د.جلال جراغي*
على الرغم من أن هناك خمس جولات من المفاوضات أجريت بين إيران والسعودية بوساطة عراقية ببغداد، لم تأت بنتائج ملحوظة ولم تعد العلاقات بين البلدين إلى مجاريها الطبيعية.
وعلى هامش مؤتمر بغداد-2 المنعقد مؤخرا في العاصمة عمان، التقى وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبداللهيان، نظيره السعودي، الأمير فيصل بن فرحان حيث بحثا العلاقات الثنائية وآليات العمل على استئناف العلاقات الثنائية بما اعتبر أمير عبداللهيان اللقاء بناء وإيجابيا.
كما أعلن وزير الخارجية الإيراني مؤخرًا دون أي مؤاربة أن طهران تحرص على استئناف العلاقات الثنائية بين طهران والرياض إلا أن الأخيرة لم ترد بعد بشكل حاسم على مواقف طهران المعلنة بما يدفع إلى القول إن الرياض مترددة في الموضوع وحسم موقفها تجاه طهران ما يطرح أسئلة تعود إلى ما يلي:
أولا، إن السلطات السعودية لم تتخذ خلال الأشهر القليلة الماضية على المستوى الرسمي موقفا عدائيا ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية مثلما كان يتخذ وزير الخارجية السعودي السابق عادل الجبير بين حين وآخر من مواقف عدائية ضدها.
ثانيا، إن السعودية على عكس مواقفها السياسية الرسمية المعلنة كانت ومازالت تتخذ مواقف إعلامية عدائية ضد نظام الحكم في إيران حيث رأينا أن وسائل إعلامها خلال الأشهر الأخيرة كانت ومازالت تشن هجوما إعلاميا شرسا ضد إيران ولم تأل جهدا في تأجيج الشارع الإيراني ضد الحكومة بما يمكن القول إن الإعلام السعودي خاصة قناتي “العربية” و“الحدث” وقناة “إيران إينترنشنال” الناطقة باللغة الفارسية التي تتخذ من لندن مقرا لها ومدعومة وممولة من السعودية، تحولت خلال الأشهر والأسابيع القليلة الماضية إلى منصة رسمية لمعارضي نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، هؤلاء الذين لم يدخروا جهدًا لإسقاط النظام الحاكم في إيران وكأن قناة الحدث السعودية أصبحت قناة فارسية أكثر منها عربية.
وفي السياق نفسه، فإن اللافت أن وسائل الإعلام الرسمية في أي بلد تعتبر لسان حال للحكومات المتبعة بما تسير في إطار السياسات الرسمية المعلنة متماشية مع المقاربات الحكومية وعلى هذا فقد اتخذت السعودية خلال الأشهر الماضية مقاربات سياسية منطوية على العداء ضد إيران بهدف زعزعة استقرارها وأمنها الداخلي ما أثار ردة فعل مسؤولين إيرانيين لا سيما الأمنيين والعسكريين منهم.
ثالثا، من الممكن تفسير الموقف السعودي المزدوج هذا أنه نظرا للتطورات التي تمر بها المنطقة فإن موقف الرياض قائم على التريث والانتظار ذلك أنها ترى نفسها أمام خيارين تجاه استئناف العلاقات مع طهران، الخيار الأول يعود إلى التطورات الإقليمية والدولية خاصة التطورات التي تشهدها الساحتان الروسية والأوكرانية والخيار الثاني يعود إلى التطورات التي يشهدها المشهد الإيراني الداخلي.
وفيما يخص الخيار الأول فإن النقطة الأولي التي تجدر الإشارة إليها هي أنه بعد إجراء الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة وتربع جو بايدن على الحكم على حساب دونالد ترامب فإن الرياض رأت بأن عليها أن تراجع في علاقاتها مع واشنطن وتتجه بشكل أكبر نحو روسيا وذلك بسبب خيبة أملها من واشنطن والقلق الذي انتابها جراء مواقف وشعارات أطلقها جو بايدن خلال حملته الانتخابية وتسليطه الضوء على قضايا مثل حقوق الإنسان في السعودية وقضية قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في مدينة إسطنبول التركية وتأكيده على أنه بصدد جعل السعودية بلدا منبوذا. وردا على هذه المواقف الأمريكية المعلنة صراحة، فإن صناع القرار في السعودية تبنوا مقاربة سياسية تميل إلى الشرق خاصة روسيا وتفرض ضغوطات على الإدارة الأمريكية برئاسة جو بايدن فقرارها الأخير في تخفيض إنتاج مليوني برميل من النفط في اجتماع أوبك بلاس الأخير قبل إجراء الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة جاء في هذا الإطار.
