▪بقلم /فيصل مكرم*
▪إذا أردت أن تتعرف على ماهية الهُدَن المتعثرة بين طرفين متحاربين من بلد واحد فما عليك إلا أن تبحث في أسباب اندلاع الحرب في اليمن، وكيف جرت تطوراتها خلال سبع سنوات تكبد فيها اليمنيون كل ويلاتها وأهوالها وتبعاتها، وتعرض اليمن خلالها لكل أشكال وصور التدمير التي يشيب لها الرأس قبل أوانه، وحين تقف على حقيقة تسلسل الأحداث وتواتر الأزمات والصراعات الداخلية بين النخب والأقطاب في هذا البلد الذي دمرته حروب أبنائه وحرمت شعبه من أبسط حقوقه في الحياة الكريمة الآمنة والمستقرة، حينها ستدرك عزيزي القارئ أن حربًا لم ينتصر فيها أحد لن تتوقف عبر متواليات من الهُدَن لم يسع إليها طرف أو أطراف الصراع، وإنما تتم بضغوط دولية ووفق حسابات إقليمية ثم وساطة أممية، تتبعها تفاهمات ومشاورات هنا وهناك، ومطالب وشروط من هذا الطرف وذاك دون مسوغ يراعي مصالح البلد ولا الشعب الذي يئن تحت خط الفقر ومهدد بالمجاعة والجوائح، ولا مسؤولية واضحة وضمانات جادة على سريان هدنة تؤدي إلى نهاية الحرب المأساوية في اليمن والكارثية على شعبه وليس إلى استئنافها لسبع سنوات أخرى.
▪خلال بضعة أسابيع وقبل انتهاء الهدنة الممددة في الثاني من الشهر الجاري شهد اليمنيون عديدًا من الاستعراضات العسكرية من قبل طرفي الحرب والهدنة، كلٌ في مناطق سيطرته، وكلٌ وصف عرض قواته بأنه الأكبر والأضخم في تاريخ اليمن المعاصر، وتاريخ الشرق الأوسط الغابر، وتابع اليمنيون تلك العروض بحسرةٍ وقلقٍ وخوف فهذه الجيوش -أو سَمّها ماشئت- تنتمي بالولاء المطلق للأطراف التي خاضت حرب السنوات السبع وهي وحدات مُسلحة بكل أنواع الأسلحة وتم بناؤها على أنقاض المؤسسة العسكرية اليمنية التي تعرضت لعملية تفكيك وتدمير خلال بضع سنوات بشكل منظم لتحل قوات المتحاربين بديلًا مخيفًا لها، تلك الاستعراضات العسكرية أثارت مخاوف وقلق الشعب اليمني المغلوب على أمره من أن تكون نذير شؤم لاستئناف الحرب وليس وقفها خاصة أن الهُدن السابقة لم تخلق بصيص أمل لإنهائها، ولم يشعر المواطن اليمني البسيط أن ثمة ضوءًا في آخر النفق لجهة تحقيق السلام من خلال توافق وطني بين جميع الأطراف، ذلك أن الهُدن السابقة لم تحقق اختراقًا يمكن الحديث عنه بتفاؤل فلا تزال الطرقات مغلقة وبعض المحافظات معزولة عن أخرى، وهناك حكومتان ورئيسان وبرلمانان وقوات مدججة بالأسلحة موزعة الولاءات، وكيل الاتهامات بخروقات بين أطراف الهدنة لم يتوقف، واليمنيون بلا رواتب ولا خدمات، ولا دولة تديرها مؤسسات فعلية، ولا حقوق دستورية، وعرضة لكل أشكال الانتهاكات التي يبررها القائمون على السلطات المسيطرة على مناطقها بالحرب تحت مسميات عديدة بهدف إخضاع الشعب لواقع مرير فُرِضَ عليه باسمه ولم يكن لهذا الشعب يدٌ فيه ولا خيار.
▪والحاصل أن أزمة اليمن في تعقيد مستمر وفي حالة لاحرب ولا هدنة ولا سلام ولا حرص من ذوي القرار على مصالحه العليا وخيارات شعبه السلمية ليعيش كبقية الشعوب ويستفيد من ثروات ومقدرات وطنه، ويعود المشتتون إلى وطنهم بأمن وأمان، ولكي تستمر عجلة الحياة في الدوران عوضًا عن آليات الحرب والدمار، وتُبنى صروح التنمية والإعمار عِوضًا عن المقابر والمتاريس، وتتحرر المدن من الحصار الموحش الذي بات أكثر توحشًا، كلما ذهب الخصوم إلى هدنة لا تفكُ حصارًا، ولا تسقي زرعًا، أو حرب لا تُبقي ولا تذر، وكأننا عدنا إلى عصور الجهل والتخلف عن الحضارة، نحارب بعضنا بعضًا بالأصالة عن أحقادنا وأطماعنا وبالنيابة عن غيرنا، والخوف كل الخوف أن تتبخر الآمال بهدنة جديدة لتندلع حرب ربما تستمر لسنوات يُهزم فيها البلد مجددًا ويتكدر منها الشعب بالمعاناة، خاصة أن المستفيد من بقاء الحرب ومن الهدن الهشة هم ذاتُهم من يدفعون ببقاء الوضع على ماهو عليه معقدًا ومخيفًا للمواطن اليمني، ومنسيًا بالنسبة للإقليم والعالم، ولن يتبقى لدينا سوى أطلال دمار، وبقية ميادين نقيم عليها استعراضات لحشود مسلحة تعبيرًا عن جاهزية قتالية ومقدرة فائقة على البطش بكل من تسول له نفسه بالمطالبة بحقوقه والتعبير عن إرادته في دولة حقيقية تراعي مصالحه، وعدالة تقوم على المواطنة المتساوية وحكم رشيد يختاره اليمنيون ويعبر عنهم وعن تطلعاتهم المشروعة في حياة كريمة يستحقونها .
*نقلا عن الراية
fmukaram@gmail.com
