رامي الشاعر*
أشارت وزارة الدفاع الروسية عقب الاجتماع الذي ضم وزراء دفاع كل من روسيا وسوريا وتركيا إلى “الطبيعة البناءة” للحوار، وأعربت عن أملها في “ضرورة استمراره لزيادة استقرار الوضع في سوريا والمنطقة كلها”.
في الوقت نفسه، أعلنت وزارة الدفاع السورية أن اللقاء كان إيجابيا، وهو ما يشي بأن هذه الأجواء الإيجابية لا شك سوف تتطور، ولن يتم التراجع عنها، وقطار التطبيع انطلق بالفعل برعاية موسكو، والأرضية الصلبة التي أعدتها صيغة أستانا ودولها الضامنة (روسيا وإيران وتركيا)، ستمضي قدما في مساعدة سوريا للخروج من أزمتها، لتصبح هذه الصيغة ربما رباعية في المستقبل القريب، على أمل أن تنضم لها بعض الدول العربية عاجلا لا آجلا.
لكن ما يجب الالتفات إليه هو أن هذه اللقاءات يتم التحضير لها في الثلاث أشهر الأخيرة، وبتعليمات شخصية من الرؤساء بوتين وأردوغان والأسد، بمعنى أن اتصالات مكثفة أمنية وعسكرية ودبلوماسية كانت تجري في الكواليس، ومن ورائها، وهو الأهم بكل تأكيد، إرادة سياسية واضحة ومحددة تتحرك صوب هدف واضح ومحدد. بمعنى أنه حين توفر الإرادة، تتوفر على الفور كل الوسائل، والموائمات، وقدرة الأطراف على التوصل في نهاية المطاف إلى أرضية مشتركة للحوار والتفاهم وإيجاد صيغ للتعاون.
إن الهدف من كل هذه الاتصالات والمشاورات هو وضع خطوات عملية يتعين اتخاذها لمساعدة سوريا في تجاوز الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها، باعتبار ذلك عامل شديد الأهمية للحفاظ على نظام التهدئة والاستقرار في سوريا.
إضافة إلى ذلك، يجب التفكير في شتى السبل الممكنة لحل أزمة اللاجئين، فتركيا تستقبل حوالي 4 مليون لاجئ سوري، ولا يمكن أن يستمر هذا الوضع للأبد، كما أنه من المهم لأمن البلدين تركيا وسوريا تطويق الجماعات المسلحة غير المسيطر عليها، والتي لم تشملها إجراءات التسوية، وتشكل عامل قلق للأمن السوري والتركي بل والمنطقة بشكل عام.
كما تشمل الاتصالات قضية قوات سوريا الديمقراطية الكردية، والتي تسيطر على بعض المناطق في الشمال الشرقي من سوريا وتديرها، والتي كان لها دور أساسي في تحرير تلك المناطق من قبضة التنظيمات الإرهابية الدولية، وهو ما يوجب علينا مراعاة حقوق الأكراد في ممارسة حقوقهم الوطنية في مناطق تواجدهم على أراضي الدولة السورية الموحدة. من جانبها، تؤكد روسيا على إمكانية حل جميع هذه القضايا عن طريق الحوار، وأن تكون التسوية حصرا بالطرق السلمية، وكل تلك القضايا والمشكلات الأمنية والاقتصادية بما في ذلك قضية اللاجئين لا يمكن حلها دون تطبيع للعلاقات ما بين سوريا وتركيا.
بالفعل تم إحراز تقدم مبدئي، نرى نتائجه جلية في الاجتماعات الناجحة لوزراء الدفاع، وبالتأكيد سيتم في بداية العام القادم لقاء لوزراء الخارجية السوري والتركي، بعدها سيتم عقد لقاء على مستوى الرؤساء، وذلك غير مرتبط بأي شكل من الأشكال بموعد الانتخابات الرئاسية التركية، وعمليا، فقد تم الاتفاق على جميع الخطوات التي سيبدأ اتخاذها على الأرض ابتداء من بعد غد.
