اليمن الحر الأخباري

المعرفة ودورها في بناء اقتصاد قائم على التكنولوجيا الحديثة

خليل عبد الحميد*
مما لاشك فيه إن المعرفة عبر التاريخ الإنساني كانت دائماً مصدر بناء للحضارات الإنسانية في كل زمان ومكان منذ أن تفتح وعي الإنسان وتطور من المستوى البدائي للحياة إلى أن أصبحت المعرفة لها تأثير في تكوين حضارته المتنامية، حيث ازدهرت الأمم والحضارات وتطورت عندما أيقنت الإنسانية إن المعرفة يجب أن تزدهر وتتطور وتنمو، وبذلك أصبحت المعرفة العامل الأساس والمحرك لتطور الشعوب ولها تأثير على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومع مطلع الألفية الثالثة أصبح التحول الثالث في مستوى النضوج بعد الزراعة والصناعة حيث إن ثمار المعرفة قد أعطت فوائدها المرجوة لها وكانت نتاج تلك الجهود هو ظهور ثورة المعلومات والاتصالات فبلغ حجم السوق العالمية للخدمات المعلوماتية عام (2005) أكثر من (7) ترليون دولار.
و قد شهدت الألفية الجديدة قفزات كبيرة في الاستخدام المتزايد للإنسان لأدوات وتكنولوجيات مختلفة، من أهمها التكنولوجيات الحديثة للإعلام والاتصال.
وهذه الأخيرة فجرت ثورة هائلة في نظم الاتصال و المعلومات، وساهمت بذلك في تنمية و توجيه الاقتصاد و المجتمع الدولي إلى المزيد من التقارب، ليصبح من غير الممكن أن ينعزل اقتصاد بلد ما عما يجري عالميا، حيث أن تيار التطور التكنولوجي الجارف امتد ليشمل مختلف القطاعات، خاصة منها الاقتصادية.
فالوضع الجديد، دفع و اضعي السياسيات الاقتصادية ، و مديري المؤسسات إلى تبني توجهات إستراتجية مستحدثة تسمح بالانفتاح على مجالات حيوية و تبني أساليب و ممارسات متطورة للتكيف مع متطلبات التقدم التكنولوجي، و استيعاب المتغيرات العالمية الكبرى.
في هذا الإطار يلعب التعليم دورا مهما في إعداد الأجيال الناشئة للتعامل مع إقتصاد المعرفة وجعل الأفراد مساهمين حقيقيين في صنع الإقتصاد المبني على المعرفة. لذلك يقع وضع اللبنات الأولى للتحول نحو اقتصاد المعرفة بالأساس على عاتق المؤسسات التعليمية وعلى رأسها وزارات التربية والتعليم، والمؤسسات الأكاديمية، ومراكز البحث والتطوير.
و يتعين على المؤسسات التعليمية التعاون والانخراط مع مراكز البحث العلمي ومراكز إنتاج المعرفة لتأصيل المعارف والمهارات المعرفية لدى الطلاب ضمن المراحل التعليمية المختلفة، ومن ثم تتويج هذه المراحل بمحصلة من تراكم رأس المال المعرفي تمكن الطلاب من المساهمة الإيجابية في هذا المجال الحيوي.
نتيجة التحول إلى اقتصاد المعرفة، أصبحت تنمية المهارات أكثر أهمية من أي وقت مضى في بيئة الشركات والمؤسسات العامة والخاصة، ولم يعد ي توقع من الموظفين التركيز على مجال واحد، حيث يتم حثهم باستمرار على تطوير مهاراتهم بسرعة أكبر، بما يواكب التطور المعرفي المتلاحق في ظل التسارع الهائل ليس فقط على صعيد إنتاج المعرفة وإنما أيضا إتاحتها بشتى الوسائل لاسيما عبر الأجهزة المحمولة.
إقتصاد المعرفة ودوره في تطور المجتمعات
بالنظر إلى عمق التاريخ البشري، يمكننا القول إن الحالة الراهنة للمجتمع البشري، فيما أصبح يعرف بمجتمع المعرفة، ليست سوى نتيجة تاريخية حتمية لمزيج من التحولات التي شهدها المجتمع البشري على مدى عقود أدت إلى تحوله من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث يقوم أساسا على المعرفة والفكر الإنساني من أجل التحول والتطور وفق المسارات التاريخية التي شهدتها المجتمعات عبر العصور السابقة.
