فؤاد البطاينة*
بداية نخدع أنفسنا إن لم نقرأ كل مصيبة على أرض عربية بمعزل عن مفهوم “أن جميع الأقطار العربية تتعرض لهجمة صهيو\أمريكية إخضاعية بدرجة أو أخرى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط لمنطقة نفوذ يدمج فيها الكيان المحتل لفلسطين كقوة إقليمية متسيدة.”. مما يتطلب أيضاً عدم وجود دولة إقليمية قوية وقادرة على منافسة الكيان الصهيوني أو معاداته، وهو ما يستلزم تطويع إيران وإعادة تركيا للحضن الصهيو\غربي لحساسية موقعها الجغرافي كدولة مسلمة ولها طموحات.
لبنان جزء من الحالة العربية المستهدفة بالإخضاع السياسي والتحول لمنطقة نفوذ. إلّا أن فيه عقبتان كأداءتان متجسدتان في حزب الله. الأولى، أنه بثقله العسكري المتقدم يشكل تهديداً وجودياً للكيان الصهيوني، والثانية، بثقله العسكري والسياسي يحول دون إخضاع لبنان كمستعمرة أو منطقة نفوذ صهيونية. لذلك كان الطريق لتحقيق الهدف هو التخلص من ثقل حزب الله. وفي ضوء تعذر استخدام القوة العسكرية لهذا الغرض، كانت الحرب الأهلية هي الوسيلة..
ولكن عندما استنفذ المعسكرالصهيو\أمريكي وحلفاؤه العرب كل محاولاتهم لصنع مثل هذه الحرب وباءت بالفشل ووصلت لطريق مسدود، وعندما انعكس هذا الفشل سلباً على علاقات القوى اللبنانية ببعضها وتفكك المكون السني الحليف إثر تعذر الاعتماد على بديل للحريري، وعدم قدرة أو صلاحية جعجع للقيام بالدور، كان لا بد عندها أن ينعكس كل هذا على نشاط ذاك المعسكر المعادي المرتبك بين توجهه إما لوسيلة أخرى توصل إلى الحرب الأهلية أو لخيار بديل عن هذه الحرب نحو الهدف المطلوب.
فاتجهوا لأسلوب تدمير الدولة اقتصاديا وإداريا واجتماعيا بالريموت وإدخالها في فراغ سياسي ورئاسي يعتقد البعض بأنه لوضع ضغوطات على اللبنانيين لإحداث انفلات شعب في ثورة عمياء كثورة الجياع يصار لركوبها لتحويلها الى حرب أهلية أو إلى إسقاط الدولة نفسها من الخارطة ليعاد تشكيلها. ولكن بتقديري أن لبنان أصبح عصياً على الحرب الأهلية لعدم وجود تكتلين من مكونات اللبنانيين بطوائفهم المسيحية والمسلمة من ناحية، ولوعي الشعب اللبناني على التجربة السابقة، ولحرص حزب الله ومعظم القيادات المحلية على حسابتها اللبنانية.
وحيث أن هذا معلوماً لدى قوى المعسكر المعادي العابث بلبنان، كان إدخال لبنان في دوامة الفراغ السياسي يمثل انتقالا إلى خيار أخر غير الحرب الأهلية،وهو محاصرة حزب الله بما يتجاوز انتزاع أوراق قوة تأثيره بالمشهد السياسي اللبناني وقراره، إلى تأمين تشكيلة حكم عميل مؤهلة للتعاون بالوكالة المباشرة تبدأ برئيس الجمهورية.
وبقدر ما يتعلق الأمر بكرسي الرئاسة، فمفهومي أن حزب الله لا يهمه كثيراً وجود رئيس معارض للمقاومة أو صديق لها. ونتذكر في هذا ميشيل سليمان المعارض للمقاومة ولم يعمل على الإضرار بها، وميشيل عون الصديق لها ولم يقدم لها العون. إنما يهم حزب الله تجنب وصول رئيس عميل بمهمة ممارسة أفعال تطعن بظهر المقاومة أو تضطرها لمواجهة على أرض لبنان، كأن يطلب الاستعانة بدولة عدوة مثلاً،أو يصدر قرارات داخلية تؤثر على صمود المقاومة كالتي تتعلق بشبكة اتصالاته الأثيرية أو إغلاق معابر لوجستية مع سورية. ونتذكر هنا قرار إزالة كاميرات المراقبة من مطار الحريري واضطرار حزب الله للسيطرة على بيروت خلال ساعتين وإفشال المحاولة.
