اليمن الحر الأخباري

كرامة السجناء

 

/إبراهيم الحكيم
تتابع الانباء المقلقة بوتيرة مكثفة وملفتة عن أحوال مفزعة وأهوال مرعبة لفظاعات مروعة تحدث هنا في العاصمة صنعاء وتحديدا داخل السجون. انباء مخيفة تحقنك بجرعات مستفزة، تجعل اعصابك منفلتة، وتحرض روحك المنهكة على الصراخ والانتفاضة، فتقرر الوقوف على الحقيقة مهما كلف الامر من مشقة، وهذا ما حدث معي، فإذا بها حقيقة مفاجئة، ومخالفة للمتوقع، محبطة ومبهجة في آن معا !!.
حقيقة واقع السجون (الاصلاحيات) في نطاق سلطة المجلس السياسي، كما بدت لدى زيارتي يوم الاحد برفقة اعلاميين وحقوقيين وناشطين للاصلاحية المركزية (السجن المركزي) بالعاصمة صنعاء؛ كانت محبطة لمن يبثون تلك الانباء ويتحدثون عن تلك “الاحوال المفزعة”، ومبهجة لمن سعوا إلى تقصي الحقيقة من داخل الاصلاحية.
شخصيا سبق لي ان دخلت السجن المركزي زائرا لزميل منتصف التسعينيات. لكنها المرة الاولى التي أطوفه بكامل مرافقه. توقعت مشاهدة عنابر قذرة مكدسة بسجناء شعث غبر ثيابهم رثة ولحاهم مهلهة وصدورهم عارية عليها اثار مروعة جراء “التعذيب الوحشي” وفقا لتلك الانباء الكثيفة والصورة التي تُمعن في رسمها وتعميمها.
لكن المفاجأة لي وجميع المشاركين في هذه الزيارة المباغتة إثر مطالبة تجمع الحقوقيين والاعلاميين والناشطين امام بوابة السجن؛ أن واقع الحال بالداخل كان بخلاف تلك الصورة النمطية التي ارتسمت في الاذهان وانطبعت في الوجدان، فالعنابر وملابس النزلاء كانت نظيفة، وتكاد لا تميز بينهم والزائرين إلا ببطاقة زائر!.
الاكثر ادهاشا لي – على الاقل – هو أن السجن المركزي (الاصلاحية المركزية) الذي يظهر من الخارج في العاصمة صنعاء وغيرها قلعة مخيفة؛ بدا من الداخل مدينة مكتملة المظاهر .. شوارع، مسجد، مدرسة (كلية وجامعة)، ملاعب، حدائق، مخبز، مستشفى، معامل، مشاغل، ورش، مزارع، ومنازل ممثلة في عنابر نوم النزلاء !!.
قد يتفاجأ كثيرون وربما لا يصدقون أن نزلاء السجن توفرت لجميعهم فرص عمل يكسبون منها دخولا فوق المتوسطة، يعيلون بها أسرهم. نعم فقد تعلم النزلاء حرفا متنوعة واكتسبوا مهنا تشمل النجارة والحدادة والخياطة وانتاج الجلديات والطباخة والزراعة وتربية الماشية، بل ان احد الاطباء المحكومين بقضية افلاس مستشفاه صار طبيبا بمستوصف السجن!.
بدا لنا أن إدارة السجن وقيادة مصلحة التأهيل والإصلاح لا تفوت أي فرصة سانحة في هذا. حتى أن ملابس السجناء عند انتقالاتهم إلى المحكمة لحضور جلسات الاستئناف والطعن؛ أرست المصلحة مناقصة حياكتها ( ١٠٠٠ زي) على السجناء العاملين في معمل الخياطة داخل الاصلاحية بقيمة ٢.٥ مليون (بواقع ٢٥٠٠ ريال للزي) حسب رئيس المصلحة!.
كذلك أسِرّة السجناء، كانت مصنوعة من حديد خفيف سهل الكسر، فتعاقدت المصلحة مع النزلاء العاملين في ورشة الحدادة على انتاج ١٠٠٠ سرير من حديد متين الخامة وفرته لهم. وبالمثل ورشة الالمنيوم بعد توفير المصلحة آلة ثني وتشكيل حديثة وآلة نحت النقوش الكترونيا لورشة النجارة؛ إزدهر انتاجهما تصميما وتنفيذا وجودة وبيعا بأسعار مغرية!.
الحال نفسها في مخبز ومطعم الاصلاحية. النزلاء يعملون فيهما بعقود عمل مقابل رواتب شهرية تحمي اسرهم من التشرد والضياع أو الوقوع فريسة للذئاب البشرية ومنتهزي الفقر والعوز. حتى الحليب والالبان وغاية توفيرها ذاتيا، قادت إلى استحداث مهنة تربية المواشي (١٠٠ رأس) ومهنة زراعة الذرة والأعلاف أيضا!.
على أن الابهج، هو مدرسة الاصلاحية. تحوي معامل كيمياء وفيزياء وحاسوب!، وتضم صفوفها هذا العام ١٤٨ طالبا بمختلف مراحل التعليم العام (محو امية) و١٢٠ طالبا بالصف الثالث ثانوي، يٌضاف إليهم ٢٠ طالبا جامعيا و ٣ طلاب يحضرون الماجستير ويسعون لنيل الدكتوراة اقتداء بزميل سابق لهم، نالها قبل انهاء محكوميته.
الزيارة التي استدعت حضور رئيس مصلحة التأهيل والإصلاح اللواء عبد الحميد المؤيد، وسمّاها اعلام وزارة الداخلية “زيارة تفقدية نفذها رئيس المصلحة”؛ شملت أيضا سجن النساء، وكان واقعه أيضا بخلاف ما تتداوله وسائل اعلام ومواقع اخبارية تابعة لتحالف العدوان والموالين له. وجدناه منظما ونظيفا، تحرسه شرطة نسائية، وبه كبينة اتصالات!.
لاحظنا، حين دخلنا سجن النساء بعد اشعار النزيلات بزيارتنا؛ انشاء روضة تحوي العابا لاستقبال اطفال النزيلات، ومشغل خياطة، ومعمل إنتاج للبخور، بدعم صندوق الامم المتحدة للتنمية. وتوقعت أن تكون الزيارة فرصة لشكوى النزيلات، لكنهن نفين تعرضهن لمضايقات أو “حالات انتحار”. وأكدن “استعادة كرامة فقدناها خارج السجن”.
الملاحظات والانطباعات كثيرة. دعتنا لتأمل ان تكون الحال نفسها بجميع المرافق التابعة لمصلحة التأهيل والإصلاح. من جانبه اكد رئيس المصلحة هذا، وحين سألته عن مصير السجينات اللاتي أنهين محكومياتهن وتعذر خروجهن لتبرؤ اهاليهن منهن، زف لنا بشرى قرب افتتاح دار

