د. شهاب المكاحله*
منذ العام 2011، وأنا من المتابعين للتطورات الروسية على الصعيد الدولي واستمع إلى خطابات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ولمعرفتي بعقلية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من متابعتي لكلماته في عدة مؤتمرات محلية ودولية كنت قد حضرت بعضها، فإنني أقول إن العالم لم يعرف قط حقيقة الرئيس الروسي ورؤيته لروسيا الحديثة. ففي خطابه يوم ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٢، وضع بوتين النقاط على الحروف للعالم وكيف على الجميع التعامل مع روسيا العظمى. وربما لم يركز الجميع على مقولته السابقة حين قال: ما نفع العالم دون روسيا.
ففي فبراير الماضي، جاءت أوامر بوتين للجيش الروسي بوضع ترسانته النووية، الأكبر في العالم، في “حالة تأهب قصوى” ردا على ما وصفه بالخطوات “غير الودية” من قبل الغرب. وكنت بعدها قد تحدثت مع أحد المقربين من القيادة الروسية الذي أخبرني بأن الغواصات الروسية الموجودة حاليا في البحر الأسود والبلطيق قادرة على إطلاق أكثر من 500 رأس نووي في ٣ دقائق وهو ما يضمن تدمير دول الناتو في دقائق.
وما حديث بوتين عن حاجة العالم إلى روسيا إلا إشارة الى المرحلة المقبلة تكون فيها روسيا لها الصدارة التي تعيد للعالم توازنه الحقيقي. فوضع قوات الردع النووي الروسية في “حالة تأهب قصوى” يعني باختصار استخدام ما لا يقل عن ١٠ منها تحمل رؤوسا نووية تكتيكية في المرحلة القادمة وفق العقيدة العسكرية الروسية إن اقتضت الضرورة ذلك.
بوتين اليوم يؤكد مقولة أوتو فون بسمارك، السياسي البروسي الشهير، الذي قال إن الروس يسرجون خيولهم ببطء إلا أنهم أي الروس ينطلقون بها بسرعة في إشارة إلى استعداد الجيش الروسي الطويل والبطيء نوعا ما من اجل العمل العسكري المركب ضد أوكرانيا. فالروس يحضرون للأسوأ وهذا بالضبط ما يفعله بوتين اليوم إذ ليس من السهل مواجهة كل الماكينة العسكرية والاقتصادية والدعاية الإعلامية الغربية الكاذبة. فبوتين يمتلك الحكمة والتخطيط والفراسة كونه يتقن لعبة الشطرنج على اعلى مستوى تتيح له التعامل مع رقعة الشطرنج العالمية بهدوء وروية.
بهذا الخطاب التاريخي الواضح حدد بوتين من هم أعداء روسيا ممن يحاربون الجنس البشري ويروجون للأعمال الشيطانية واللاأخلاقية. خطابه كان موجها للداخل والخارج لأنه -أي بوتين- يريد أن يمنح شعبه والشعوب المظلومة في العالم ما يستحقونه. فشعوب العالم الثالث والدول غير الغربية عاشت أكباش فداء في عالم من الذئاب التي لا ترحم. فمن نهب ثروات الدول العربية والأفريقية ودول أميركا الجنوبية؟
فبعد فشل العقوبات وارتدادها على صانعيها وبعد انخراط حلف الناتو في حرب زعزعة استقرار روسيا وما جاورها لاستنزاف القوات الروسية، نجد خطاب بوتين اليوم انه وضع العالم على فوهة بركان قد يثور فينتهي العالم بأسره أوقد يهدأ فترسو سفينة العالم على الجودي حيث النظام الثنائي القطبية مثلما كان الوضع عليه في الثمانينيات والسبعينيات من القرن الماضي.
نرى من الخطاب أن بوتين أكد ان الغرب مصمم على إشعال حرب عالمية ثالثة تكون أوروبا وقودها. بوتين يعلم هذا جيدا ويستعد لفرض واقع جديد يحد من الغطرسة الغربية، فهو مصمم على تنفيذ خططه سواء نشبت حرب موسعة ام بقيت نزاعات محدودة. فأوروبا آخذة في التفكك والتشرذم لأنهم تناسوا أنه عليهم الحفاظ على روسيا موحدة كحليف اقتصادي عبر تفاهمات جيوساسية معها للحفاظ على امن أوروبا. لكن ما نراه اليوم هو أن اوروبا تدفع الثمن بسبب امتثالهم لإرادة حلف الناتو.