فالصورة في لبنان ستتشكل في سياق لعبة رئاسة الجمهوريه أو بكيفية انتهائها. ولكن في دولة لولا تأمين حزب الله لنصاب اجتماع مجلس وزرائها لما بقي فيها صاحب قرار أو سلطة تسيير أعمال، وفي جو سياسي استَكمل فيه باسيل انفراط عقد كل التحالفات في لبنان بفرط عقده مع حزب الله. فلا تحالف الان بين جعجع والسنة بعد تامره على الحريري وتجميد تيار المستقبل بأوامر سعودية، ولا تحالف أيضا بين جعجع وبين الدروز لأسلوب المرواغة السياسية المكشوفة لجنبلاط. ولا تحالف له مع باسيل بعد أن رفض الأخير عرض هذا التحالف مع جعجع عندما جاء مشروطاً بمعاداة المقاومة. وما سمى بالنواب التغييرين فلا ريح لخلطتهم. وموازين القوى باتت معومة. فالتوافق على الرئيس بات أصعباً، سيما وأن الحصة من الميراث أصبحت تشمل الكثيرين.ويبقى الثنائي الشيعي الطرف الوحيد المتماسك.
وبهذا فإن بقاء الفراغ الرئاسي أصبح سيناريو. فدول اجتماع باريس باستثناء قطر ربما تفضل بقاء هذا الفراغ في حال عدم قدرتها على فرض مرادها. أما الثنائي الشيعي فيفضله مالم يكن الرئيس المقترح مؤتمن جانبه نحو المقاومة. بينما جبران باسيل الرأس الجديد الذي قادته مراهقته السياسية ليثبت نفسه على الساحة بفرط عقد تفاهم مار ميخائيل مع حزب الله الذي اوصله وغيره لمجلس النواب، فهو لا يفضل هذا الفراغ لمجرد أنه يعطل ممارسة حصة الموارنة في الرئاسة التي يمارسها حاليا مجلس الوزراء دستوريا. فهذا الفراغ الساسي قد يستمر لسنين ما لم يحصل اختراق كأن يتشكل مناخ دولي أو اقليمي يعكس الصورة أو يقرب السعودية من إيران مثلاً، ولا أحكم في هذا السياق إن كان لعودة سوريا للحضن العربي تأثيراً إيجابياً.
كما ليس مستبعداً أن تكون صفقة بتعيين نواف سلام المعادي للمقاومة رئيسا للوزراء مقابل سليمان فرنجيه رئيساً للجمهورية. وهذا سيناريو ممكن. أما مرشح القوات اللبنانية الحقيقي وحلفائها بالخارج وهو جوزيف عون، فحظوظه شبه معدومة، ولا تقتصر المسألة على التعديل الدستوري للتغلب على شرط مرور سنتين على تقاعده، بل في رفض الثنائي الشيعي ما لم يكن هذا السيناريو مرتبطاً بصفقة غالية الثمن لا تقوى أمريكا أو السعودية على دفعه. لكن الحل موجود في سليمان فرنجيه كخيار مقبول للجميع سيما وأن الثنائي الشيعي قادر على حشد 65 نائبا لفوزه، وما يعيق هذا هو تأمين نصاب اجتماع المجلس وهو85 نائباً. وهذا هو التعطيل الأساسي لانتخاب الرئيس تقف خلفه السعودية، والباب مفتوح أمام تعليماتها لجعجع، وقد يحدث هذا.
وأخيراً إذا أخذنا بالاعتبار إضافة لما ذكر، بأن التوجه لانتخابات مبكرة ليس فيه مصلحة لأي طرف ولا تصنع فرقاً بل ستعقد المشكلة، فليس مستبعداً أن يُستغل الوضع لطرح تجمع باريس عند نقطة ما فكرة عقد مؤتمر دولي أو التدويل في مجلس الأمن لكن هذا سيلاقي رفضاَ من الثنائي الشيعي وإيران وفشلاً. وفي المحصلة لا حل ولا سيناريو ممكن إذا انطوى على تهديد لسلاح حزب الله، فوحده الخط الأحمر للحزب، ولضمان سلامة وسيادة لبنان.
*كاتب وباحث اردني
هل تستطيع قوى خارجيه فرض رئيس على لبنان؟
