خالد شحام*
يستحضر اليوم ذكرى ميلاد محمد عليه السلام ، حدث صغير لمولود يتيم بدل معالم القيمة الآنسانية وأحدث اضطرابا في عرش الشيطان بما لا يمكن تحديد أبعاده ولا آفاقه ، حدث يمتد في مصير البشرية وارتقائها في ســلم الايمان وفهم لغز الحياة والعبرة منها .
حضور ذكرى مولد محمد تطل اليوم على الأمة بنفس منطق الفتور الذي تطل فيه كل الأحداث الجسام التي تزلزل الجبال ، و التعامل مع هذه الذكرى هو نفس منطق التعاطي مع كل القضايا المصيرية في أمة تشتت بها السبل وفتن النفط عقلها ، لقد تحولت ذكرى الميلاد العظيم إلى حدث اجتماعي صغير لا يتعدى تناول طبق من الحلوى وإعادة عرض فيلم الرسالة للعقاد ، والإكثار من الضحك مع الصلاة على النبي الأكرم .
القوم الذين بعث فيهم محمد تآمروا عليه قبل رحيله واليوم يتآمرون عليه ألف مرة في العام ويحتفلون بذكرى ميلاده مع شــموع من الخطايا العشر ويتحول الاسلام في البلاد العربية المرتدة إلى مجرد طقوس احتفالية تجمع وحشية الحضارة المعاصرة مع روح فاترة مستحضرة من قبو التاريخ .
لا شك أن رسالة محمد عليه السلام في وقته كانت مهمة جسيمة وصعبة بما يمكن أن تتخيله عقولنا الصغيرة ، فقد بعث الرجل في قوم أدمنوا حالهم وورثوا عاداتهم وعباداتهم وأسسوا اجيالا كاملة على نفس النهج المتحجر الذي لا يرحم فكيف يمكن لرجل واحد أن ينكر عليهم كل هذا التاريخ وكل هذا الثبات والنهج ؟ إنه تحد من المقياس العظيم ومن الصعب على قلب واحد ان يحمله .
ad
ضمن هذا المنطق لو شاءت إرادة الله ان يبعث محمدا من جديد في وقتنا هذا في هذه الشعوب التي نعاصرها وفي أوساط الحكومات العربية المعاصرة لربما كانت مهمته أكبر جسامة وأخطر تنفيذا ، لقد حورب محمد وحوصر مع جماعته وتعرض للتجويع والقطيعة على يد القبائل وحيكت ضده كل أشكال المؤامرات وخطط القتل والاغتيال في وقته ، اما في وقتنا الحالي فلو جرى بعثه من جديد فأغلب الظن أن محمدا سيعتقل في الجزيرة العربية بتهمة إثارة الفتنة والتآمر على حاكم البلاد والردة عن دين الأجداد ، ولو اعتقل في بلاد الشام أو مصر فعلى الأغلب سيعتقل بتهمة إثارة الفوضى والتخابر مع جهات خارجية وتكذيب دستور البلاد وسيحول إلى الفرع الأمني رقم 215 أو فرع الجوية ، أما القرآن الذي أوحي به إلى محمد فالعرب يؤمنون به بحكم إسقاطه التاريخي إلا من رحم الله ، ولو أنزل في عصرنا لكان موضع تسلية وفكاهة في برامج عمرو أديب وعكاشة وابراهيم عيسى وكتاب الصحف المحليون ذوي الأقلام المتشربة بالحمرة وغيرهم من السحرة الرقميين الذين فتنوا عقول الشعوب بالكذب وكاميرات هاروت وماروت ولسلقوه بألسنة حداد غلاظ ليتبين أنه جاسوس أو كاتب مدونات مجنون .
رسالة محمد الخالدة تحارب الان وبشدة من خلال خلق المجتمعات الطفيلية المرفهة والمجتمعات المسحوقة التي خلقتها الأولى تحت سلطة واوامر الشيطان ، طرفا نقيض تولدا من رحم الكفر البشري وإنكار مستحقات الخلق ، بما أن محمدا ورسالته حق فالشيطان الذي أقسم أن يغوي البشر هو حق أيضا وليس أسطورة من نسج القصص القديمة ويقيم عرشه في ذورة زمانه على هذه الأرض ، تم تحطيمم الدولة العثمانية على نواقصها بوصفها آخر معقل نافذ الحكم بإسم الإسلام ولو بالحد الأقل ثم تم اتخاذا القرار بألا تعود رسالة محمد لأمة العرب مهما كان الثمن ولذلك وعقب الظفر بسقوط الخلافة العثمانية تم وضع المرابط الصحيحة في كل بلد عربي وتقسيم المنطقة العربية ووضع الحراس اللائقين لضمان تفكيك رسالة محمد والحيلولة دون تكامل اركانها فعلا وقولا ، الان وبعد هذه السنوات الطويلة من الحرب التي لم تتوقف يوما يتم تسخير التقنية لتكون بديل الجنود والأمن والعسكر والسجون المادية الكبيرة ، هوليوود والانترنت والفضائيات والاعلام كلها أصبحت جزءا من مملكة الشيطان التي تحارب رسالة محمد بكل السبل السيكولوجية الفطرية التي تخص النفس البشرية بضعفها وعثراتها .
