اليمن الحر الأخباري

فشلٌ ذريع للدبلوماسية الإسرائيلية..وخيبة أمل مزدوجة لواشنطن!

 

د.رجب السقيري*
المفاجآت السارة لشعوب منطقة الشرق الأوسط أصبحت قليلة جداً ونادرة بل شبه معدومة في ظل ما شهدته المنطقة خلال العقود الثلاثة الماضية من توترات وحروب وثورات وانقلابات وأزمات اقتصادية وكوارث طبيعية ، وكذلك في ظل ازدياد هيمنة القطب الواحد الأمريكي على النظام الدولي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً ، وما نتج عن تلك الهيمنة من تفرد واشنطن في القرار السياسي الدولي والدعم غير المحدود للحليف الإسرائيلي وتأمين الغطاء السياسي والدبلوماسي لإجراءاته القمعية الأحادية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وشيطنة كل من يقف في وجهه أو يدعو لمقاومته ولو سلميا.
على هذه الخلفية جاء خبر الاتفاق السعودي الإيراني باستئناف العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران برعاية صينية ، فكان خبراً ساراً ومفاجئاً بالنسبة للشعوب العربية ولكنه نزل كالصاعقة على رؤوس ثلاثة أطراف إقليمية ، الطرف الأول هو حكومة إسرائيل والطرف الثاني هو إدارة الرئيس الأمريكي بايدن ، أما الطرف الثالث فهو حكومات بعض الدول العربية والإسلامية التي هرولت مؤخراً نحو التطبيع مع إسرائيل أو تلك المتأهبة للتطبيع معها بناءً على قناعة بأن إسرائيل قادرة على حماية الأنظمة القائمة في تلك الدول من النفوذ والبطش الإيراني وكذلك إرضاءً للولايات المتحدة راعية التطبيع .
نجاح للدبلوماسية السعودية وفشل ذريع للإسرائيلية
توقيع اتفاقية استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران اعتبرته معظم دول المنطقة نجاحاً باهراً للسياسة الخارجية السعودية وأداتها التنفيذية المتمثلة بالدبلوماسية ، فقد أشادت بهذا الإنجاز كل من تركيا ومصر وقطر والعراق وسلطنة عُمان والأردن والبحرين ولبنان والسلطة الوطنية الفلسطينية ودول أخرى إضافة إلى باكستان . كذلك يتضح من تسلسل الأحداث في الآونة الأخيرة أن السعودية قد بدأت تتبع سياسةً خارجية تتسم بالاستقلالية حسبما تقتضيه مصالحها الوطنية بعيداً عن إملاءات الهيمنة الأمريكية ، إذ بدا ذلك جلياً عندما رفضت السعودية في أكتوبر الماضي ، بصفتها أكبر مصدر للنفط في العالم ، طلب واشنطن إلغاء أو تأجيل قرار “أوبك زائد واحد” بخفض إنتاج النفط بمقدار مليوني برميل يومياً وذلك للحيلولة دون رفع أسعاره في الأسواق العالمية ولمنع روسيا من تحقيق أرباح تساعدها في الإفلات من العقوبات المفروضة عليها بسبب اجتياحها لأوكرانيا .
كما بدا جلياً أيضاً في اتباع السعودية سياسة التقارب مع الصين والتي توجت بعقد ثلاث قمم في عاصمتها بمشاركة الرئيس الصيني شي جينبينغ (قمة سعودية-صينية وأخرى خليجية-صينية وثالثة عربية- صينية) ، مع أن الرئيس الأمريكي بايدن كان قد أعرب بكل صراحةٍ ووضوح خلال زيارته للسعودية مؤخراً عن رفضه السماح للصين أو روسيا بتعبئة الفراغ والتواجد في منطقة الخليج .