كرامة السجناء

اليمن الحر الأخباري /إبراهيم الحكيم
تتابع الانباء المقلقة بوتيرة مكثفة وملفتة عن أحوال مفزعة وأهوال مرعبة لفظاعات مروعة تحدث هنا في العاصمة صنعاء وتحديدا داخل السجون. انباء مخيفة تحقنك بجرعات مستفزة، تجعل اعصابك منفلتة، وتحرض روحك المنهكة على الصراخ والانتفاضة، فتقرر الوقوف على الحقيقة مهما كلف الامر من مشقة، وهذا ما حدث معي، فإذا بها حقيقة مفاجئة، ومخالفة للمتوقع، محبطة ومبهجة في آن معا !!.
حقيقة واقع السجون (الاصلاحيات) في نطاق سلطة المجلس السياسي، كما بدت لدى زيارتي يوم الاحد برفقة اعلاميين وحقوقيين وناشطين للاصلاحية المركزية (السجن المركزي) بالعاصمة صنعاء؛ كانت محبطة لمن يبثون تلك الانباء ويتحدثون عن تلك “الاحوال المفزعة”، ومبهجة لمن سعوا إلى تقصي الحقيقة من داخل الاصلاحية.
شخصيا سبق لي ان دخلت السجن المركزي زائرا لزميل منتصف التسعينيات. لكنها المرة الاولى التي أطوفه بكامل مرافقه. توقعت مشاهدة عنابر قذرة مكدسة بسجناء شعث غبر ثيابهم رثة ولحاهم مهلهة وصدورهم عارية عليها اثار مروعة جراء “التعذيب الوحشي” وفقا لتلك الانباء الكثيفة والصورة التي تُمعن في رسمها وتعميمها.
لكن المفاجأة لي وجميع المشاركين في هذه الزيارة المباغتة إثر مطالبة تجمع الحقوقيين والاعلاميين والناشطين امام بوابة السجن؛ أن واقع الحال بالداخل كان بخلاف تلك الصورة النمطية التي ارتسمت في الاذهان وانطبعت في الوجدان، فالعنابر وملابس النزلاء كانت نظيفة، وتكاد لا تميز بينهم والزائرين إلا ببطاقة زائر!.
الاكثر ادهاشا لي – على الاقل – هو أن السجن المركزي (الاصلاحية المركزية) الذي يظهر من الخارج في العاصمة صنعاء وغيرها قلعة مخيفة؛ بدا من الداخل مدينة مكتملة المظاهر .. شوارع، مسجد، مدرسة (كلية وجامعة)، ملاعب، حدائق، مخبز، مستشفى، معامل، مشاغل، ورش، مزارع، ومنازل ممثلة في عنابر نوم النزلاء !!.
قد يتفاجأ كثيرون وربما لا يصدقون أن نزلاء السجن توفرت لجميعهم فرص عمل يكسبون منها دخولا فوق المتوسطة، يعيلون بها أسرهم. نعم فقد تعلم النزلاء حرفا متنوعة واكتسبوا مهنا تشمل النجارة والحدادة والخياطة وانتاج الجلديات والطباخة والزراعة وتربية الماشية، بل ان احد الاطباء المحكومين بقضية افلاس مستشفاه صار طبيبا بمستوصف السجن!.
