ولكن ليس موقع خط العوامات، الذي سيتحول إلى حدود دولية متفق عليها”.
البيت الأبيض ذكر أن الاتفاق البحري بين لبنان وإسرائيل تراجع لكن يمكن إنقاذه.
والسؤال الذي يطرح، هل يعني الرفض أن هناك احتمال لنشوب الحرب في بحر المتوسط في حال سقط الاتفاق؟
بدأ الاهتمام بمنطقة شرق المتوسط باعتبارها منطقة غنية بالنفط والغاز في أواخر القرن العشرين، ويقدر تقرير لهيئة المسح الجيولوجية الأمريكية عام 2010 وجود 3455 مليار متر مكعب من الغاز و1.7 مليار برميل من النفط في هذه المنطقة، تتراوح قيمتها ما بين 700 مليار دولار و3 تريليونات دولار على حسب أسعار الخام المتغيرة.
وتبرز الحاجة إلى النفط المتوسطي لأوروبا اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى بسبب وقف روسيا إمداداتها من الغاز الروسي لدول الغرب، وبالتالي فإن مغامرة إسرائيل بالحرب ستضرب مصالحها الاقتصادية أولاً المتمثلة باستخراج الغاز والنفط، والانتخابية ثانياً والتي تتمثل في تحقيق انجازات قبل الانتخابات الاسرائيلية.
وبالتالي فإن الحل هو أن يتم تقاسم المصالح الاقتصادية دون المساس بالحقوق والقضايا السيادية و يمكن حينها إنقاذ الاتفاق خاصةً أن أمريكا لا يمكنها خلال هذه الفترة القصيرة من عمر حكومة يائير لابيد أن تدفعه لخوض حرب، ولا يمكنها أيضاً أي واشنطن أن تؤجل الاتفاق الى مابعد الانتخابات الاسرائيلية التي قد تأتي بنتنياهو رئيساً للحكومة والذي تعتري علاقته بالبيت الأبيض الكثير من النفور.
قرار الحرب اليوم يحكمه عامليْن الأول شعبي والثاني عسكري، فالناخب الاسرائيلي اليوم لايريد حرباً وكذلك الحال بالنسبة لجيش العدو الذي يعلم أن أي قرار حرب سيجعله جثثاً مكبّلة، والحكومة الاسرائيلية تستمع للجمهور والجيش من جهة، وترضخ للأوامر الأمريكية من جهة أخرى وبالتالي لا يمكن لحكومة لابيد أن تفجر الحدود وتعارض واشنطن، خاصةً أن العناصر التي أدت الى الاتفاق لازالت موجودة وأهمها أزمة الطاقة، وعجز أمريكا عن خوض حربٍ في شرق المتوسط فيما تخوض حرباً بالانابة في أوكرانيا ضد روسيا، إضافةً إلى العنصر الأهم وهو جهوزية المقاومة.
وبالتالي هناك استبعاد لخيار الحرب، والمخارج الأمريكية التفاوضية قد تحسم القضايا الخلافية العالقة بين الجانبين الإسرائيلي واللبناني، ورئيس حكومة الاحتلال يريد من التصعيد أن يظهر أنه قوي ورئيس الحكومة الأسبق نتنياهو خسر في معركة سيف القدس منذ عام وهو لن يجرؤ على مواجهة صواريخ المقاومة اللبنانية.
والجميع يعلم أنه اذا اشتعلت الحرب في البحر المتوسط وحولته الى بقعة ملتهبة فإن نارها ستحرق الجميع.
*صحافية وكاتبة سياسية