إلا أن أهم عامل في تطور الملف السوري، والذي يجب أن نلتفت إليه، هو خروج منطقة الشرق الأوسط أخيرا من تحت مظلة الهيمنة الأمريكية، بسبب التطورات الدولية واسعة النطاق، والتي تتحرك بالنظام العالمي نحو التعددية القطبية، لتجد دول المنطقة نفسها مسؤولة عن مصيرها ومصير شعوبها، ومصير الأمن والاستقرار في المنطقة. وأنا على يقين أننا سنشهد في العام القادم تطورات نوعية في العلاقات بين جميع دول الشرق الأوسط، وستبدأ آفاق الحل لجميع الأزمات اليمينة والعراقية واللبنانية والفلسطينية والليبية والسودانية، وطبعا السورية، وستلعب تركيا وإيران وبجانبهما دول الخليج دورا محوريا في حل تلك الأزمات، ولن يسمح فيما بعد لأي أحد العبث بأمن المنطقة، وستكون القضية الفلسطينية على رأس الأولويات العربية والشرق أوسطية، وستعود لتكون قضية العرب الأولى، التي يسعى الجميع لحلها حلا عادلا، وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني.
دوليا، أجرى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لقاءً تلفزيونياً أجاب فيه على بعض أسئلة مديري ورؤساء تحرير المؤسسات الإعلامية الروسية الرئيسية، وكان صريحا للغاية، دون أن يتخلى عن دبلوماسيته المعهودة، إلا أنني لاحظت أنه يواجه صعوبة في ذلك، حيث أعلن أن “خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن البرنامج النووي الإيراني ليس لها بدائل”، كذلك ورد ذلك في بيان النتائج الرئيسية للسياسة الخارجية الروسية لعام 2022، والمنشور على الموقع الرسمي لوزارة الخارجية، الذي أكد على دفع المشاركين في خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن البرنامج النووي الإيران إلى قبول عدم وجود بديل للعودة إلى شروط قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231، لتجنب تصعيد قد تصحبه عواقب وخيمة على الأمن الإقليمي والدولي.
وهو تحديدا ما أكد عليه لافروف بأن “أي تكهنات حول خطة بديلة بدلا من استعادة الاتفاق غير مسؤولة ومحفوفة بالتصعيد”، مضيفا أن بلاده لا ترى “نقطة اللاعودة” التي تم تجاوزها في المفاوضات بشأن استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة، مؤكدا أن “اللحظة التي يجب فيها اتخاذ قرار سياسي قد حانت”.
وردا على سؤال حول ما إذا كانت “نقطة اللاعودة” في العمل على استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة قد تم تجاوزها، قال لافروف إن الدبلوماسية الروسية “لا تعرف الانهزامية”. وأكد على أن الغرب يحاول جعل الغرب يخشى إيران، مشيرا إلى أن “خطة العمل المشتركة كانت تعمل بشكل جيد حتى قررت الولايات المتحدة بين عشية وضحاها فسخ الاتفاق”.
بدوري أؤكد أن هذه اللحظة هي البديل لتحول إيران إلى دولة نووية إقليمية ورائدة في استخدام الطاقة النووية والأسلحة التكتيكية النووية أيضا، وهو ما يمكن أن يحدث العام القادم إذا لم تتم استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام القادم.
في الشأن الروسي، أتوقع أن تدمر روسيا كل المعدات والأسلحة الغربية التي يرسلها الغرب إلى أوكرانيا التي تواجه الآن أزمة مروعة في مجال الطاقة، وسوف يكون من الصعب نقل هذه الأسلحة ناهيك عن التدريب عليها واستخدامها، فإذا كانت أوكرانيا قد اكتسبت سمعة رديئة في استخدامها لمنظومات الدفاع الجوي “إس-300” فتارة تسقط الصواريخ في بولندا، وتارة أخرى في بيلاروس، فما بالك باستخدام أسلحة أجنبية سيتم التدريب عليها خلال الأشهر القليلة القادمة؟!
