سفيان بن مصطفى بنحسين*
صدام حسين، اسم عصي على النسيان، لا يسقط بمرور الزمن، بل إن هالة الرجل تزداد مع مرور السنين، لن نطرح في هذه الأسطر تبريرات ضم الكويت في الثاني من أوت سنة 1990 لكن علينا التأكيد على أن عملية الضم وما تلاها من وقائع وأحداث لم تقف وراءها نزوة عابرة كما روج بعض مثقفي الوطن العربي وإنتهازييه وإنما كانت نتاج تراكمات عديدة بعضها تاريخي وبعضها إقتصادي، بعضها دولي وبعضها إقليمي، فمن السطحية بمكان إرجاع الحادثة إلى سبب واحد أو شخص واحد، وقد علمنا التاريخ أن الحروب والصراعات لا تندلع من فراغ وإنما تخلق لها الأرضية التي تنفجر في ظلها، تحرك صدام نحو المواجهة حين أدرك أنه وكل العراق بات هدفا للقوى الكولونيالية الحديثة، المواجهة كانت قائمة سواء إستبقها صدام بصدامه مع عرب المحميات الأمريكية أم لا، ويجانب الصواب كل من يبرر غزو العراق وتدميره وتجويع شعبه وضربه بالفسفور الأبيض بالدفاع عن الكويت العزيزة على قلوبنا جميعا كجزء من الأمة العربية. كما يجانب الصواب من يتحدث عن الديمقراطية في العراق، في العراق وحده من بين كل الدول وكيف إكتشف العالم على يد مدير السي أي إيه وعلى يد أول من إستخدم القنبلة الذرية غياب الديمقراطية في هذا القطر العربي.
إصطف الفلسطينيون بمختلف إنتماءاتهم ومشاربهم – أو السواد الأعظم منهم – خلف القيادة العراقية إدراكا بأن خطيئة العراق التي جعلته هدفا للحملة الإمبريالية والصهيونية هي مساعيه لتعديل موازين القوى بين العرب والكيان، وكان الفلسطينيون أكثر قدرة على قراءة المشهد الدولي من أشقائهم العرب فهم لا ينظرون إلى العالم إلا من عين واحدة هي فلسطين وهذا ما جعل قراءتهم للمشهد الدولي أكثر صوابا، ففي تلك الفترة أي بداية التسعينات هلل معظم العرب لبريسترويكا غورباتشوف وفرحوا مع الفارحين ولم يدركوا من الوهلة الأولى أنه سيصدق فيهم قول جريدة لوموند بأنهم *أيتام البيريسترويكا* وأن هيمنة أمريكا على العالم لن تزيد واقع العرب إلا سوء، نكاد نجزم أن فلسطين وحدها أحسنت قراءة المشهد فصدرت في تلك الفترة دراسات وكتب تناولت الإنعكاس السلبي لبريسترويكا غورباتشوف على العرب ومن ذلك نذكر كتاب عادل سمارة *البريسترويكا حرب الخليج والعلاقات العربية* أو غيرها من الدراسات التي تتناول كل حراك عالمي من زاوية إنعكاسه على فلسطين والأمة أولا وأخيرا وهو ما جعل، في تقديري، القراءة الفلسطينية أكثر صوابا من غيرها وأكثر قدرة على قراءة ما بين الأحداث، وفي الحالة العراقية وحين سمح حكام الحجاز وممالك أكشاك النفط بدخول مئات الآلاف من المارينز إلى أرضهم أدرك قادة فلسطين ومن ورائهم جماهير الأمة العربية أن فلسطين هي إحدى أهداف هذا الغزو وأن العراق الذي يسخر كل مقدراته في سبيل فلسطين والأمة العربية لن يواجه معركة لإخراجه من الكويت وإنما لإخراجه من دائرة الصراع العربي الصهيوني نضيف إلى ذلك محاولة العراق للحصول على حالة من الإعتماد على الذات والتحكم بالثروة، هذا المسعى الذي تراه الرأسمالية التجارية والكمبرادورية العربية جريمة إرتكبها القطر الثائر لأنها تدفع بالشعب العربي في الأقطار الأخرى إلى التساؤل أين ثرواتنا ؟ ولماذا نجوع؟ لم يكن إن العدوان الغربي على العراق في باطنه سوى محاولة لإبقاء الوطن العربي مزرعة له وخشية من أن يتحول صدام حسين إلى بسمارك عربي.
