خالد شحام*
يَذكر التاريخ من خلال تدافعاته وسياقاته الحكيمة بأن الوصفة الكيميائية المناسبة للحصول على عالم قابل للإنفجار تتمثل في ثلاثة مكونات أساسية : فرط في التكاثر وتزايد في أعداد البشرية – تنازع على موارد الكوكب من الغذاء والماء والطاقة – تواجد القوة المفرطة بين أيدي البشر او فئة منهم .
عندما تتاح مثل هذه المكونات تصبح مسألة الصدام والنزاع على المتطلبات والموارد والزعامة مسألة وقت أو مماطلة ثم تنتهي الأمور بكارثة عظمى خاصة في ظل انحراف للبشرية تخلى فيه البشر عن السماء وأنكروا مكانة الله وتعالوا عليه وعلى تعالميه الخالدة المقيمة في كل العبر والدروس التي تتكرر بلا ملل ولا يتعلم منها البشر أي شيء .
ذُكِرَ في الجزء الأول من هذه المقالة بأن هنالك العديد من الأسئلة التي سوف تقرر مصير العالم الذي نقف على عتباته مع مطلع العام الجديد وفيما يأتي سنكمل بعضا قليلا من هذه التساؤلات :
2- هل ستنتهي الحرب الروسية – الأوكرانية قريبا ؟ وما هو المصير المتوقع الذي ينتظرهذه الحرب ؟
إن فهم الغايات الحقيقية التي اصطنعت لأجلها هذه الحرب هو أساس أية رؤية تحليلية ضمن كل مسارات الاحتمالات ومنذ أحداث شبه جزيرة القرم في العام 2014 يتصرف بوتين وهو مدرك تماما بأنه مقدم على هذا السيناريو مع أوكرانيا وليست المسألة إلا بعض وقت.
من يتابع سيناريوهات هذه الحرب يكتشف بسرعة أن قرار الإنهاء فلت من أيدي الجميع بمن فيهم بوتين نفسه لجملة كبيرة من الأسباب المقروءة ، وإذا اطلعنا على سلوك الولايات المتحدة وطبيعة الخطة الكبيرة التي تشن ضد روسيا يسهل الإدراك بأن السيناريو يقارب بدرجة ما تحالف ( حفر الباطن ) حيث كانت الأهداف الإنسانية المعلنة هي تحرير الكويت وطرد الجيش العراقي ولكن تبين فيما بعد أن الهدف هو تحطيم العراق بكامله ثم ابتلاعه ، والحالة الروسية – الأوكرانية اليوم تحاك فيها نفس الفكرة حيث يعلن أن الهدف طرد الروس وايقاف الغزو ولكن حجم وكمية التسليح وتعيين قائد عسكري أمريكي لإدارة هذه الحرب يعني أن روسيا هي المستهدفة نظاما وبلدا وليست أوكرانيا سوى الطعم والمعبر الرسمي لإنهاء روسيا ، وإذا أضفنا محاولات الأمريكان لإفشال أية حلول تفاوضية عقلانية وإفشال أي مسعى سلمي لإنهاء الاقتتال فهذا يؤكد النوايا الأمريكية المبيتة حيال روسيا كقوة منافسة صاعدة .
الشيء المخالف للتوقع وبكل بساطة ان هذه روسيا وليست المكسيك ! والسياسات التي يسير بها الرئيس بوتين تؤكد وعيا تاما ونوايا مضادة صارمة لا تراجع عنها ، في ظل هذه المعادلة تعول أمريكيا على حرب الاستنزاف والحصار بكافة أشكاله مقابل دهاء وإدارة روسية ذكية لكل منظومة العقوبات والحصار .
النتجية المتوقعة للمسار الماثل أمام أعيننا هو أن روسيا ستأكل أوكرانيا ولو ببطء خلافا لأي توقع مسبق ، أمامنا سنوات غير قليلة من المعارك ، ستكون اوكرانيا أرضا مستباحة بغير شعب وسينقلب مسار هذه الحرب بالتدريج لتكون حربا مفتوحة على روسيا تستعر نارها بمجرد دخول الناتو رسميا على خط المجابهة ثم سيليها دخول الصين كجهة داعمة ومعززة للرئيس بوتين .
3- ما الذي يحدث في الدول العربية ؟ لماذا نشعر ان هنالك نهجا للتفكيك والإضعاف يسري في الجسد الدولي العربي خاصة لبعض الدول المحيطة بفلسطين ؟
منذ إنطلاق ثورات الربيع العربي وإنفلات الأمور من سياجها أخذ النظام العربي عهدا على نفسه بإحباط وإطفاء أية بذرة لأية مقاومة شعبية ، بمعنى نزع اهلية الشعوب العربية لتكون منتجة قياديا أو فكريا أو تشكل تهديدا بالمطلق لروح الاستعمار وصلاحيات سايكس- بيكو المشؤومة ولأجل هذه الغاية من المؤكد أن ميزانيات هائلة رصدت وأجهزة بشرية أعدت للتكفل بالهندسة العقلية للشعوب.