من خلال هذا المنحى، ومن منظور خاص بعلم الاقتصاد، ربط المؤرخون تطور المجتمع البشري بثلاث مراحل حيوية تشكلت بظهور ثلاث ثورات رئيسة، بداية من “الثورة الزراعية”، مروراً “بالثورة الصناعية”، وصولاً إلى “الثورة المعرفية”، أو ما يعرف بالتحول الثالث.
يعد مجتمع المعرفة مرحلة جديد ً من مراحل التطور في أعقاب حضارتين عرفتهما البشرية سابقا وهما: موجة عصر الزراعة، وموجة عصر الصناعة.
أما في المرحلة الثالثة التي نعيشها الآن، التي تمثل مرحلة عصر المعرفة في غمار الثورة الصناعية الرابعة، فترتكز قاعدتها الفكرية على منظور العلم بشكل خاص والمعرفة البشرية بشكل عام. إنها مرحلة تسعى إلى اكتشاف أوجه التشابه والتقارب والتمازج ما بين مختلف فروع العلم.
أسفرت المرحلة الثالثة عن ظهور مجتمع المعرفة، وهو نتاج تعزيز اندماج ثورة المعلومات المعقدة مع باقي العلوم، مثل علم الأحياء والهندسة والفيزياء والكيمياء، حيث أصبح الإنتقال من المعرفة العلمية إلى تطبيقاتها التقنية أسهل وأسرع ويتم بفعالية إقتصادية أعلى، مستفيداً من الجمع بين تقنية معالجة المعلومات “الحاسب الآلي وتطبيقاته” والثورة الصناعية من ناحية، والإتصالات الرقمية وتطبيقاتها (الشبكات والإنترنت)، من ناحية أخرى.
دور تكنولوجيا المعلومات في تعزيز رأس المال البشري
لقد أصبحت التنمية البشرية و عملية تطوير وتعزيز رأس المال البشري تحظى بأهمية كبيرة في وقتنا الحالي خاصة مع زيادة المنافسة الشرسة التي يعرفها قطاع الأعمال، لذا فإنه من بين أهم السبل لأي تنظيم للنجاح و البقاء هو العمل على تطوير كفاءاته البشرية المتاحة و الكامنة.
و في هذا المجال ساهمت تكنولوجيا المعلومات مساهمة فعالة، حتى أصبحت تدرج ضمن المؤشرات الفاعلة في عملية تطوير رأس المال البشري و الارتقاء به إلى أعلى المستويات.
و في هذا الإطار تعد عملية التدريب من بين أهم السبل لرفع و تنمية قدرات الأفراد و تعزيز رأس المال الب والحقيقة أن تتابع و تألق التطورات العلمية العالمية الهائلة في تكنولوجيا الإعلام و الاتصال زادت من عمق فجوة التنمية الموجودة، و تكمن خطورة هذه الفجوة في أن حيازة التكنولوجيا الإعلام و الاتصال و المهارات التي تتعامل معها يمكن أن تعطي أفضلية اجتماعية و اقتصادية للحائزين عليها على من لا يحوزها سواء كانوا دولا أو مؤسسات أو مواطنين، و إذا أمعنا النظر في الفجوة الحاصلة بين الدول المتقدمة و الدول المتخلفة يمكننا أن نبين بسهولة ضخامة هذه الفجوة الرقمية خاصة فيما يتعلق بعدد مستخدمي الانترنيت و توافر أجهزة الاتصالات و ما حققته من نتائج.
إن ما تحتاجه الدول النامية هو الوعي الكافي للتحديات التي تعترضها في ميدان المعرفة العلمية و التكنولوجية، فلا بد للحكومات أن تعد العدة كي تقلص من هاته الفجوة و أن تضع الإجراءات و القواعد الميسرة و المحفزة للإفراد و المؤسسات لممارسة الأنشطة و استثمار الأموال.شري للمنظمات، حيث ساهمت تكنولوجيا المعلومات في هذا المجال مساهمة عظيمة.
*كاتب سوري

Exit mobile version