اليمن الحر الأخباري

تفوّق نزعة المصلحة الامريكية!

د. حسناء نصر الحسين*
على وقع النار والحديد واستمرار تقديم حلف الناتو الدعم العسكري المتطور لنظام كييف واستماتة هذا الغرب لإعلان هزيمة مدوية لموسكو تتسارع الاضطرابات والتحركات الشعبية في الدول الغربية المناهضة لسياسات حكامهم في الانجرار وراء السياسات الأمريكية التي يعرفها القاصي والداني بأنها دولة لا صديق لها ولا حليف عندما يتعلق الأمر بمكانتها العالمية كسيدة اولى مهيمنة على القرار الدولي وفي سبيل الحفاظ على هذا العرش تقامر واشنطن وتغامر بكل ما هو صديق او حليف ففي السياسة لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة انما هناك مصالح دائمة فكيف ان وجد حكام البيت الأبيض ان مصلحتهم تكمن في إضعاف الدول الغربية التي قامت بمعصية كبيرة عندما انفتحت على الكرملين وبدأت ببناء علاقات دبلوماسية مع النظام فيه ولعل هذا السبب واسباب استراتيجية اخرى ادت الى ذهاب واشنطن لدفع الغرب للقيام بفتح بؤرة توتر على الحدود الروسية من بوابة اوكرانيا وبذا تكون واشنطن اصطادت اكثر من عصفور بحجر واحد .
الا ان المخطط الامريكي لهذه الحرب والنتائج المأمولة منها واهمها هي هزيمة الروس في هذه المعركة وعودة حلفائها الغربيين لبيت الطاعة الامريكي وهم الذين ذهبوا مع الروس لتأمين مواردهم من الطاقة من روسيا وأيدوا مشروع نورد ستريم 2 وقد تكشف الايام القادمة ان هذا هو أكثر الأسباب صوابية لذهاب امريكا بالغرب الى هذه الهاوية بعد هذه الهزيمة وبالتالي توجه رسالة مكتوبة بالدم والنار للصين بناءا على مخرجات هذه الحرب التي كانت واشنطن ترى نتائجها مختلفة تماما عن ما هي عليه في الواقع الميداني والسياسي .
الا ان قوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وذهابه لاستخدام اوراقه الأكثر تأثيرا على المجتمعات الغربية والتي دفعت الى مظاهرات واحتجاجات ستؤثر بشكل كبير على الحكومات وتؤدي الى اسقاطها فكانت ورقة الطاقة والغذاء اهم اوراق بوتين التي دخلت هذه الحرب وحصلت على نتائج اكثر تأثيرا من صوت المدافع والبارود .