النقطة الثانية فيما يخص الخيار السعودي الأول هي أنه إذا ما تمكنت روسيا من تحقيق أهدافها في الحرب الأوكرانية وإجبار الغرب على القبول بمطالبها فإن الرياض ستحاول التقارب الأكثر مع موسكو.
النقطة الثالثة في هذا الإطار هي أنه في حال تمكنت روسيا من حسم المعركة في أوكرانيا وتحقيق أهدافها المنشودة فيها فإن السعودية ستعمل على الأرجح على التقارب مع ايران التي تجمع بينها وبين روسيا تحالف استراتيجي، ومع أخذ هذه النقطة بعين الاعتبار فإن الرياض ستعمل على تحقيق اختراق في علاقاتها مع طهران لكنه إذا ما أحبطت روسيا في تحقيق أهدافها في المعارك الدائرة في أوكرانيا فستخضع لضغوطات للتنازل عن مواقفها وفي مثل هذه الحالة فإن السعودية أيضا ستتأثر بالموضوع بشكل غير مباشر وستتعرض لضغوطات أمريكية وغربية ومن ثم ستتخذ موقفا شديدا وصارما تجاه ايران.
النقطة الرابعة فيما يتعلق بالخيار الأول للسعودية تجاه إيران ترجع إلى الانتخابات الرئاسية الأمريكية ذلك أنه إذا ما نجح الجمهوريون في الانتخابات المقبلة فإن الرياض ستعمل على تحسين علاقاتها مع واشنطن وفي ظل الحكومة الإسرائيلية المتطرفة فإن السعودية ستعمل على مزيد من التنسيق مع واشنطن وتل أبيب في إطار ما يسمى بـ “التطبيع” مع كيان الاحتلال الإسرائيلي وبطبيعة الحال فإن السعودية ستحاول في مثل هذه الظروف أيضا الاحتفاظ بعلاقاتها مع روسيا.
النقطة الخامسة في هذا الصدد هي أن السعودية تبنت حاليا سياسة التقارب مع الشرق المتمثل في روسيا والصين وذلك من أجل استخدام عناصر الضغوط المتوفرة لديهما ضد الغربيين تفاديا للرهان عليهم مئة بالمئة. وفي مثل هذه الظروف ستحاول السعودية تصوير نفسها كأنها تتولى قيادة الدول العربية والإسلامية وذلك من أجل فرض ضغوط على إيران باستخدام العنصر الصيني لكي تجبرها على الجلوس على طاولة المفاوضات مع السعودية من موقف متفوق، فإقحام الصين في قضية البيان الأخير الصادر عن مجلس تعاون الخليج الفارسي يفسر هذا الموقف.
وفيما يتعلق بالخيار الثاني أمام السعودية أي التطورات التي تشهدها الداخل الإيراني الذي تتجه نحو الحسم، فإن وسائل الإعلام التابعة للسعودية لا سيما الناطقة باللغة الفارسية منها كانت ومازالت تبذل أقصى جهودها لإضعاف نظام الحكم في ايران وتأجيج الشعب الإيراني ضده ذلك أن السعودية في المرحلة الراهنة خالية الوفاض للدخول في مفاوضات مع ايران وانطلاقًا من نشاطها الإعلامي تحاول فرض ضغوطات على إيران في محاولة لإضعاف نظامها من جهة ومن جهة أخرى لإجبارها على الجلوس على طاولة المفاوضات بهدف طرح وقف الهجمات الإعلامية ضد ايران كشرط في المفاوضات وفي الواقع فإن الرياض تحاول خلق شروط لاستغلالها ضد ايران في أي مفاوضات مستقبلية.
رابعا، إن الرياض تحاول متماشية مع الغربيين فيما يتعلق بإيران خاصة في الملف النووي الإيراني فإنها تنتظر تصعيد الضغوط الغربية على إيران بالتوازي مع تطوراتها الداخلية والملف النووي لكي تفرض مزيدا من الضغوط عليها إلا أنه إذا ما تحسنت العلاقات بين ايران والغرب فإن الموقف السعودي سيتغير أيضا تجاه طهران تحسننا وعلى هذا فإن الآفاق المستقبلية ليست واضحة المعالم بالنسبة للسعودية وإنها عاجزة عن حسم قرارها تجاه طهران.
خامسا، إن طهران تتوقع من الرياض أن تحسم قرارها تجاه إيران في ظل حكومة الرئيس إبراهيم رئيسي التي تؤكد على أهمية سياسة حسن الجوار بمنأى عن التطورات الإقليمية والدولية وبالحفاظ على استقلال قرارها.
*باحث في الشؤون السياسية والإعلامية الإقليمية
لماذا التردّد السعودي في استئناف العلاقات مع إيران؟