لاحظنا وبقوة خلال سنوات خديعة كورونا كيف تم تطبيق أجندات التحطيم والتخريب الاجتماعي عل عجالة وبقسوة وتسارع غير مسبوق حيث تم سحق قيمة الإنسان العربي ووضعه في منزلة المعيشة الحيوانية لغايات كثيرة في أجندة الحكم العربي وهي : ضمان إطفاء الثورة في قلوب هذه الشعوب من خلال نهجي التجويع والتهميش – تحويلها إلى ذريعة للتسول وطلب المعونات والقروض – إظهار أهمية الحكم العربي في جَبّ هذه الشعوب المتوحشة عن الكيان الصهيوني وعن اوروبا والهجرة وايقاف توليد ( الارهابيين ) الذين يتناسلون من رحم هذه الشعوب البربرية .
ان معايير قياس حال المواطن العربي لم تعد متاحة بالأدوات التقليدية من مثل هامش خط الفقر أو مستوى الدخل وسعر صرف الدولار وتوافر الغذاء والكهرباء والوقود والخبز والسكر وفقه الحلال والحرام ، كل هذه المعايير أسقطت منذ دخل الربيع العربي حدائقنا الجافة وخرج منها خريفا ، المعايير المغايرة التي تتبلور اليوم من تحت المستنقعات المعيشية صارت من مثل : حالة المعتقلين العرب السياسيين في بلادهم – ما هو ترتيب الأولويات السياسية في مخيلة المواطن العربي ؟ –أين وصلت التنازلات الصغيرة المستمرة في حقوق وحريات المواطن العربي – ما تأثير المنظومة القيمية والشريعة الاسلامية ومبادىء الكرامة العربية في أحكام و سلوك الامة الفردي والجمعي ؟ – كيف تعايش المواطن العربي وتكيف مع خطط الاذلال والامتهان وسرقة حقوقه ؟……..هذه المقاييس هي التي حلت محل كل شيء وأصبحت تدلنا على مستوى السوء الذي تم إيصالنا إليه .
من الشيء الملحوظ طيلة السنوات الثلاث التي خلت استخدام سياسات تخريبية جديدة أو مجددة بوتيرة أعلى ومنها :-
الإعتداء على المنظومة الأخلاقية والعقائدية الجمعية للشعب أو الأمة بعيدا عن الفرد مباشرة ، يمكنكم ايجاد أمثلة كثيرة في هذه الاستراتيجية .
الضحك على وعي الشعوب من خلال تشريح البؤس المعيشي العربي إعلاميا وإرجاع عوامل الخراب إلى متغيرات اقتصادية أو اجتماعية أو دولية بينما في الحقيقة كل ما يحدث من مصائب وخرائب هو انعكاسات سياسية لما تقوم به الأنظمة العربية ، لم يعد من الصواب تفسير حالات القتل والانتحار والتشرذم وانعدام التنمية والانحطاط المعيشي لأن الفقر يأكل الناس ولا لأن هنالك غلاءا عالميا أو لأن هنالك الحرب الروسية أو جائحة ، كل هذه الأسباب مرفوضة جملة وتفصيلا ، إن كل مصابنا ومآسينا ناجمة عن قرارات سياسية قاتلة اقترفها الحكم العربي وتتغلغل في كل تفاصيل حياتنا بلا منازع .
تكريس الفساد في مؤسسات الدولة السيادية ومن ثم افتراس مؤسسات البلد العربي من خلال تحويل القوى الوطنية المعنية بحماية وإدارة البلد الى وكالات بزنس هدفها البيع والشراء والربح وفي هذه الحالة يمكنك منح البلد من عشر الى خمس سنوات كي ينتقل الى المرحلة الثانية وهي التفكيك وتنامي الشعور بالضياع لدى المواطن .
تعزيز الهويات المتعددة والفرعية والتاريخية سواءا القائمة على الجغرافيا او العرق او الدين داخل الشعوب العربية من الواضح ان هذا السلاح يُجهز بإحكام وذخيرة بشرية جيدة ومخصص للاطلاق في اللحظات المطلوبة ، يبرز هذا السلاح في الأوقات العصيبة أو عند وقوع حادث ( ارهابي ) أو توزيع مكتسبات فئوية أو مخصصات عيشية أو التقاتل على قطعة عظم تلقى بين الجائعين .
