اليمن الحر الأخباري

الواقع والجثّة وإكرام الدفن!

د. رافع يحيى*
واقعنا جثّة ملقاة على قارعة الطّريق، وإكرام الميّت دفنه.
أبدأ هذا الصباح بالتّساؤل، هل يمكن دفن واقعنا واستحضار نوع من الواقع الآخر؟ دفن الجثّة واستبدالها بجسد متّسم بالحيويّة، على سبيل المثال! أو إحياء الجسد، كما حدث في أسطورة بجماليون. وهل ستتمكّن أوزيس من جمع أجزاء أوزوريس؟!
سيقول لي بعضكم. أنت متشائم يا دكتور! فهل أرى ما لا ترون!؟ سأبدأ حكايتي معكم من السّؤال التّالي: أين يجب أن نكون في عام 2023؟
هل أقرأ المشهد برمّته، وفق كتاب نظام التّفاهة للكاتب ألان دونو؟ وهذا هو الأصح. أم أحاول البحث عن خطّة إشفاء من خلال قراءة “سيكولوجيّة العقل العربي”؟ أم أساير وأصمت وأركّز اهتمامي بالأكل السّريع، وأدندن أغنية لا أفهم من سياقاتها لحنًا! ادندن فقط لأحصل على وسام لتظاهري فقط بالمعرفة! فهل بتنا بحاجة لبروميثيوس آخر، يخرجنا من هذا النّفق!
هل سألقي بجثّة هذا المجتمع كعروس في النّيل ليفيض؟ أم ألقيها بعيدًا في الرّاين لئلّا تعود إلينا كحذاء أبي القاسم الطنبوري! أم ألقيها في دجلة والفرات لامنحها شهادة حسن الختام؟ ولا سيّما أنّ الجفاف يقضم انفاسهما الأخيرة، وحالهما كحال جثّتنا! حتّى الخلاص من هذه الجثّة بات متعبًا. الغريب في الأمر أنّ هذه الجثّة قد ملّت من علّاتها وتريدني الإسراع في طقوس إكرامها! ولا اتمكّن أنا من مواراتها بالماء أو التّراب! متعبة حتّى في طقوس التّخلّص منها! اتمنّى لو انّها تهبّ من سباتها ذات يوم كطائر الفينيق!
مؤلم هذا المجتمع! مجتمع “الريموت كونترول”، لم يذوّت حتّى الآن أهم قاعدة في الدّين، والّتي تنصّ بأنّ “الحبّ هو أقصر طريق إلى الله” وأنّ الله محبّة. ولا علاقة له بالكراهية والحقد والغيرة والطّمع. وأنّه جلّ جلاله لا علاقة له بالمظاهر وانفصام الشّخصيات! لا علاقة له بالظّلم، لا علاقة له بمكرنا ونفاقنا. الله نور يضيء السّموات والأرض، فأين نحن من هذا النّور!
غريب! كلّ فلّ العالم وبرقوقه ونرجسه وأزهار التّوليب والجوري والياسمين الّتي تزيّنه لم تتمكن عطورها من النّفاذ إلى مسامات الإنسان وتطهيرة من تراكماته التّاريخيّة والإجتماعيّة والسّياسيّة! هل نحن حقًا صنعنا من ماء وطين! أم أنّها البلاغة قد ألقت بظلالها على المصطلح لتبرير ضعفنا وخيبتنا! لماذا هذا الزّخم من الكراهيّة؟ لماذا أمسينا هياكل ظلال؟!
لم تعد وجوهنا المتلبّدة قادرة على إخفاء كراهيّتنا وعدم تقديرنا لبعضنا البعض. وكلّ ما يجري مسرحيّة “بايخة”، مملّة. لكنّنا صرنا ممثّلين مع مرتبة الشّرف، وقد ازدحم القاع بنا. ظاهرة صوتيّة، منفّرة، وأسمع جعجعة ولا أرى طحينًا. ما أسوأ هذا الواقع، الّذي تباع فيه الكتب على أرصفة الشّوارع وبسعر بخس! بينما تباع الأحذية وتحفظ في حوانيت فاخرة وتنعم بالتّلميع والمكيّفات! هل تليق بنا الحياة؟ أم أنّنا كمجتمع أمسينا جثّة تنتظر إكرامها! كان الكون جميلًا فأفسدناه!
*كاتب فلسطيني

Exit mobile version