حين كان مفاوضات أوكرانيا وروسيا في تركيا، كان الجانبان قاب قوسين أو أدنى من التوصل الى اتفاق يوقف القتال ويحقن الدماء وهذا ما أسفر عن الطلب من موسكو سحب قواتهم من ضواحي كييف، وهو ما تم فعلا، لكن الغرب أوقف العمل بالاتفاق بل مزقه إربا ورمى به عرض الحائط.
حين دخلت روسيا الحرب في شهر فبراير ٢٠٢٢، روسيا لم تكن مستعدة فعلا للمواجهة الشاملة مع الغرب، فكثير من المنظومات الدفاعية المتطورة لم تدخل بعد الخدمة لأنه لم يتم انتاجها بالكميات اللازمة للجيش الروسي، ولكن روسيا اضطرت للبدء بالهجوم مبكرا لأنه كان هناك عزم غربي بالهجوم الشامل على أجزاء من روسيا. حسابات بوتين كانت دقيقة جدا وكان يعرف تماما دور الغرب ونياته السيئة وان الغرب هو الذي يدير الحرب ويمولها ويسلحها، فالحرب ليست بين روسيا وأوكرانيا بل هي بين روسيا والناتو، ولهذا كان تلويج بوتين باستخدام النووي منذ البداية وهو ما سيحدث قريبا في بعض المناطق في أوروبا. فالمهادنة وبطء العملية الروسية في أوكرانيا كان غايتها كسب الوقت لحين اكتمال انتاج الاسلحة المتطورة بكميات كافية للجيش لعدة أشهر تحسبا للمواجهة الشاملة مع الغرب إذا اقتضى الأمر.
يبدو أن الصراع الروسي- الغربي دخل إلى نقطة اللاعودة، بعد إصرار كل طرف على فرض إرادته. فها هو الرئيس الروسي يعلن ضم المناطق الأوكرانية الأربع إلى الاتحاد الروسي دون أي اعتبار لأميركا والغرب. ففي خطاب ضم المناطق الأوكرانية الأربع لروسيا هاجم الرئيس الروسي بكل ضراوة واشنطن وحلفاءها متهما إياهم بالكذب والخداع ونهب ثروات الشعوب، ومخالفة القوانين الدولية، والنصب والتجسس وارتكاب الجرائم ضد الإنسانية، والعمل ضد الديموقراطية، وأن الولايات المتحدة لا تزال تحتل اليابان وكوريا وألمانيا.
من خطابه نرى أن بوتين يريد تغيير المعادلة العالمية واستعادة الهيبة السوفيتية. ففي مقالة نشرتها إحدى الصحف الأميركية: ” الغرب أساء قراءة ما يدور في ذهن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأن ضابط المخابرات السوفيتية السابق أمضى سنوات في مهاجمة نظام ما بعد الحرب الباردة وأرسل إشارات متكررة بشأن اعتزامه توسيع دائرة نفوذ روسيا.”
وأضافت الصحيفة أن بوتين سعى منذ ١٥ عاما إلى شجب الهيمنة الأميركية على الشؤون العالمية وانتقد بشدة النظام الأمني الدولي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بصفته تهديداً لروسيا. وكان بوتين قد بعث إشارات متكررة للغرب إلى اعتزامه توسيع نطاق النفوذ الروسي، ووصف توسع حلف شمال الأطلسي في شرق أوروبا بأنه تهديد وجودي لأمن روسيا.
أخبرني شخص مقرب من الرئيس بوتين إنه لا يرى في الغرب ندا حقيقيا لروسيا بل إن الغرب يدفع بالآخرين لمواجه روسيا في حرب استنزاف لإطالة أمد الحرب التي يراهن الغرب على أنها كلما طالت فإن الشعب الروسي سيفقد الثقة بقيادته وبجيشه فتعم الفوضى والمظاهرات والحراك الشعبي في ثورة ملونة يدعمها الغرب لتفتيت روسيا. يبدو أن النار وصلت الى أوروبا لا العكس وستعم المظاهرات وتمتلأ الشوارع الأوروبية بالجثث المتجمدة من شتاء بارد جدا تتفحم فيه الأبنية وما فيها.
*كاتب اردني
بماذا يفكّر بوتين الآن؟
