اليمن الحر الأخباري

وهكذا تُضرب الأمثال!

بقلم / فيصل مكرم*

▪العلاقة بين الحاكم وشعبه مفصلية، ويتحدد من خلالها مصير الأوطان ومُستقبل الأجيال، وهي علاقة على درجة كبيرة من الأهمية لجهة جعل البلد آمنًا ومُستقرًا ومُزدهرًا، أو تحويله إلى حَلْبَة صراع بين مُكوّناته، حين يتحوّل الحاكم إلى ديكتاتور -سواء وصل إلى كرسي الحكم عبر انتخابات أو على ظهر دبابة أو بانقلاب أو توافق بين شركاء القرار- فيما يتحول الحكم إلى شمولي بالمُطلق والشعب إلى مُعارضٍ رافضٍ ومُقاومٍ لكل ما من شأنه سلب حقوقه، ومُطالبٍ بالتغيير، ما يؤدي بالضرورة إلى سقوط الدولة وانزلاق الوطن إلى حافة الانهيار، ويستحيلُ لقمةً سائغةً لأعدائه والمُتربصين بمُقدّراته، ولعل التاريخ مملوء بالدروس التي لم تستفِد منها الشعوب الضعيفة، وأنظمة الحكم المُستبدة التي هي موضع حديثنا اليوم على سبيل الإسقاط على نماذج قائمة في عصرنا الراهن.

▪قال حاكم ثوري -في بلاد واق الواق- موصوف من قبل حاشيته والمُنتفعين من حوله ببراعة التفكير: إن الناس ما لبثوا يُحاسبون الحاكم ويُلقون باللوم عليه في كل مصائبهم، وما يُصيبهم مما لا يُعجب ولا يُستساغ ولا يُحتمل، فحين يستشري الفساد في البلاد يتّهمون الحاكم وحين تنزل بهم النوائب كالفقر والجوع والظلم والطاعون والجفاف والبطالة يصرخون في وجه الحاكم: لولاك لم يكن ما نحن عليه، وما ابتلينا به، ولولا قِصَر نظرك وقلة تدبيرك وبطشك برعيتك ومجون ليلك ونوم ظهيرتك -يقول الحاكم مُندهشًا- ثم يتساءل أليس الفاسدون من الناس، والفساد صنيعتهم؟ ألا إنهم هم الفاسدون ولكن لا يعلمون، فمن أين آتي لهم بمن يتولى أمورهم وأنا مُنشغل بإخضاعهم، وكيف لي أن أعدل فيهم وهم ظلموا أنفسهم حين ولّوني على رقابهم، ولماذا يطلبون مني ما استعصى عليهم وسهل لغيرهم، وحين يستسلمون لضعفهم يقولون: إنما نحن مُتربصون، فأكون أنا من يتربص ويضعهم في موضع الخنوع من كل أمر قطعته، وما أردت بهم إلّا خيرهم، وما أضمروا لي إلا الشر والهلاك، فلا أنا قابلٌ بما يقولون وقد اختاروني لأقول عنهم، ولا هم تاركو مصيرهم بيدي، وقد ائتمنوني عليه ثم ينكرون عليّ سُؤدَدي ويكرهون عقابي لفرط ذنوبهم ونسيان سوابق عفوي، هم الجحيم ولهم، وأنا باقٍ وهم فانون، ولمّا خلص ذلك الحاكم من كلامه اشتد بكاء حاشيته ومُستشاريه حتى أُغمي عليهم إشفاقًا عليه وما يلقاه من شعبه من نكران وخذلان وعصيان.

▪يقول الأصمعي السابع عشر: إن الناس غير راضين بحاكم يؤلف بين قلوبهم وهم شيعٌ وأهواءٌ ومذاهبُ مُتفرقة، وإن تناحروا ضعفوا وتشتتوا، فكفى الحاكم نفسه عناء استمالتهم إلى التآلف والتعاضد والإيثار بينهم ثم يلح عليهم بالبطش والتنكيل، ما دام الحاكم يرى نفسه الحق ويرى الناس باطلًا عن سابقٍ ثابتٍ، ودون دعوة لعكسها لاحق، وحين يصبح الحال على مثل هذا المنوال، يُحافظ الحاكم المُطلق على عرشه ودونه شعب بلا مقدرة على التأثير أو المُشاركة في تقرير ما له وما عليه فينطبق عليه ما قاله الحاكم الموصوف ببراعته في قلب القاعدة والخروج عن كل التقاليد والأعراف السياسية والشرائع التي تُحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وفق عقدٍ اجتماعي يقوم على الشراكة والانضباط والمساواة والعدالة بين الطرفين بما يجعل الوطن في مأمن والركب يمضي بسلام دون عوائق ولا عواصف.

▪رُوي أن عائشة بنت عثمان رضي الله عنه أقبلت على معاوية في دمشق -غاضبة مُعاتبة- لأن قميص أبيها لا يزال مُعلقًا على جداره، فيما قاتلوه يجوبون الآفاق طلقاء، فرد عليها معاوية بالقول: يا عائشة إن الناس قد منحونا سلطاننا فمنحناهم حِلمًا تحته غضب، ومنحونا طاعة تحتها حقد، فبادلناهم هذا بهذا وبادلونا هذا بهذا ولكل شيعته، ثم لا ندري أتدور الدائرة لنا أم علينا.

*نقلا عن الراية القطرية

fmukaram@gmail.com
@fmukaram تويتر

Exit mobile version