▪بقلم / فيصل مكرم *
▪دعك من الحديث عن الوحدة العربيّة فهو اليوم حديث عن المُستحيل، ولا تتعب نفسك كثيرًا بالحديث عن التضامن العربي وأهميته لنصرة قضايا الأمة ومواجهة التحديات المُحدقة بها، فالحديث عن التضامن العربي لم يعد له أولوية للدول العربية من المُحيط إلى الخليج، ذلك أنها إما مُنشغلة بهمومها ومصالحها وإما بمشاكلها الداخلية وأزماتها المتعددة، أو بمنازعاتها وحروبها، وبالتالي لم يعد هناك مُتسع للحديث عن الوحدة والتضامن أقلّه في الوقت الراهن وعلى المدى المنظور، وهذا لا يعني موقفًا من التضامن العربي، وإنما هي الحسرة مما آلت إليه أمتنا من تباعد وخصومة ويأس، ومن تباين في المواقف والمصالح والتحديات، فلو وجد التضامن أصبح الأمل ممكنًا في الوحدة وإن طال انتظارها.
▪ ويجدر بنا اليوم الحديث عن قطاع التعليم في العالم العربي الذي يعاني من التراجع والتخلف عن ركب العصر، ما يُثير الكثير من القلق، فهذه الأمة التي كانت منارةً للعلم والإبداع الإنساني في عصور الظلام تراجع مستوى التعليم فيها بدرجة كبيرة ما نتج عنه أجيال من أنصافِ المُتعلمين وأقل من ذلك، كما أن مُخرجات التعليم في الوطن العربي -خلال سبعة عقود مضت- لا تمنحك تفاؤلًا حقيقيًا بمُستقبل مُزدهر لهذا القطاع الحيوي والمؤثر في مُستقبل الأجيال، وفي صيرورة المُجتمع الحضارية والثقافية، والإبداع في ميادين البحث والمعرفة والابتكار في كل مجالات الحياة بما يُمكّن هذه الأمة من الاعتماد على أبنائها في البناء والازدهار، والاستفادة من ثرواتها الطبيعية وتوسيع مجالات الصناعة والإنتاج، وتعزيز انتمائها الثقافي والإنساني لموروثها الحضاري العظيم، وتحصينها من الأفكار الهدّامة ومن التطرف، والإرهاب، ومن التبعية العمياء لمن يَضيقون ذرعًا بخصائص وتراث وموروث هذه الأمة بل ولا يتمنّون وجودها.
▪ الأمم المُتقدمة جعلت النهوض بقطاع التعليم في أعلى سلم أولوياتها، واستثمرت في هذا المجال بكل مُكوناته وتخصيص الأموال الباهظة، والكادر المُتخصص، ما جعلها اليوم في المكانة التي هي عليها من تقدم وازدهار ومقدرة على المُنافسة في كل المجالات، وهذا ما تفتقر إليه الدول العربية بأغنيائها وفقرائها، ما أثر سلبًا على نهوضها وعلى استقرارها الداخلي، ومقدرتها على مواجهة التحديات والمخاطر والجوائح بوسائل الإنتاج، والاعتماد على عقول وسواعد أبنائها في توظيف مواردها وثرواتها لجهة مواكبة الأمم المتقدمة، خاصة أن العالم العربي يمتلك من الثروات والموارد ما يمكنه من إنشاء صندوق عربي للنهوض بالتعليم والبحث العلمي في العالم العربي وفق خطط وبرامج ومسارات واضحة تؤدي مُخرجاتها إلى النهوض بهذا القطاع المعنيّ ببناء الإنسان، وبحيث تُساهم فيه الدول الغنية بسخاء على شكل استثمار يعود بالنفع على الشعوب العربية والأجيال القادمة وتُحدد مجالات الدعم الذي يقدمه الصندوق بشروط مُلزمة للدول الفقيرة تصب في تغيير جذري في وسائل ومناهج التعليم الأساسي التقليدية، وتراعي خصوصية المُجتمع وثقافته وموروثه الحضاري والإنساني في تكون الإنسان، وتؤهله إلى مجالات التعليم العالي والأكاديمي والتعليم المُتخصص المهني، وهنا لا بد أن يحظى قطاع البحث العلمي بتمويل سخيّ، واستقدام الخبراء المُتخصصين في شتى العلوم لبناء وتأهيل الإنسان العربي وتوظيف ملكاته الإبداعية في إنتاج علماء حقيقيين في كل المجالات.
▪ إن التعليم السليم لا بد أن تكون مُخرجاته نافعةً للوطن والمُجتمع، وبناء الإنسان يُقلل من مخاطر الانزلاق في دوامة التخلف، ويخلق أجيالًا مُسلحة بالعلم والمعرفة، ويُحرك عجلة التنمية ويرفع مستويات النمو الاقتصادي والمعيشي، ويخفض نسب الفقر والجهل والفاقة والاتكال على الآخرين، وفي اعتقادي أن القيادات العربية تُدرك أهمية التعليم في خلق استقرار شامل على الصعيدين المحلي والعربي، وتعميم ثقافة التعايش والتضامن والمصير المُشترك بين شعوبها لنصرة قضاياها ولمواجهة كل تحديات العصر ومُتطلباته ومخاطره، وهنا تكمن ضرورة أن تتبنى جامعة الدول العربية عقد قمة عربية تُكرس لبحث آفاق دعم وتطوير قطاع التعليم والبحث العلمي في الوطن العربي، يتم التحضير لها بصورة جيدة ومدروسة من قِبل خبراء وأكاديميين وعلماء في الاقتصاد والتنمية والتعليم من جميع الدول العربية بحيث يسهم هذا التحضير والإعداد في خلق توافق بين القادة والزعماء وأصحاب القرار وقناعة لجهة إنشاء صندوق عربي لدعم التعليم والبحث العلمي في الوطن العربي وفق لوائح وبرامج وشروط لا تقبل المساومة ولا ينقصها الرقابة والمُتابعة والتقييم الدوري من قِبل هيئة مُتخصصة من الصندوق العربي، الذي تُشرف عليه الجامعة العربية والمؤسسات العربية ذات العلاقة، وبحيث يعود نفعه على الأمة كلها، وتأسيس نظام تعليم عربي يُشكل نقطة تحول فارقة في تاريخ الوطن العربي المُعاصر وفي مُستقبل أجياله.
عن جريدة الراية