أما عن فشل الدبلوماسية الإسرائيلية فيما يتعلق باتفاق عودة العلاقات السعودية الإيرانية فلا حاجة بنا لأي تحليل ، فكل ما علينا هو الاطلاع على وسائل الإعلام الإسرائيلية ورصد أقوالها حول هذا الحدث ، فقد عبرت عنه صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية بقولها إنه يشكل “بصقة في وجه إسرائيل” . وأضافت بأن “الاتفاق سيعطل توسيع اتفاقيات ابراهام لتشمل السعودية” ، كما قالت الصحيفة أن “السعودية أصبحت مقتنعة أن إسرائيل لا تملك خياراً عسكرياً موثوقاً ضد إيران فقررت التهدئة والتوصل إلى تفاهم مع طهران” ، كما أن الاتفاق على حد قول الصحيفة هو “تعبير سعودي عن عدم الثقة برؤية نتنياهو لعزل إيران” . أخيراً أشارت الصحيفة أن نتنياهو كان ما يزال على أمل بالتطبيع مع السعودية حتى صباح يوم الجمعة (يوم إعلان الاتفاق السعودي الإيراني) وتمثلت رؤيته للتطبيع مع السعودية بإنشاء خط قطار من السعودية إلى حيفا .
من ناحية أخرى أثار الاتفاق فيضاً من المهاترات والاتهامات المتبادلة بين الحكومة الإسرائيلية والمعارضة التي اتهمت نتنياهو بالانشغال في مشروع التغييرات القانونية وإهمال متابعة المحادثات السعودية الإيرانية ، بينما رد نتنياهو الصاع صاعين للمعارضة متهماً إياها بأن المفاوضات السعودية الإيرانية قد جرت في عهد الحكومة السابقة التي قادها نفتالي بينيت ويائير لابيد وأن تلك الحكومة لم تفعل شيئاً لمنع التوصل إلى الاتفاق السعودي الإيراني . وكان نفتالي بينيت قد قال بأن “الاتفاق هو انتصار سياسي لإيران وضربة قاصمة لجهود بناء تحالف إقليمي ضد طهران” .أما خلاصة القول فجاءت من الزعيم الحالي للمعارضة ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق يائير لابيد الذي قال بأن الاتفاق السعودي الإيراني يمثل “فشلاً كاملاً وخطيراً للسياسة الخارجية لإسرائيل” ، مضيفاً بأن الاتفاق هو “انهيار لجدار الدفاع الإقليمي الذي بدأنا ببنائه ضد إيران” على حد تعبيره .
الإختراق الدبلوماسي الصيني وخيبة الأمل الأمريكية
رغم محاولات واشنطن إبعاد الصين ، منافسها الوحيد المؤهل لمشاركتها في قيادة النظام الدولي ، عن الشرق الأوسط ، فقد تمكنت بكين بما تحظى به من ثقة لدى الطرفين السعودي والإيراني من رعاية المحادثات بينهما على أسسٍ من حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ، واستطاعت بذلك تحقيق اختراق أذهل دول المنطقة ودولاً أخرى في العالم وعزز من مصداقية الصين ولكنه أصاب واشنطن بالصدمة وخيبة الأمل بعد أن كانت قد أرسلت وزير دفاعها ورئيس أركان جيشها للاجتماع مع قادة دول المنطقة ربما لتهيئة الأجواء لعمل عسكري محتمل ضد إيران بغية منعها من إنتاج أسلحة نووية بعد أن توصلت إلى قناعة بأن طهران باتت قاب قوسين أو أدنى من امتلاك القدرة على صنع تلك الأسلحة . وعليه وبعد الاتفاق المعلن عن استئناف العلاقات السعودية الإيرانية فقد أصبح من الصعب القيام بأي عمل عسكري ضد إيران بعد قيام السعودية ، أكبر قوة إقليمية في منطقة الخليج باستئناف علاقاتها الدبلوماسية مع طهران والدخول في حوارٍ معها بهدف خفض التوتر في المنطقة ووقف حرب اليمن والتوصل إلى حلول سلمية للنزاعات في المنطقة . ورغم إعلان واشنطن على لسان جون كيربي الناطق باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي عن دعمها للاتفاق الذي “يتماشى مع المصالح الأمريكية” على حد قوله ، إلا أن كيربي أعرب عن قلق واشنطن مما أسماه “النفوذ الصيني المتزايد في الشرق الأوسط” وأبدى شكوكاً حول التزام طهران بالاتفاقية .