إن روسيا، كما أصبحنا نعلم جميعا، تواجه أحد صبيان “الناتو”، أوكرانيا، فيما يهرع المسؤولون الأوكرانيون على أعلى المستويات، وفي صدارتهم الرئيس زيلينسكي، لتقديم فروض الولاء والطاعة لواشنطن، ويعدون الغرب بأن يضحوا بالغالي والنفيس، وأن يدافعوا عن “الناتو” والغرب الجماعي حتى آخر مواطن أوكراني. ما أعتقد أنه ممكن هو أن تعلن روسيا مواجهة “الناتو” رسميا نظرا لتورط الحلف في الدعم العسكري والتقني والفضائي لأوكرانيا، خاصة وأن عسكريين من “الناتو” أصبحوا يشاركون في العمليات القتالية ضد الجيش الروسي جهاراً نهاراً. أعتقد أن روسيا سوف تنهي تحرير كافة الأراضي التي أعلنت ضمها إليها، ولا أشك للحظة بأن ذلك سيتحقق.
إن الثقة في الدولار الأمريكي تتزعزع بمرور الوقت، وأتوقع أن يبدأ العالم في التحول إلى العملات المحلية، من خلال نظام بنكي جديد يضع على رأس أولوياته التخلص من التبعية للدولار الأمريكي، خاصة على أعتاب أزمة اقتصادية عالمية طاحنة. ولن يكون الأمر على مستوى الاقتصاد فحسب، بل إني أظن أن الهيمنة الأمريكية الغربية على العالم تتوارى في جميع المجالات، ويمضي العالم نحو أجواء التعددية القطبية بشكل ملحوظ، فيما ستشهد العلاقات الروسية الصينية تطورا غير مسبوق في كافة المجالات.
ووفقا لبيان الخارجية الروسية، فقد تطورت مجموعة العلاقات الروسية الصينية بالكامل على نحو ديناميكي، وهو ما انعكس في المستوى الرفيع وغير المسبوق لاستدامة واستقرار هذه العلاقات على أساس متين من التقاليد التاريخية العميقة والاحترام المتبادل والدعم، واتضح ذلك بشكل جلي في البيان المشترك واسع النطاق لروسيا وجمهورية الصين الشعبية بشأن دخول العلاقات الدولية حقبة جديدة، وبشأن التنمية المستدامة العالمية، وهو البيان الذي تم تبنيه نتيجة لمباحثات الرئيسين فلاديمير بوتين وشي جين بينغ في بكين، 4 فبراير الماضي.
إن أوهام الغرب بشأن ما يسمى بـ “المجتمع الدولي”، وما يتردد بشأن “عزل” روسيا عن هذا “المجتمع الدولي” لا يغدو كونه دعاية غربية، يكررونها حتى يصدقونها ليصدقهم الجميع، إلا أن حقيقة الأمر أن روسيا، خلال العام الماضي، طورت الاتصالات بنجاح مع عدد من الشركاء الدوليين المهتمين بالحوار البناء مع روسيا، حيث عقد الرئيس بوتين أكثر من 70 اجتماعا مع رؤساء دول أخرى ومنظمات دولية، وشارك في حوالي 300 فعالية للسياسة الخارجية وأجرى أكثر من 220 محادثة هاتفية مع قادة أجانب.
كذلك واصلت روسيا تفاعلا بناءً مع منظمة الدول المصدرة للنفط في إطار صيغة “أوبك+”، وفي الاجتماع الوزاري الثالث والثلاثين، والذي عقد في 5 أكتوبر الماضي، تمكنت من التوصل إلى اتفاقيات لتمديد إعلان التعاون ما بين دول “أوبك” والدول غير الأعضاء في المنظمة حتى 31 ديسمبر 2023، واتخذت قرارات لخفض إنتاج النفط بمقدار 2 مليون برميل يوميا، بدءا من نوفمبر الماضي، وهو ما حافظ على سوق النفط.
يمر عام صعب، إلا أنه لم يكن بالصعوبة التي حاول الغرب أن يصورها للعالم، فقد تجاوزنا في روسيا ما كانوا يزعمون أنه “الانهيار الاقتصادي لروسيا”، وتجاوزنا ما يدعون أنه “عزل روسيا”، ليجد الغرب نفسه معزولاً، يتحرك نحو هامش التاريخ، بينما يسقط نموذج الهيمنة الأمريكية إلى غير رجعة، ويفسح مجالا لعالم جديد متعدد القطبية.
ختاماً، أتوجه للجميع بأصدق التهاني وأرق الأمنيات بمناسبة حلول العام الجديد.
*كاتب ومحلل سياسي فلسطيني
ما ينتظرنا في عام 2023