نستذكر اليوم ميلاد محمد الرسول والنبي الأمين ليس لأننا بحاجة إلى يوم عيد أو يوم فرحة في القلب او نريد أن نستعطف قلوب الضالين ، نفعل ذلك لأن ما نراه اليوم من هجمة على وجودنا وقيمنا أصبح شيئا مصيريا يتعلق بكل معاني الوجود وبكل معاني الكرامة والحرية والبقاء ، نستظل اليوم احتفالا بهذه المناسبة لأننا ندرك تماما ان التمسك بكل ما بقي لنا من رمزية محمد ورسالته إنما هو نجـــاة وديمومة عزة وقوة لنا جميعا في وجه أكبر وأخطر مرحلة من التاريخ المعاصر حيث الهجمة علينا بكل الأبعاد وكل الاتجاهات ومن كل المحاور المفترضة .
لم يعد التمسك بالرموز والمناسبات التي تحملها رسالة محمد مجرد رفاه او نشاطات تكميلية بقدر ما أصبح جزءا من المعركة و سلاحا جوهريا من أسلحتها ، التمسك بمحمد هو جزء من عقيدة مقاومة نهج الاستسلام والتسليم لبني اسرائيل الذي يعبر هواء المنطقة هذه الفترة بتيارات قوية ، إنها المضاد الحيوي الطبيعي لوباء الخيانة الذي مرغ زماننا بالتراب ، إنها البلسم الشافي للقهر واليأس الذي يبثونه في أرواحنا ، محبة محمد ورسالته ودينه هي جزء لا يتجزأ من عقيدة إطلاق الصاروخ وبدونها يحبط ، الغضب لنصرة محمد و الثورة ضد الاعتداء على مكانته هو جزء لا يتجزأ من دعم الأسرى المعتقلين في سجون الاحتلال والأحرار في سجون العرب وغير العرب .
اعتناق كل تفصيل وكل عبادة في دين محمد هو نهج حياة مقاومة لكل تيار الفواحش والانحلال والعقائد الحيوانية التي تجتاح عالم اليوم وتحوله إلى زريبة من البهائم حيث الانحلال فضيلة والجنس هو الأله المعبود بلا منازع أو وسيلة والقادم اعظم ، نصرة رمزية محمد هي دعم لكل مجاهد وكل طفل فلسطيني وعربي يقاوم المحتلين وغزاة البربر الجدد الذين يملؤون عواصم القهر ، الانتصار لدين الله والثورة على من يسيؤون لمحمد هو ديمومة العهد وثبات الرسالة وتجديد البيعة على عهد محمد وعهد الرسالة الاسلامية الخالدة اتي أحيت الشعوب وأحيت الخير والاحسان والعدل في صدور العالمين .
الثبات على دين محمد ونصرة محمد هو انتصار لكل حركة مقاومة ضد الشر والطاغوت من شرق الأرض حتى مغربها ، إذا أردت أن تكون ثائرا حرا مقاوما فليس من غير دين محمد هو الذي يعلمك الثورة البيضاء بلا ظلم ولا سفك ولا هدر حيث تخفق كل المذاهب الأخرى والأفكار التي من دونه ويرتقي نور الإسلام ليكون الهادي والفاصل بين الحق والباطل .
هذه الدنيا ما قبل ميلاد محمد ليست كما بعده ، ميلاد محمد عليه السلام كان ايذان الثورة على كل قارات الظلم والخطايا البشرية بحق بعضها ، كان ثورة مضادة من الإحسان والتنوير والوعي ضد القهر والمعاناة والجهل والتعتيم ، من كان يقرأ التاريخ ويقرأ عادات الشعوب ومعتقداتها وسلوكها قبل رسالة الأسلام لم يكن بمقدروه ان يصدق حجم الظلم والعتامة وفداحة الخسائر في الحياة وغرابة معتقدات البشر وسبق وحشيتهم على إنسانيتهم ، محمد عليه السلام قدم للبشرية جمعاء معاني الإنسانية وعظمة البشرية في روح الإحسان وروح العطاء والتضحية وحسن المعشر ، ما نظمه الإسلام في حياة الشعوب من قوانين وركائز فكرية عجزت كل البشرية عن الإتيان بها على مدى قرون طويلة من عمر البشر لأنه دين الله ودين المسامحة والمغفرة والفرص واعمار الإنسان والأرض .
رمزية محمد عليه السلام هي الطريق إلى عالم عادل متزن ، عالم يحب بعضه البعض ويشفق بعضه على بعض ، عالم لا قتل فيه ولا دماء ولا ظلم ، عالم يبني ولا يهدم يعطي ولا يحرم ، عالم لا فقر ولا جشع فيه ، لا يقبل فيه رشوات ولا تظلم فيه إمرأة ولا صبي ولا يجحد فيه ولد حق الأبوين ، عالم لست مضطرا فيه لأن تسرق ولا تكابد ولا أن تشتغل في المحرمات ……..هذا هو عالم محمد وهذه هي ديانة محمد وهذا هو العالم المحمدي الذي يحاربونه !
*كاتب فلسطيني
هذا هو دين محمد الذي تحاربوه!