غياب وتغييب المرجعيات المرشدة وتعددها وتشرذمها وتحولها الى بقالات تبيع الأمل والمستقبل والوهم ومن ثم الوصول الى نقطة فقدان الثقة بأي منحى أو شخصية أو فكر صحيح أو نظيف .
سقوط كل المصطلحات السيادية الوطنية وتحولها الى اكاذيب وتهريج وتماهي معانيها في اذهان الشعوب العربية الى طرق تكسب وصفقات على ظهر الشعوب ، لم يعد من شعوب العرب من يؤمن بفكرة الأمن القومي وأمن الدولة وقوة الجيوش والاقتصاد القوي والسياسات الخارجية والتباحث في قضايا الأمة لأن كل هذه الوجبات تحولت الى مستهلكات بصحبة القهوة التي تشرب عند جلسات المؤامرات .
تكريس وغرس فكرة عدمية الشعوب العربية وفقدان قدرتها على التغيير أو اخذ المبادرة .
من الجلي تماما أن الحكم العربي تغلغل في عمق تضحيته بالشعوب والتخلي عنها تماما وتركها تواجه مصيرها بين فكوك الفقر والإفقار وتكريس التخريب الداخلي ونمو ظاهرة المجتمعات العنيفة والمضطربة دينيا وعقائديا ومعيشيا و كل هذا يحدث لصالح مكتسبات ظرفية زائلة ينالها الحاكم .
إن مظاهر الحياة في عواصم العرب من نشاطات وتجارة وعمل والاحتفالات والبهجة التي تغشاها في هذه المرحلة هي محض احتفالات بالردة عن الأصل وإن بدت انها احتفالات مولد نبوي أو يوم الاسراء والمعراج أو عيد فطر أو اضحى ، هي مجرد احتفالات باعتقال الالوف وتهجير الالوف وإن بدا أنها احتفالاات بأسم الاستقلال والتحرير والنصر في المعارك المزيفة ، هي احتفالات بالعبودية وتقديس قضبان الفولاذ التي تحبسنا منذ ولدنا وإن بدت أنها احتفالات بيوم الأم والمعلم والكوكب والشجرة ، هذه المعيشة ليست معيشة وإن بدت فيها معالم حياة لأن بعض الأموات ينتجون أثرا وقوة أكثر مما تفعل أمة باكملها .
يمكن صوغ فكرتين أساسيتين توضحان الحال الداخلي العربي التي تبلورت بوضوح في السنوات القليلة الماضية : الفكرة الأولى هي أن العدو ليس بالضرورة أن يكون كيانا خارجيا نحصر فيه كل التهم المعلبة والأسهم الموجهة نحو صدره ، إن فكرة العدو الداخلي في الشعوب العربية أصبحت أقوى من أي وقت مضى وصار التغلب على العدو الخارجي خطوة ثانية .
الفكرة الثانية هي أننا كشعوب عربية عشنا لأحدى عشرة سنة في قفص كبير بسبب اكذوبة 11 ايلول وما ترتب عليها من إذلال للمنطقة العربية وما يجري حاليا هو نقلنا الى سجن جديد تحت كذبة جديدة تدوم لعشر سنوات أو أكثر ما لم تتغير الإرادات.
الصورة المتوقعة القادمة ان كل هذه المدخلات من التخريب ستسقط وتنهار ولن يكتب لها النجاح لأسباب كثيرة ستكون موضع مقالة منفصلة ، سيكون مصير كل هذه المؤامرات مثل مصير قبول التعايش مع الصهاينة أو فرض المثلية في داخل الشعوب العربية من الفشل والاحباط والرفض ، الشعوب العربية ومع كل الشغل التخريبي الواقع عليها إلا أنها تمتلك من بذور النهضة والثورة ما يكفي لإحداث الانفجار القادم ، إن الأنظمة العربية بصيغتها الحالية مقدمة على الهلاك في السنوات القادمة لسببين أساسيين مترابطين : الأول أن النظام العالمي الجديد الذي ينتظر الولادة الأمريكية سوف يضحي بهم جميعا بعد استنفاذ كل غايات وجودهم ، الثاني أن القوة الصينية -الروسية التي تنمو لن تقبل بهم على الإطلاق لو كتب لها التفوق على الطرف الثاني .
هنالك أسئلة أخرى تفيض من لوحة التساؤل عن المصير : كيف سيبدأ الاحتكاك مع الصين وتحت أية ذريعة ؟ ما المنتظر في الساحة الفلسطينية لهذه السنة وماذا سنرى ؟
بما أن مساحتي قد نفذت فأتمنى أن نسمع وجهات نظركم لإغناء هذا المحتوى للقارىء المتابع وسيكون لنا حوار آخر ولكل أجل كتاب !
*كاتب فلسطيني
الأسئلة التي ستقرّر وجه العالم الجديد!