عودة العلاقات السعودية الإيرانية ربما توقف قطار التطبيع
والآن ماذا عن تأثير هذا الاتفاق على مواقف الدول المطبعة حديثاً مع إسرائيل وتلك المهرولة ، أو التي تهيء نفسها ، نحو تطبيع علاقاتها مع إسرائيل ؟ بالنسبة للدول المطبعة حديثاً ، أغلب الظن أنها كانت على أمل كما يشيع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ليل نهار أن السعودية متجهة لا محالة نحو التطبيع ، وذلك رغم عدة تأكيدات رسمية صادرة من الرياض بأن التطبيع مع إسرائيل مرتبط بحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي على أساس حل الدولتين ومبادرة السلام العربية وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية . قد لا تتراجع الدول المطبعة عما قامت به ، لكن في ظل عودة العلاقات السعودية الإيرانية وثبات الرياض على موقفها المشار إليه أعلاه ، قد لا نرى قريباً دولاً أخرى تهرول نحو تطبيع علاقاتها مع إسرائيل ، لا سيما مع اشتداد حالة التوتر في الأراضي الفلسطينية المحتلة وازدياد قمع الشعب الفلسطيني من قبل الحكومة الإسرائيلية الأكثر تطرفاً في تاريخ دولة الاحتلال .
الاتفاقية خطوة أولى نحو التفكير بنظام أمني إقليمي عربي خالص
ثمة أمل قد يتطور إلى أمرٍ واقع على أثر عودة السعودية لاستئناف علاقاتها الدبلوماسية مع إيران والشروع في حوارٍ جاد معها من أجل وقف حرب اليمن المستمرة منذ ثماني سنوات وكذلك من أجل إيجاد حلول سلمية في لبنان وسوريا والنزاعات الأخرى في المنطقة ، أقول ثمة أمل ، بل ربما حلم ، بأن تقود السعودية والدول العربية الأخرى الفاعلة ، أن تقود العودة إلى تفعيل النظام الأمني الإقليمي العربي المتمثل في معاهدة الدفاع العربي المشترك ، أو إقامة نظام جديد ، وذلك بما لدى السعودية من إمكانيات ومن القوة الخشنة والقوة الناعمة ومن القدرة على التأثير على القوى الفاعلة في الوطن العربي . هذا الاكتشاف ليس أحجية ولا يحتاج إلى علم اللوغاريتمات لسبر غوره ، بل إنه أبسط بكثير مما يظن بعضنا ، ولكن إذا خلصت نوايا جميع الأطراف نحو تحقيق هذا الهدف. فلماذا يحتاج الوطن العربي إلى أمريكا أو إسرائيل أو تركيا أو باكستان أو الهند أو الصين للدفاع عن أمنه والحفاظ على استقلاله ووحدة أراضيه واستقلال إرادته ، وتحقيق مصالحه ؟ في وقتٍ تتوفر فيه لدى هذا الوطن كل مقومات النجاح للنظام الأمني الإقليمي العربي ، على أن يكون عربياً خالصاً وعصياً على التدخلات الأجنبية والأحلاف غير العربية والقواعد العسكرية ، غربيةً كانت أو شرقية ، إقليميةً كانت أو عالمية . الإمكانيات المادية والبشرية والعلمية والفنية والتكنولوجية متوفرة لدى أقطارنا العربية لبناء قوة عربية إقليمية قادرة على التدخل السريع في حال تعرض أيٍ من الدول العربية لمخاطر أمنية تهدد استقلالها ووحدة أراضيها . لمن يعارض هذه الفكرة أو يصنفها كأضغاث أحلام أقول له : أرجو أن يتسع صدرك لهذه الفكرة ، فهي مجرد أمل أو سمِّهِ حلماً إن شئت ، فأنا لا أدعو لإقامة جمهورية أفلاطون في الوطن العربي لإقامة العدل المطلق بين الناس وتحقيق تكافؤ الفرص وتوفير فرص العمل للجميع ولقمة العيش بكرامة وتوفير التعليم المجاني والرعاية الصحية وحماية حرية الكلمة . كل ما أفكر فيه في هذا السياق هو إقامة “نظام إقليمي أمني عربي خالص” إن كان ممكناً ، فإن لم يكن فاسمح لنا أن نحلم .
*دبلوماسي أممي سابق وباحث في العلاقات الدولية والدراسات الدبلوماسية

Exit mobile version