هكذا كان الموقف الرسمي الفلسطيني منسجما مع الموقف الشعبي العربي أما مواقف العرب فقد صب معظمها في دعم الغزو حتى أن دولا عربية سبق وإرتوت أرضها بدماء الجنود العراقيين المدافعين عنها وقف جنودها دون حياء في الصفوف الأولى على الحدود العراقية خلف شوارزكوف وعصابته فقد قام ولاة الخليفة الأمريكي في مصر وسوريا والمغرب وأرض البترودولار بقتل شعبهم في العراق، كل مؤشرات القوة كانت تقول أن العراق سيصبح أثرا بعد عين إثر مواجهة تحالف ثلاثيني يضم العربي والأعجمي لكن الشعب العربي المدمن على تحمل جرعات المعاناة الهائلة أثبت أنه أقدر من جيش أمريكا العظيم على تحمل المواجهة، المعارك إستمرت بين حصار وقصف وإجتياح إلى أن دخل المارينز بغداد ذات يوم مشؤوم من سنة 2003 وأعلن بوش الصغير وهو على ظهر حاملة الطائرات *أبراهام لينكولن* في الخليج العربي المحتل نهاية العلميات العسكرية الرئيسية في العراق، ولم يدرك هذا الجاهل بالتاريخ وبالإنسان أن فصلا جديدا سيكتبه العراقيون بدماء الأمريكان قد بدأ، المقاومة الباسلة التي هيأ لها صدام حسين ورفاقه تنطلق في اليوم الموالي والفلوجة تلك المدينة المجهرية تعلق جثث الأمريكان على أسوارها وتجبر أمريكا على توقيع إتقاقية هدنة معها، خرجت الحرب من أرحام سلسلة من الحسابات الخاطئة التي إعتمدها قادة لم يفهموا عواقب تخطيطهم وإشتعل العراق من أقصاه إلى أقصاه تحت أقدام الأمريكان وأذنابهم حتى بات خبر مقتل جنود في الأعظمية والأنبار والسماوة وصلاح الدين وبغداد خبرا يوميا في نشرات الأخبار، علمتنا المقاومة العراقية الباسلة جغرافيا العراق وأسماء مدنه وعلمتنا حتى أسماء شوارعه وباتت مشاهد دبابات الأبرامز وهي تتطاير في الجو تبث على القنوات العالمية، وأصبح العربي الذي جعله الكاتب الأمريكي *مارك توينز* مادة للسخرية لعقود طويلة هو مسمار نعش أقوى الإمبراطوريات سطوة وشرا، أمريكا ما قبل غزو العراق سنة 2003 ليس هي أمريكا ما بعده، ذلك الجبار الباسط جناحية على الكون بأسره فقد هيبته وقدرته على بث الرعب في صفوف خصومه وكانت ألغام جيش الطريقة النقشبندية وصواريخ الجيش الإسلامي وكمائن ثورة العشرين وهجمات كتائب صلاح الدين تضع خاتمة لعالم القطب الواحد.
ما نشهده اليوم من تراجع للهيمنة الأمريكية على العالم هو نتاج تخطيط صدام ورفاقه لفصول المواجهة، حتى عرب المحميات الأمريكية وحكام أكشاك الخليج الذين خرجت أقطارهم من رحم التقسيمات الغربية لخارطة الهلال الخصيب قد فقدوا إحترامهم للبعبع الأمريكي وباتوا أكثر قدرة على قول لا في جه ساكن البيت الأبيض، وفي لا وعيهم يقف صدام حسين الذي مرغ أنف الغزاة في التراب، فقد تمخض زخم الإجتياح الغربي لا عن تغيير مسار أمة تاريخية فحسب وإنما عن تغيير خارطة العالم الجيوسياسية، سيقول البعض أن أمريكا لا تزال جبارة قوية مهيمنة على العالم بأسره وسنقول أن أمريكا ما قبل 2003 ليست أمريكا بعده وأنها لم تعد تأمر فتطاع وحتى الحكام الذين صنعتهم باتوا أكثر جرأة على التمرد عليها. كان وجود العراق ظاهرة مقلقة لأنظمة التبعية لا بد من التخلص منها أما اليوم فالغرب الذي لا يزال أسيرا لعقيدته الإستعمارية بات يترنح تحت وطأة صحوة الشرق التي قادها المهيب الركن صدام حسين طيب الله ثراه.
*كاتب تونسي
هل بات العالم مدينًا لصدّام حسين لنسفه نظام القطب الواحد؟