بدا لنا أن إدارة السجن وقيادة مصلحة التأهيل والإصلاح لا تفوت أي فرصة سانحة في هذا. حتى أن ملابس السجناء عند انتقالاتهم إلى المحكمة لحضور جلسات الاستئناف والطعن؛ أرست المصلحة مناقصة حياكتها ( ١٠٠٠ زي) على السجناء العاملين في معمل الخياطة داخل الاصلاحية بقيمة ٢.٥ مليون (بواقع ٢٥٠٠ ريال للزي) حسب رئيس المصلحة!.
كذلك أسِرّة السجناء، كانت مصنوعة من حديد خفيف سهل الكسر، فتعاقدت المصلحة مع النزلاء العاملين في ورشة الحدادة على انتاج ١٠٠٠ سرير من حديد متين الخامة وفرته لهم. وبالمثل ورشة الالمنيوم بعد توفير المصلحة آلة ثني وتشكيل حديثة وآلة نحت النقوش الكترونيا لورشة النجارة؛ إزدهر انتاجهما تصميما وتنفيذا وجودة وبيعا بأسعار مغرية!.
الحال نفسها في مخبز ومطعم الاصلاحية. النزلاء يعملون فيهما بعقود عمل مقابل رواتب شهرية تحمي اسرهم من التشرد والضياع أو الوقوع فريسة للذئاب البشرية ومنتهزي الفقر والعوز. حتى الحليب والالبان وغاية توفيرها ذاتيا، قادت إلى استحداث مهنة تربية المواشي (١٠٠ رأس) ومهنة زراعة الذرة والأعلاف أيضا!.
على أن الابهج، هو مدرسة الاصلاحية. تحوي معامل كيمياء وفيزياء وحاسوب!، وتضم صفوفها هذا العام ١٤٨ طالبا بمختلف مراحل التعليم العام (محو امية) و١٢٠ طالبا بالصف الثالث ثانوي، يٌضاف إليهم ٢٠ طالبا جامعيا و ٣ طلاب يحضرون الماجستير ويسعون لنيل الدكتوراة اقتداء بزميل سابق لهم، نالها قبل انهاء محكوميته.
الزيارة التي استدعت حضور رئيس مصلحة التأهيل والإصلاح اللواء عبد الحميد المؤيد، وسمّاها اعلام وزارة الداخلية “زيارة تفقدية نفذها رئيس المصلحة”؛ شملت أيضا سجن النساء، وكان واقعه أيضا بخلاف ما تتداوله وسائل اعلام ومواقع اخبارية تابعة لتحالف العدوان والموالين له. وجدناه منظما ونظيفا، تحرسه شرطة نسائية، وبه كبينة اتصالات!.
لاحظنا، حين دخلنا سجن النساء بعد اشعار النزيلات بزيارتنا؛ انشاء روضة تحوي العابا لاستقبال اطفال النزيلات، ومشغل خياطة، ومعمل إنتاج للبخور، بدعم صندوق الامم المتحدة للتنمية. وتوقعت أن تكون الزيارة فرصة لشكوى النزيلات، لكنهن نفين تعرضهن لمضايقات أو “حالات انتحار”. وأكدن “استعادة كرامة فقدناها خارج السجن”.
الملاحظات والانطباعات كثيرة. دعتنا لتأمل ان تكون الحال نفسها بجميع المرافق التابعة لمصلحة التأهيل والإصلاح. من جانبه اكد رئيس المصلحة هذا، وحين سألته عن مصير السجينات اللاتي أنهين محكومياتهن وتعذر خروجهن لتبرؤ اهاليهن منهن، زف لنا بشرى قرب افتتاح دار ايواء لهن، وتواصل تزويج من حالفهن النصيب عبر المحكمة.

ايواء لهن، وتواصل تزويج من حالفهن النصيب عبر المحكمة.

Exit mobile version