اسيا العتروس*
صورة عائلية سياسية عابرة للحدود محملة برسائل و اشارات تنتظر فك رموزها افتتحت على وقعها قمة الفرانكفونية في دورتها الثامنة عشرة فكانت اشبه بلوحة فنية سوقت بأنامل و أفكارتونسية لبلد حالم في عالم تتقاذفه الازمات والصراعات والمخاطر الامنية و الاقتصادية و الاجتماعية بمستقبل أقل قتامة وأكثر أملا ..
من جربة الجزيرة الفريدة في خصوصياتها وارثها وانفتاحها على العالم عبرالمتوسط ملتقى الحضارات و الاديان والشعوب والثقافات على مدى العصور والازمان , وقف قادة تسعين بلدا فرانكفونيا و خلفهم النخل الشامخ في جزيرة الاحلام لتوثيق لحظة مهمة في مسار بلد عربي افريقي مغاربي متوسطي و لكن أيضا فرانكفوني يطمح الى قيم انسانية مشتركة مهددة في عالم تعصف به الصراعات والازمات و الانقسامات و هي صورة يمكن ان تتحول الى كتاب مفتوح لقراءة سياسية و ديبلوماسية عبر مستوى ودرجة الحضور في هذه القمة التي سجلت حضورا مهما لقادة الدول الفرانكفونية في اوروبا و افريقيا و كندا و لكن سجلت ايضا وهذا ما لا يمكن تجاهله غياب اطراف اخرى وازنة كان يمكن ان يكون لحضورها دعما لتونس و للحضورالمغاربي ..اذ و باعتبار ان الجزائر ليست عضوا في منظمة الفرانكفونية يبقى لغياب المغرب و الفراغ المرتبط بغياب بلد مغاربي وزنه وتداعياته , طبعا تبقى اسباب الغياب متعددة و هي مسألة جديرة بالمتابعة على اكثر من مستوى لتحديد الاسباب و لم لا البحث عن تجاوزها على هامش القمة او في الكواليس عندما ينسحب المصورون و رجال الكاميرا ليلتقي السياسيون و اصحاب القرار لوضع الحروف على النقاط و تجاوز ما يجب تجاوزه من ازمات او خلافات … ابرز الغائبين لا سيما المغرب الذي كان يمكن ان يكون لحضوره بعد اخر في هذه القمة و هو ما يدفعنا للاشارة بان تداعيات الازمة بين تونس و الرباط على خلفية حضور زعيم جبهة البوليزاريو لا تزال قائمة و تلقي بتداعياتها على العلاقات بين البلدين فضلا عن تازم العلاقات بين باريس و الرباط و هو ما يفسر مستوى حضور المغرب التي تشارك بمديرة العلاقات في الخارجية المغربية و هو ما يعني ايضا أن اللغة ليست وحدها المحدد في هذا الفضاء الفرانكفوني المتعدد…
يسدل الستار اليوم عل قمة الفرانكفونية في دورتها الثامنة عشرة بالتزامن مع مضي نصف قرن على تاسيس هذا الفضاء و احياء لذكرى احد مؤسسيه الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذي توقفت الامينة العامة للمنظمة مطولا في كلمتها عند ارثه و انجازاته وشخصه و توجهاته في بناء دولة الاستقلال , قمة لا خلاف أن تونس استعدت لانجاحها و هيأت الارضية لعقد هذا اللقاء في ظرف دولي معقد و محاط بالتحديات بعد جائحة غير مسبوقة و الاكيد أن تونس ليست مع أول موعد لها فقد سبق ان احتضنت بلادنا اكثر من حدث و اخرها قمة تيكاد و كانت تحت المجهرو اكد في كل مرة ان لديها من الخبرات و الكفاءات رغم ندرة الامكانيات ما يؤهلها لتكون في قلب العالم و في قلب افريقيا و قلب المتوسط و هنا أهمية احتضان تونس قمة الفرانكفونية في هذا التوقيت و اهمية التطلع الى ما بعد هذا الحدث و ما يمكن الاستثمار فيه من اجل بلد يكابد على اكثر من جبهة لمواجهة تحديات غير مسبوقة اقتصاديا و سياسيا و اجتماعيا..الاكيد ان ما بعد قمة الفرانكفونية يدعونا للتفكير جديا حول الاعقد و الاخطر في تحديد مسار الانقاذ و تجاوز الاحباط و استعادة ثقة الشركاء اوروبيا و افريقيا بل و دوليا ..
هل بلغت منظمة الفرانكفونية مرحلة النضج لتبحث جديا في تحديات الحاضر و المستقبل و ما تستوجبه من خيارات صعبة و بدائل لتفادي الانهيار او الاختفاء القسري في مواجهة كل التكتلات العسكرية و الاقتصادية و الامنية و السياسية و المعرفية في عالم يتأرجح بين تداعيات جائحة غير مسبوقة و تداعيات الحرب الروسية على اوكرانيا و تحدياتها الامنية و الغذائية المتفاقمة يوما بعد يوم كلما طال أمد الحرب …
ولان الامور بخواتيمها خاصة عندما يتعلق الامر بالسياسة التي تقوم على الانجازات و ليس الوعود فسيكون من السذاجة أن نتوقف في هذا الموعد عند نجاح الاستعدادات اللوجستية و البروتوكولية لاحتضان هذا الحدث ليس استنقاصا لجهود من سهروا على ذلك و لكن لقناعتنا أن تونس كسبت هذا الرهان منذ زمن طويل وسبق لبلادنا أن احتضنت مواعيد و مؤتمرات و قمم دولية و اقليمية و كان اخرها قبل شهرين قمة تيكاد وأكدت في كل مرة أنها قادرة على التحدي في كل مرة , و لكن ما نتطلع اليه عمليا عندما يسدل الستار على قمة الفرانكفونية ماذا بعد هذا الحدث و ما هي القيمة المضافة في مصداقية و مكانة و دور تونس في المنطقة و في العالم و كيف يمكن الاستثمار في استباق الاحداث و الاستفادة من التحولات المتسارعة في العالم و نحن ندرك جيدا ما تواجهه بلادنا من ازمات اقتصادية و سياسية و اجتماعية و ما تحتاجه من دعم مالي دولي للخروج من دائرة الافلاس و الانهيارو الحد من سفن الموت و تجار البشر و سماسرة الماسي …
لا خلاف أن توقيت قمة الفرانكونية ياتي في خضم موسم الديبلوماسية الدولية و ما يرافقها من لقاءات و نشاطات في مختلف انحاء العالم و اخرها على سبيل الذكر لا الحصر قمة لم الشمل العربية في الجزائر و لاحقا قمة المناخ في شرم الشيخ و قمة مجموعة العشرين في اندونسيا و قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (APEC) و قمة الفرانكفونية في جربة و منها لتتجه انظار العالم الى الدوحة حيث تنطلق اليوم القمة الرياضية التي ستأسر انظار العالم على مدى شهر و تحول وجهة قادة و زعماء العالم الى هذا البلد العربي الخليجي الصغير الذي نجح في اقتلاع بطاقة تنظيم كأس العالم على أرضه لاول مرة و استثمر لذلك مات المليارات بفضل موارده من النفط و الغاز التي اهلته لهذا الموعد رغم كل الانتقادات و المؤاخذات التي تستهدفه ..نحن في عالم قد تحكمه ظاهريا لعبة المصالح و لكنه يقوم بالدرجة الاولى على النفاق السياسي و المعايير المزدوجة و كلها قابلة للمتاجرة و الابتزاز و بقدر أهل العزم تاتي العزائم ..
*كاتبة تونسية
على قدر أهل العزم!