لتذهب شعوب القارة العجوز الى مستقبل مجهول برفقة التضخم والبطالة والخوف من الصقيع الذي سيؤدي بحياة المئات من شعوب هذه الدول بينما واشنطن تشعر بأنها الرابح الاكبر وهي تبيع الوقود للدول الغربية بأربع أضعاف سعر الوقود الروسي .
لتبقى التصريحات بدعم نظام كييف وارسال ترسانات الاسلحة الى هذا النظام المهزوم وافشال اي نوع من انواع الحلول السياسية عبر المفاوضات يعبر عن ارادة البيت الابيض الذي يأمل بإحداث خرق في جبهة او ميدان .
لتأتي الانتخابات النصفية الامريكية محملة بمخرجات السياسات الامريكية الخاطئة بفتح حرب مع روسيا وتكمن اخطاء هذه السياسات بسوء تقدير صناع القرار في واشنطن بنتائج هذه الحرب ومدتها الزمنية وهذا يعتبر فشلا استراتيجيا للسياسات الامريكية في هذه الحرب فسوء التقدير وغياب قراءة واضحة عن قوة الخصم واوراق قوته ادت الى نتائج غير محسوبة وغير مرغوب فيها امريكيا وغربيا.
امام حالة التضخم وتراجع القيمة الشرائية وقرار الحكومات برفع قيمة الفائدة واغلاق الشركات بسبب غلاء الوقود الامريكي وصعوبة الحصول عليه ادى الى حالة ازدياد البطالة وهذا الواقع ليس في الدول الغربية فقط بل في امريكا ايضا ، وهذا السبب وراء ذهاب واشنطن لاجراء مفاوضات مع كبار مستشاري الرئيس بوتين الذي يعلم جيدا نقاط القوى والضعف عند خصومه فكيف ان ذهبت هذه النتائج لتعصف بنتائج الانتخابات النصفية لتؤثر على القاعدة الشعبية للحزب الديمقراطي الحاكم الذي قد لا يحظى بفرصة ثانية للحكم في الدورة الرئاسية التالية .
هذه الأسباب الأمريكية الخالصة دفعت بواشنطن لتوجيه زيلنسكي للعودة للانفتاح على الحوار وبث الروح في المفاوضات من جديد مع روسيا الاتحادية وما التسريبات التي أتت من عدة صحف أمريكية منها الواشنطن بوست التي عنونت احد مقالاتها بأن الولايات المتحدة طلبت سرا من اوكرانيا الانفتاح على محادثات سلام مع روسيا وهذا ما يتوافق مع تسريب اخر عن مفاوضات غير معلنة بين كبار مستشاري البيت الأبيض والكرملين يؤكد ان أمريكا في طريقها للتسليم بالواقع الجديد الذي رسمته موسكو بعد ان قامت بضم الجمهوريات الاربعة الى روسيا الاتحادية والاعتراف بهذا الواقع هو الامر الذي شدد عليه فلاديمير بوتين كعنوان رئيس لأي مفاوضات او حلول تنهي هذه الحرب وتثبت الواقع الدولي الجديد وفق الخرائط الروسية وليس كما تشتهي امريكا فقرار الحرب الذي اتخذته موسكو يتعلق بمكانتها على الساحة الدولية كقوة عظمى يغير ملامح النظام الدولي ذو القطب الأوحد .
النصر الروسي والعجز الأمريكي عن تحقيق مكاسب تذكر على الساحة الأوكرانية على الرغم من الضربة الموجعة باستهداف انابيب نورد ستريم 2 والاسطول البحري الروسي في البحر الأسود الا ان هذه الضربات جعلت الجانب الروسي اكثر شراسة لناحية الرد في اكثر من ميدان ولعل تلويحه بالخروج من اتفاقية الحبوب التي تؤدي الى مجاعة والعودة اليها بوساطة تركية عبر الحصول على ضمانات مكتوبة من حكومة زيلنسكي لتكسب موسكو مرة اخرى على الخريطة العالمية بالحصول على دعم القارة الافريقية من خلال التزام موسكو بايصال الحبوب اليها وللدول الفقيرة بالمجان ليكسب مرة اخرى فلاديمير بوتين في الجولة التي تحدد مكانة بلاده كقوة عظمى في النظام العالمي الذي تصبو اليه موسكو.
بدت هذه التسريبات الخاصة بعودة المفاوضات الروسية الاوكرانية وما تلاها من تسريبات عن مفاوضات سرية امريكية روسية تؤكد ان الحاجة لهذه المفاوضات امريكية بحتة لتنسف احلام الامبراطورية الامريكية من الحفاظ على هيمنتها على العالم الى كسب المعركة الانتخابية التي يقودها الحزب الديمقراطي في الداخل الامريكي الذي يعاني مرة اخرى من تقدم الحزب الجمهوري في هذه المعركة الانتخابية فالحكومات الامريكية ديمقراطية كانت ام جمهورية لا تقيم اي قيمة لحلفائها او أصدقائها فكل الأوراق رخيصة جدا امام المصلحة الامريكية على مستوى المصالح الخارجية او المصالح الحزبية الامريكية .
*باحثة في العلاقات الدولية – دمشق

Exit mobile version